من لا يعلم أن أعلى القمم على الأرض هي قمة جبلٍ والتي تبلغ 8850 م، لكن ماذا عن أخفض نقاط الأرض؟ تدعى هذه النقطة بالمتحدي العميق أو Challenger Deep، والموجودة في خندق الماريانا المذهل في المحيط الهادئ.

موضع خندق الماريانا

خندق ماريانا العظيم هو خندقٌ هلالي الشكل موجود غرب المحيط الهادي شرق جزر الماريانا، قرب جزيرة غوام، وتُعتبر المنطقة المحيطة بالخندق موطنًا للعديد من البيئات الغريبة الفريدة من نوعها، ويحتوي خندق الماريانا على فتحاتٍ تنفث الكبريت السائل وثنائي اكسيد الكربون، إضافةً إلى براكينَ نشطةٍ وحياةٍ بحرية تأقلمت على العيش تحت الضغط الهائل، حيث يكون الضغط فيه أكبر من الضغط الموجود على سطح البحر بألف مرةٍ، إذ يبلغ ضغط الماء الهائل في قاع الخندق أكثر من 703 كغ بالإنش المربع، وتقع Challenger Deep أعمق نقاط هذا الخندق في نهاية جزئه الجنوبي.

يبلغ طول خندق الماريانا الواقع جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 2550 كم وعرضه 69 كم، ويصل عمقه إلى ما يقارب 11 كم، ولو وُضعت قمة جبل إيفرست تحت الماء هذه المنطقة فإنّها ستبقى مغمورة بالماء بمقدار 1.6 كم.1

تشكّل خندق ماريانا

تشكل خندق الماريانا بسبب عمليةٍ جيولوجيةٍ تحدث في مناطق الانغراس في المحيط (Subduction Zone)، حيث تتكوّن هذه المناطق نتيجة اصطدام صفيحتين كبيرتين من قشرة المحيط مع بعضهما. ينزلق في مناطق الانغراس لوحٌ كثيفٌ باردٌ من القشرة المحيطية تحت لوحٍ آخر أقل كثافةً ليغوص وينصهر في الوشاح الأرضي (الطبقة بين لب الأرض والقشرة)، وعند تداخل هذين اللوحين يتشكل خندقٌ عميقٌ، وفي حالة خندق الماريانا فإن قشرة المحيط الهادئ (والتي تدعي بالصفيحة التكتونية) انزلقت تحت قشرة الفلبين.2

الزلازل في خندق الماريانا

إن معدل حركة صفيحة المحيط الهادئ أسرع، مما يسبب انزلاقها تحت الصفيحة الفيليبينية وتَشكُّل منطقة انغراس حيث تتابع صفيحة المحيط انزلاقها تحت الصفيحة الفيليبينية لتنغرس في الوشاح، ولأن هذا الانغراس ليس سلسًا وموحدًا على طول حدود التقاء الصفائح تحدث زلازل متكررة.

تَثبت هذه الصفائح مكانها بسبب تراكم الضغوط، لكن يمكن أن تحدث انزلاقات مفاجئة قد تسبب تحرك الصفائح عدة ميليمتراتٍ إلى عدة أمتارٍ فتنتج اهتزازات تنتقل عبر قشرة الأرض على هيئة أمواجٍ زلزاليةٍ. بينما تنغرس صفيحة المحيط الهادئ في الوشاح ترتفع حرارتها بفعل الاحتكاك والتدرج الحراري الأرضي، ويسبب هذا التسخين انصهار بعض المعادن وتشكّل حمم ترتفع إلى السطح بسبب كثافتها القليلة لتحدث بعدها ثوراناتٌ بركانيةٌ، وهذا ما يفسر تكون قوس جزر الماريانا.

أعمق نقاط الأرض – Challenger Deep

أول من استكشف هذه النقطة هما جاك بيكارد ودون والش بواسطة الغواصة تريستي عام 1960، حيث وصلا إلى عمقٍ بلغ 10916 م، وقد استغرقت رحلتهما للوصول الى أعمق نقطةٍ حوالي خمس ساعاتٍ، وعندما وصلت الغواصة إلى قعر البحر تفحّص الباحثان البيئة المحيطة بهما، فقد ساعدهما ضوء الغواصة لرؤية ما وصفاه بالرواسب الدياتومية البنية الغامقة.

كانت تلك الرواسب تغطي قاع المحيط، إضافةً إلى وجود كائنات حية كالروبيان (القريدس) وبعض الأسماك التي تشبه أسماك الفلوندر المفلطحة (Flounder Fish) وأسماك موسى (Sole Fish)، لكن لم يستطيعا البقاء في هذا العمق أكثر من 20 دقيقة بسبب تصدع نافذة الرؤية الزجاجية في الغواصة نتيجةً للضغط الكبير، وبذلك بدأت رحلة العودة إلى سطح المحيط، وكان صعودهم أسرع بكثير من هبوطهم، فقد استغرقا ثلاث ساعات و15 دقيقة للصعود.3

في عام 2009 تمكن باحثون من مؤسسة وودز هول لعلوم البحار (Woods Hole Oceanographic Institution) من إكمال الغوص في خندق الماريانا لتتمكن آليتهم الغواصة من الوصول إلى عمقٍ بلغ 10902 م4، وفي 2010 تمكنت الإدارة الوطنية الأمريكيّة للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) من التوصل إلى قياس عمق هذه النقطة بواسطة إرسال نبضاتٍ صوتيةٍ عبر المحيط حيث بلغ 10994 متر، لتُنشر في 2014 دراسة مسحية للقاع قام بها باحثون من جامعة New Hampshire تقول إن هذه النقطة تنتهي على عمق 10,984 م.

بالرغم من هذا العمق الكبير إلا أن هذه النقطة لا تُعتبر أقرب نقطةٍ إلى مركز الأرض؛ لأن الأرض عند خط الاستواء تصبح مفلطحةً، وبالتالي فإن أجزاءً من قاع المحيط المتجمد الشمالي أقرب إلى مركز الأرض من أعمق نقطةٍ في خندق الماريانا.

أما ثاني أعمق نقطةٍ في الماريانا فهي The Sirena Deep، والتي تبعد عن Chllenger Deep مسافة 200 كم شرقًا ويبلغ عمقها 10809 م.5

المراجع