حوسبة الحمض النووي

الرئيسية » شبكات » تقنيات » حوسبة الحمض النووي

قبل ظهور حوسبة الحمض النووي، استُخدمت تقنيات الحوسبة التقليدية بالاعتماد على رقاقات السيليكون التي تُتيح للحواسيب الوصول إلى سرعاتٍ محدودةٍ لا يمكن تجاوزها، لذلك كان لا بد للعلماء من أن يبحثوا عن بديلٍ يؤمّن سرعاتٍ أكبر، فوجدوا ضالتهم في الحمض النووي، ليبتكروا ما يُعرف بحوسبة الحمض النووي، التي قُدِّمت لأول مرة عام 1994، واستبدلت رقائق السيليكون برقائق حيويةٍ مصنوعةٍ من DNA، وهو ما سنتحدث عنه في مقالنا هذا.

ما هو الحمض النووي DNA

هو اختصارٌ لـ deoxyribonucleic acid أي الحمض الريبي النووي منقوص الأوكسجين، وهو عبارةٌ عن مادةٍ كيميائيةٍ مكونة من سلسلتين من الجزيئات ترتبطان ببعضهما بما يشبه السلم الملتوي، ويُدعى هذا البناء باللولب المزدوج (double helix)، ويتواجد DNA في نواة كلّ خليةٍ من خلايا الجسم، حاملًا معه الصفات الوراثية والتعليمات التي تحتاجها الأعضاء الحية لتنمو وتُنتج وتقوم بوظائفها.§

ما هي حوسبة الحمض النووي DNA computing

حوسبة الحمض النووي هي تقنيةٌ تُستَخدم فيها الجزيئات البيولوجية بدلًا من رقائق السيليكون التقليدية، فالحوسبة بشكلٍ عام هي أشبه بحل خوارزميةٍ ما، أي هي عبارةٌ عن تعليماتٍ محددةٍ يمكن الوصول إليها من خلال قائمةٍ من الخطوات المتتابعة، حيث يتم فيها إدخال البيانات ومعالجتها وأخيرًا إعطاء النتيجة؛ أما في حوسبة DNA ، فيتم تمثيل المعلومات باستخدام الأبجدية الجينية المكونة من الأدينين (adenine) والغوانين (guanine) والسايتوسين (Cytosine) والثايمين (thymine)، وهي القواعد النتروجينية للحمض النووي، بدلًا من الأبجدية الثنائية المستخدمة في الحواسيب التقليدية والمكونة من 1 و0.

لكن هل تقنية حوسبة الحمض النووي ممكنةٌ حقًا؟ نعم، وذلك لأن أي سلسة DNA قصيرة تتوضع جزيئاتها بشكلٍ عشوائيٍّ، يمكنها أن تتجمع وتضع نفسها ضمن تسلسلٍ معينٍ، وبذلك فإن الإدخال الخوارزمي يتم تمثيله بجزيئات DNA ذات تسلسلٍ محددٍ، وتُنفّذ التعليمات عبر عملياتٍ مخبريةٍ تُجرى على هذه الجزيئات؛ مثل تصنيفها حسب الطول أو حسب شرائط مَجدولة تم اقتطاعها تتميز بتسلسل جزيئاتٍ معين، وتُحدد النتيجة تبعًا لخصائص سلسلة الجزيئات النهائية والمرتبطة بوجود تسلسلٍ معينٍ أو غيابه.§

كيف ظهرت فكرة حوسبة الحمض النووي

ظهر مفهوم حوسبة الحمض النووي عام 1994 على يد ليونارد أدليمان (Leonard Adleman)، بروفيسور USC في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، حيث أظهر في مقالته العلمية Molecular Computations of Solutions to Combinatorial Problems – التي نُشرت في تشرين الثاني 1994- أنه يمكن استخدام الجينات لتخزين البيانات وإجراء الحسابات المعقدة بوتيرة متوازيةٍ هائلة.

وقد حاول باستخدام DNA حل مسألةٍ صعبة تزداد صعوبتها بازدياد عدد المدخلات تُعرف باسم مسألة البائع المتجول (Traveling Salesman Problem)، عن طريق استخدام القواعد الأربعة للحمض النووي (A, T, C, G) لتضمين مدخلاتها في شرائط الحمض النووي وتوظيف خصائصه البيولوجية لإيجاد الإجابة، وقد جاءت هذه الفكرة عندما لاحظ مدى التشابه بين استنساخ DNA وحوسبة نظرية سابقة، ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين من قِبل آلان تورينغ (Alan Turing).

ينزلق بوليميراز (أنزيم) DNA في الحالة الطبيعية على طول شريط الحمض النووي قارئًا بطريقه كل قاعدة DNA يمر بها، ومسجلًا مكملتها على الشريط الجديد، أما في إحدى نسخ آلة تورينغ وهي إحدى التقنيات التي سبقت حوسبة الحمض النووي؛ فقد تمت هذه الآلية على شريطٍ مزدوج قارئةً التعليمات على شريط الإدخال (input tape) ومسجلةً النتيجة على شريط الإخراج (output tape )، والمذهل في الأمر أن هذه الآلة البسيطة تملك نفس قدرات أي حاسبٍ حديثٍ.

وبعد اكتشاف أدليمان لهذا التشابه بدأ بالتساؤل عن قدرة استخدام DNA لحل العمليات الحسابية الصعبة، وفعلًا أظهرت تجربته الأولى صحة تساؤلاته على الرغم من بطء العمل، والكثير الكثير من العمل اليدوي في المخبر لاستخراج النتائج الصحيحة، ووجود احتمال الخطأ الكبير، وعدم إمكانية التوسع لحل عملياتٍ أصعب، إلا أن هذا الاكتشاف كان نافذةً لمجالٍ جديدٍ بما يخص الحوسبة، الذي يحمل إمكانية تخزينٍ عالي الكثافة، وفعاليةٍ غير مسبوقةٍ للطاقة، إضافةً إلى مستوىً جديد من العمليات المتوازية لم تعرفه الحواسيب الرقمية قبل ذلك، عُرف فيما بعد حوسبة الحمض النووي .§

خطوات تجربة أديلمان

شكلت هذه التجربة أساس حوسبة الحمض النووي ، بالاعتماد على مسألة البائع المتجول التي تشمل إيجاد أقصر طريق للمرور في عدة مدنٍ، دون المرور في المدينة الواحدة أكثر من مرة، وتزداد المسألة تعقيدًا بزيادة عدد المدن؛ ولحلها لجأ إلى الأسلوب التالي:

  1. مثلت شرائط DNA المدن لسبعة، حيث عبّر كل تسلسلٍ للشيفرات الوراثية الممثلة بالأحرف A, T, C, G عن مدينةٍ ما من هذه المدن، وطريق وصولٍ محتمل.

  2. قام بخلط هذه الجزيئات معًا في أنبوب اختبارٍ، حيث التصقت بعض شرائط الحمض النووي ببعضها، لتمثل كل سلسلةٍ من هذه الشرائط إجابةً محتملةً.

  3. خلال عدة ثوانٍ تجمعت جميع السلاسل المحتملة من شرائط الحمض النووي، والتي تمثل الإجابات في الأنبوب.

  4. قام بالتخلص من الجزيئات الخاطئة عبر تفاعلاتٍ كيميائيةٍ، مما ترك الطرق الصحيحة للوصول إلى المدن.

بالطبع كانت مشكلة أدليمان في هذه التجربة رغم إعطائها الإجابات سريعًا أنها استغرقت وقتًا طويلًا لحصر الاحتمالات إضافةً إلى ضرورة تدخل الإنسان لإنجازها، ومع ذلك يعود الفضل لها في الوصول إلى تقنية حوسبة الحمض النووي.

الخطوة الأولى لتصنيع حاسوب DNA

بالطبع قام علماءٌ آخرون بالعمل على تطوير ما بدأ به أدليمان، فبعد ثلاث سنواتٍ قام فريقٌ من جامعة روكستر بتطوير بواباتٍ منطقية (Logic gates) مصنوعةٍ من DNA، كانت الخطوة الأولى في طريق إنشاء حاسوبٍ ذي بنيةٍ مشابهةٍ للحاسوب التقليدي الكهربائي، لكن مع الاستعانة بشيفرة الحمض النووي بدلًا من الإشارات الكهربائية للقيام بالعمليات المنطقية. على سبيل المثال، يوجد بوابةٌ منطقيةٌ تدعى And gate تربط إدخالي DNA  ببعضهما كيميائيًّا ليُقفلا من بدايتهما إلى نهايتهما.

ويعتقد العلماء أن دمج هذه البوابات المنطقية مع رقائقَ DNA صغيرةٍ يمكنه أن يخلق ثورةً في مجال حوسبة الحمض النووي، حيث ستكون حواسيب DNA أكثر سرعةً ودقةً وفعاليةً من الحواسيب التقليدية.§