بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 ق.م خاض القادة العسكريين والسياسيين حروبًا عديدة فيما بينهم عُرفت بحروب ملوك الطوائف أو الحروب الديادوخية التي ترمز لهم، حيث اختلفوا على كيفية إدارة وحكم الامبراطورية فطالب البعض بضرورة تقسيم البلاد بين القادة، بحيث يحصل كل منهم على مناطق نفوذه، بينما فضَّل البعض الآخر بقاء الامبراطورية موحدة كما هي، فكانت نتيجة أربع فترات من الحروب الديادوخية هي تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق كبيرة.

وفاة الإسكندر الأكبر

ملوك الطوائف

كان الإسكندر الأكبر أول من غزا العالم في تلك الفترة ونشر الثقافة اليونانية في أراضي بلاد فارس، وبنى إمبراطورية دامت لأكثر من 200 عام، حيث اجتاحت جيوشه بلاد فارس ثم اتجهت شمالًا إلى أراضي السكوذيين البدو ذو الأصول الإيرانية لكنه انسحب منها بعد ثلاث سنوات لتتجه أنظاره نحو الشرق وصولًا إلى الهند، فكان له ذلك حيث وصلت جيوشه إلى نهر السند؛ وفي تلك المرحلة بدأ التعب يظهر على جنود جيش الإسكندر وساد بينهم الملل من حروبٍ لا نهاية لها، فضغط قادة الجيوش على الإسكندر وأجبروه على العودة إلى بابل.

لم يمنع ذلك طموح الإسكندر الأكبر من التطلع نحو شبه الجزيرة العربية، وراح يخطط لغزوها والوصول إلى الغرب، إلا أنه توفي بظروفٍ غامضة عام 323 قبل الميلاد تاركًا امبراطوريته دون قيادة؛ فلم يُعيّن خليفةً أو وريثًا من بعده.

نتيجة لذلك وعندما سمع قادته بوفاته، انشغلوا بتحديد وريث له وانقسموا بين مرشحين اثنين؛ فبعضهم أراد تعيين أخاه غير الشقيق أرياديوس والملقب بفيليب الثالث بينما رغب البعض الآخر بانتظار ولادة ابن الإسكندر لتعيينه وريثًا. وفي ذات الوقت ارتفعت أصوات مطالبة بتقسيم الامبراطورية بين القادة، حيث دعم مليغروس قائد قوات المشاة ترشيح فيليب الثالث بينما اختار القائد الأعلى للفرسان بيرديكاس انتظار ولادة ابن الإسكندر من والدته روكسانا، فتم له ذلك وأصبح وصيًا على الامبراطورية ثم تخلص من مليغروس لاحقًا.1

حروب ملوك الطوائف الأولى والثانية

قرر بيرديكاس تقسيم بابل بين قادة الفرسان الذين أيدوه بقراره، فكانت مصر لبطليموس وسوريا وفينيقيا من نصيب لاوفيدون، بينما أخذ أنتيغونوس فريجيا وليكيا وبامفيليا، أما أنتيباتر فحصل على مقدونيا وبقية اليونان إضافةً لعددٍ من القادة الذين اقتصرت حصصهم على مناطق محددة كأرمينيا وثراقيا وغيرها، لتبدأ بعد ذلك حرب ملوك الطوائف الأولى التي استمرت من عام 322 ق.م وحتى عام 320 قبل الميلاد، لتنتهي بمقتل بيرديكاس وسيطرة كل من أنتيباتر على أوروبا وأنتيغونوس على آسيا، لكن بعد وفاة أنتيباتر سرعان ما بدأت حرب ملوك الطوائف الثانية واستمرت من عام 318 حتى عام 315 قبل الميلاد ليصبح في نهايتها أنتيغونوس صاحب اليد العليا على أراضي الامبراطورية الآسيوية دون منازع.2

أسباب حرب ملوك الطوائف الثالثة

سيطر أنتيغونوس على معظم القسم الآسيوي من امبراطورية الإسكندر وازداد جيشه حتى وصل تعداده إلى 50000 جندي من المشاة وما لا يقل عن 12000 فارس، كما وضع يده على ثروات ضخمة بلغت حوالي 35000 وحدة من عملة الطالين الإغريقية القديمة، وهذا ما أثار مخاوف حلفائه بطليموس وسلوقس وكاساندر وليسيماخوس الذين طالبوا بتقاسم أراضي الامبراطورية وكنوزها التي استولى عليها أنتيغونوس، حيث أراد بطليموس فرض سيطرته على سوريا وفينيقيا، وسلوقس اللاجئ عند بطليموس طمع بوضع يده على بابل، أما كاساندر فقد طالب بإقليم كبادوكيا وليفيا، لتتجه أنظار ليسيماخوس إلى فريجيا. وكما هو متوقع لشخص طموح مثل أنتيغونوس فقد رفض كل هذه المطالب وأعلن عليهم حربًا عُرفت بحرب ملوك الطوائف الثالثة.3

أحداث حرب ملوك الطوائف الثالثة

سارع أنتيغونوس إلى غزو سوريا والسيطرة على فينيقيا حتى يضع يده على كافة مقدراتها البحرية التي كانت في ذلك الوقت ممرًا أساسيًا لكل من يفكر في غزو آسيا أو مصر، حتى وصل في الصيف إلى مدينة صور التي يدعمها بطليموس وفرض عليها حصارًا استمر طويلًا نظرًا لصمود المدافعين عن المدينة في وجه قوات أنتيغونوس، مما أتاح الفرصة أمام سلوقس الذي يعمل تحت إمرة بطليموس لمهاجمة قبرص والسيطرة عليها والوصول بذلك إلى بحر إيجه حيث زار ميليوتس الذي استقبله استقبال الملوك.

طلب أنتيغونوس من كاساندر تقديم توضيح حول حقيقة مصير والدة الإسكندر وزوجته روكسانا وابنه الإسكندر الأصغر، ثم تحالف مع بوليبرتشون الذي يسيطر على جزء من شبه جزيرة بيلوبينز حتى يمنع عبور قوات كاساندر إلى آسيا، وأعرب عن موافقته على إعلان بوليبرتشون الذي أصدره منذ أربع سنوات سابقة يطالب فيه أن تكون اليونان حرة ومستقلة، فكانت هذه خطوة في غاية الدهاء لأنه أجبر بطليموس على الاعتراف بحرية اليونان كونه يدعي أنه وصيًا عليها وهذا ما يتعارض مع رغبات كاساندر، كما شكل اتحاد دول جزر بحر إيجه التي ستساعده في حال فكر بمهاجمة كاساندر. ونتيجة لتحالف أنتيغونوس مع بوليبرتشون هُزم كاساندر في حرب ملوك الطوائف الثالثة واضطر للتفاوض رغمًا عنه، لكن قبل التوصل إلى الهدنة بينهما تلقى كاساندر عرضًا للمساعدة من بطليموس وليسيماخوس فقرر متابعة القتال مجددًا.

في تلك الأثناء وبعد سقوط مدينة صور حاول بطليموس تجميع قواته من جديد وقرر مهاجمة قيليقيا عام 312 قبل الميلاد حيث اعترضه ديميتروس ابن أنتيغونوس في غزة، لكنه لم يتمكن من إيقاف تقدمه ليتابع بطليموس طريقه متجهًا إلى سوريا إلا أنه عاد أدراجه مع تقدم قوات أنتيغونوس الضخمة لمواجهته. وبينما كانت جيوش بطليموس تتراجع إلى مصر توجه سلوقس أحد قادته على رأس كتائبه إلى بابل التي كان يحكمها سابقًا وتمكن من السيطرة عليها مجددًا.4

نتائج حرب ملوك الطّوائف الثالثة

بعد ذلك أدرك أنتيغونوس وابنه استحالة هزيمة بطليموس وليسيماخوس فقررا عقد معاهدة سلام معهما تضمنت تأكيد سيادة كلٍ من بطليموس وليسيماخوس على مناطقهما الحالية ،واعتبار كاساندر وأنتغونوس قادة للقوات المقدونية المنتشرة في أوروبا وآسيا وأقر الجميع بحرية كافة المدن الإغريقية واستقلالها واتفقوا على أن يصبح الإسكندر الأصغر ابن الإسكندر الكبير ووالدته روكسانا الحاكم الوحيد على كامل الامبراطورية ما إن يبلغ العمر المناسب، إلا أنهما قتلا لتنتهي بذلك العائلة الملكية المقدونية.

المراجع