راسبوتين هل هو شيطانٌ متجسدٌ أم وليٌّ تقيٌّ؟

راسبوتين

غريغوري راسبوتين؛ فلاحٌ روسيٌّ ادعى أنه يتمتع بقدراتٍ على العلاج الصوفي وأسس معتقدًا خاصًا به، وتلاعب بأفراد عائلة رومانوف الملكية ودفعهم للاعتقاد أنه قديّسٌ، ولكنه لم يقنع الكهنة الذين أكدوا أنه لم يتمتع بأي قدارتٍ إلهيةٍ بل على العكس، فقد ظنوا أنه المسيح الدجال بعينه.

بعد سيطرته على أفراد العائلة الملكية، بدأ بمد نفوذه على الحكومة الروسية فأدت قرارته إلى مقتله وسقوط سلالة رومانوف الحاكمة.1

حياته المبكرة

ولد غريغوري يفيموفيتش نوفيكفي في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1869 لعائلةٍ ريفيةٍ في قرية بوكروفسكوي في سيبيريا، وقد تناقل الريفين منذ شبابه الأحاديث الكثيرة عنه التي تقول أن لديه قدرات شفائية ورؤى من الله.2

فيما تزعم بعض الروايات أنه كان صبيًا مزعجًا وميّالًا للقتال وقضى أيامًا عدةً في السجن بسبب سلوكه العنيف، ولكن كلا الروايتان لا تتتمعان بالكثير من المصداقية لأن الأشخاص الذين كتبوها لم يعرفوا راسبوتين كطفلٍ، وتأثرت آراؤهم برؤيتهم له كشخصٍ بالغٍ.

بشكلٍ عام لا نعرف الكثير عن طفولة راسبوتين لأنه كان هو والأشخاص المحيطين به أمييّن، ولكن الأمر المؤكد أنه في مرحلةٍ ما من العشرينات من عمره، كان لدى راسبوتين زوجة وعدة أطفال. ولكن حدث شيءٌ ما أدى إلى مغادرته بوكروفسكوي، ربما كان يهرب من القانون لسرقته حصانًا، أو لأنه كما يدّعي البعض أتته رؤيةٌ من الله، لكن لم يثبت أيًا من الأمرين.

ولكن مهما كان سبب مغادرته فمن المؤكد أنه بدأ رحلة الحج عام 1897 عندما كان عمره 28 عامًا، وغير هذا القرار مسار بقية حياته.3

أيامه الأولى كراهب

بعد فراره من قريته لجأ إلى ديرٍ محليٍّ وأقام مع الرهبان لعدة أشهرٍ، فأقنعوه بالبحث عن الله والابتعاد عن طرق الشر، فانضم إليهم وأصبح راهبًا وكان معلمه يدعى ماكاري، بعدها هجر عائلته وبدأ السفر من مكانٍ إلى آخر لتبشير القرى المختلفة.

يعتقد العديد من المؤرخين أنه قضى الكثير من الوقت في المشي في غابة سيبيريا، وأنه التقى بأصحاب مذهب يدعى كليستي وانضم لهم، يُعد هذا المذهب فرعًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية ويُعتقد أن أتباعه كانوا ينضمون إلى صلاة الأحد كأشخاصٍ عاديين ثم يعقدون اجتماعاتٍ سريةً في الغابة.

في مراسمهم كان يقومون بخنق بعضهم ثم الإفلات في آخر لحظةٍ حتى يشعروا بالنشوة من الاختناق، ويدورون ويرقصون حتى يصبحوا في حالة سكرٍ ثم يسقطون على الأرض، بعد ذلك يسمحوا لرغباتهم المكبوتة بالظهور بممارسة الجنس مع أي شخصٍ يجلس بجانبهم في مجالس عربدةٍ ضخمةٍ لإيمانهم أن الخلاص لا يمكن تحقيقه إلا بتطهير الخطيئة بالخطيئة.4

لقائه بالعائلة الملكية

أوصله ترحاله في النهاية إلى سان بطرسبرغ (1903)، واستقبله هناك مفتش أكاديميةٍ سانت بطرسبرغ الدينية ثيوفان وأسقف ساراتوف هيرموجين.

كان شائعًا في دائرة البلاط الملكي في ذلك الوقت الخوض في مسائل التصوف والسحر، لذلك كان راسبوتين (وهو متجولٌ قذرٌ، غير مهذبٍ بعيونٍ براقةٍ ومواهب شفاءٍ ظاهريةٍ استثنائيةٍ) موضع ترحيبٍ حارٍ في البلاط، في عام 1905 تم تقديم راسبوتين للعائلة الملكية، وفي عام 1908 تم استدعاؤه إلى قصر نيكولاس وألكسندرا خلال إحدى نوبات الناعور لابنهما.

نجح راسبوتين في تخفيف معاناة الصبي وأوقف النزيف، وحذّر الأبوين عند مغادرته القصر من أن مصير كلٍ من الطفل والسلالة يرتبطان به ارتباطًا وثيقًا، مما أدى إلى بدء عقدٍ من النفوذ القوي لراسبوتين على العائلة الإمبراطورية وشؤون الدولة.5

في غضون بضعة أشهرٍ فقط أصبح راسبوتين ضيفًا أساسيًّا في قصر عائلة رومانوف، بدأ في إعطاء أدويةٍ للقيصر مثل الأفيون والمورفين والكوكايين مدعيًا أنها تساعد في علاج أمراضه المختلفة، نتيجةً لذلك أصبح القيصر مدمنًا، ولا يستطيع التخلي عن راسبوتين.6

نهاية راسبوتين

مع اقتراب راسبوتين من مركز القوة الروسية، أصبح الجمهور أكثر تشككًا وكرهًا له وبدأ النبلاء داخل البلاط الملكي يحسدونه لأنه تمكن من الوصول إلى القيصر بسهولةٍ، لذا بدأوا في المبالغة في بعض جوانب سمعة راسبوتين التي حملها معه منذ مغادرته بوكروفسكوي، خاصةً أنه كان مدمنًا على الخمر ومنحرفًا جنسيًا، ولكن تجدر الإشارة إلى أن بعض هذه الاتهامات حقيقية.

إن قصة مقتل راسبوتين متنازعٌ عليها بشكلٍ كبيرٍ وتتضمن جميع الأنواع والقصص الغريبة والجنونية حول قدرة الرجل على التهرب من الموت، لذا كان من الصعب للغاية على المؤرخين العثور على الحقائق الفعلية المحيطة بوفاة راسبوتين، بالإضافة إلى أنه قُتل خلف أبوابٍ مغلقةٍ مما زاد الأمر صعوبةً، والقصة الأكثر شيوعًا لموت راسبوتين هي كالتالي:

دُعيّ راسبوتين لتناول الطعام والاستمتاع ببعض النبيذ في قصر مويكا من قبل فيليكس يوسوبوف، يزعم أن راسبوتين تناول كميةً وفيرةً من النبيذ والطعام وكلاهما كان مسمم بكثرةٍ، ومع ذلك واصل راسبوتين تناول الطعام والشراب وكأن شيئًا لم يحدث، فأصبح من الواضح أن السّم لن يقتل راسبوتين، لذا رفع يوسوبوف بندقيته وأطلق النار عليه في صدره.

قيل إن راسبوتين سقط على الأرض واعتقد جميع من في الغرفة أنه مات، لكنه نهض بأعجوبةٍ بعد بضع دقائقٍ فقط من وجوده على الأرض وتوجه فورًا إلى الباب محاولًا الهرب من الرجال الذين أرادوا قتله، فهرع الجميع ورفع عدة أشخاصٍ آخرين أسلحتهم وأطلقوا الرصاص على راسبوتين حتى سقط، ولكن عندما اقترب منه المهاجمون رأوا أنه لا يزال يتحرك، مما أجبرهم على إطلاق النار عليه مرةً أخرى حتى اقتنعوا أنه توفي، عندها حملوا جثته وألقوا بها في نهر مالايا نيفكا.

لم يواجه أي من الرجال الذين شاركوا في هذا الحادث تهمًا جنائيةً، إما لأنه في هذه المرحلة كان راسبوتين يعتبر عدوًا للدولة، أو ببساطة لأن هذا الامر لم يحدث، فمن الممكن أن تكون هذه القصة تم إنشاؤها كدعايةٍ لزيادة تشويه اسم راسبوتين، لأن مثل هذه المقاومة غير الطبيعية للموت كان يُنظر إليها على أنها من أعمال الشيطان. ولكن عندما تم العثور على جثة راسبوتين، كان من الواضح أنه قد تم إطلاق النار عليه ثلاث مراتٍ فقط. فيما عدا ذلك لا يوجد شيءٌ مؤكدٌ عن وفاة راسبوتين.7

المراجع