شهر رمضان و كورونا … كيف يتفاعل العالم الإسلامي مع الجائحة

الرئيسية » منوعات من العالم » شهر رمضان و كورونا … كيف يتفاعل العالم الإسلامي مع الجائحة

يتطلّع المسلمون حول العالم كل عامٍ لاستقبال شهر رمضان، الذي يعتبر أهم شهر للعبادة لدى المسلمين، فضلًا عن كونه شهرًا يعزّز الروابط الأسريّة، حيث يجتمع أفراد العائلة لممارسة طقوس العبادة المختلفة بالإضافة إلى التعاليم المميّزة والخاصّة، ولكن للأسف فهذا العام لم يكن مثاليًّا لشهر رمضان، بل كان مخيّبًا لآمال المسلمين وتطلعاتهم، إذ ألقت جائحة فيروس كورونا الجديد بظلالها على شهر رمضان، وأجبرت المسلمين على التخلّي عن الكثير من الطقوس الخاصّة كأداء صلاة التراويح الجماعيّة في المساجد، وألغت الدعوات العائليّة على موائد الإفطار، حيث لا تزال إجراءات حظر التجول وحالات إغلاق المحال التجاريّة مفروضةً بشكلٍ صارمٍ في معظم أرجاء العالم الإسلاميّ، وقد ينتهي شهر رمضان وكورونا يستمر بفرض التباعد الاجتماعي أشهرًا. §.

شهر رمضان

شهر رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجريّ المعتمد لدى المسلمين حول العالم، والذي يبدأ برؤية الهلال وينتهي برؤية هلال الشهر الجديد، ويكون عادة إمّا 29 أو 30 يومًا، وذلك يعتمد على إمكانيّة رؤية القمر في السماء. يصوم المسلمون في شهر رمضان، حيث يمتنعون عن الطعام والشراب والعلاقات الجنسيّة من طلوع الفجر حتى غياب الشمس، ويعتبر صوم هذا الشهر الركن الرابع من أركان الإسلام.

الأهميّة الدينيّة لشهر رمضان

لشهر رمضان أهميةٌ كبيرةٌ لدى المسلم، لأنّه الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم على الرسول محمّد، وتحديدًا في ليلة القدر الواقعة في الليالي العشر الأخيرة من رمضان، وعادةً ما يُعتقد بأنّها الليلة السابعة والعشرون. يُعتبر رمضان شهرًا للعبادة وتهذيب النفس والروح والرجوع إلى الخالق، إذ يُكثر المسلمون من الصلاة والاستغفار وقراءة القرآن والقيام بالعمل الصالح كمساعدة المحتاجين، والتصدّق على الفقراء ومسامحة بعضهم البعض.

كذلك، لا يقتصر مفهوم الصوم على الامتناع عن الطعام والشراب؛ بل يمتدّ أبعد من ذلك بكثيرٍ ليشمل الامتناع عن جميع أنواع السلوك اللاأخلاقي بما فيها الكذب والغش والاحتيال والكلام البذيء، كما يتميّز شهر رمضان بمظاهر العبادة الكثيرة، فأبرزها صلاة التراويح التي يجتمع لأدائها الرجال والنساء على حدٍّ سواء في الجوامع، والتي تتميّز بطابعها وطقوسها المختلفة عن باقي الصلوات. §.

أجواء رمضان و كورونا … قيود على الممارسات

في ظل تفشّي وباء كورونا المستجّد حول العالم، ومع مساعي الدول والإجراءات المتبّعة في محاولة التصدّي لهذه الجائحة الخطيرة التي أودت بحياة الآلاف حول العالم، يأتي الشهر الفضيل لدى المسلمين، ليشكّل عقبةً أمام ممارساتهم الدينيّة.

أعرب الكثير من المسلمين عن حزنهم لعدم قدرتهم على إحياء طقوس هذا الشهر، لما تفرضه الحكومات من حظرٍ للتجوال وتضييقٍ على الأشخاص ومنع التجمّعات وإغلاقٍ للمحال التجاريّة، فلم يتبقَ لديهم خيار سوى الاحتفال بصمتٍ داخل المنازل، فهذه الجائحة التي لا مثيل لها في التاريخ أدّت إلى فرض حظرٍ غير مسبوقٍ على التجمّعات العائليّة والصلوات الجماعيّة وبالطبع إغلاق معظم المساجد حول العالم، والذي أصاب المسلمين بالكآبة هو إغلاق أقدس المواقع الإسلاميّة ألا وهو الكعبة المشرّفة الموجودة في مكّة في المملكة العربيّة السعوديّة. §.

خلو الكعبة من المصلّين

وضعت القيود عائقًا أمام المسلمين، حيث دعت المنظّمات الدينيّة المسلمين إلى البقاء في المنازل، وممارسة التعاليم الدينيّة بعيدًا عن التجمّعات التي قد تزيد من خطر انتشار فيروس كورونا، وبالرغم من ذلك خالفت أكبر منظّمة إسلاميّة في مقاطعة أتشيه الأندونيسيّة قرارات الحكومة المتمثّلة بالبقاء في المنزل؛ حيث حضر عدّة آلافٍ من المصلين صلاة العشاء يوم الخميس قبيل مطلع شهر رمضان في أكبر مسجد في عاصمة المنطقة باندا آتشيه، على الرغم من أنّ الحشود كانت أصغر من المعتاد ولكنهم لم يمتثلوا لقرارات الحكومة، وصرّح المصلّون أنّهم ليسوا خائفين من العدوى أو انتشار المرض طالما أنّهم ملتزمون بقواعد الصحّة العامة وارتداء الكمامات وترك المسافات المناسبة بينهم.

كما سار رجال الدين في بنجلادش وباكستان على خطى أهالي آتشيه، حيث رفض المشايخ ورجال الدين الالتزام بقرارات الحكومة ومنظّمة الصحة العالميّة. لكن بالنسبة إلى دولة ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة، قامت الحكومة بتمديد إغلاقها للجوامع والمدارس ومعظم الشركات حتى منتصف شهر مايو، كما قامت بوضع نقاطٍ للتفتيش لإلقاء القبض على المخالفين. كما قامت بحظر الأسواق الشعبيّة التي تنتشر في شهر رمضان، وعوضًا عنها انتشرت الأسواق الشعبيّة الإلكترونيّة حيث مكّنت الناس من تسوّق الأطعمة والمشاريب الرمضانيّة بشكلٍ إلكترونيٍّ، وبالنسبة لإندونيسيا فأصدرت الحكومة قرارًا بحظر التنقّل والسفر بين المدن. §.

صيام رمضان و كورونا … هل من تأثير على المناعة؟

من بين التحديات الكبيرة التي تفرضها أزمة فيروس كورونا العالميّة هي صيام شهر رمضان، التي آثارت سؤالًا في غاية الأهميّة؛ هل من الآمن صيام شهر رمضان؟ وهل صيام شهر رمضان يضعف قدرة الجهاز المناعيّ؟

في الواقع؛ لا توجد إجابةٌ علميّةٌ مثبتةٌ تدلّ على أنّ الصيام يعرّضك لخطر الإصابة بفيروس كورونا، ذلك أنّ الصوم بحد ذاته لا يشكّل خطرًا حقيقيًّا، بل إنّ التقاليد الرمضانيّة كالتجمعات الأسريّة والأسواق المكتظّة هي من تشكّل خطرًا في انتقال العدوى، وقد أجابت السلطات الإسلاميّة على سؤال الصيام بالفتاوى، حيث أصدرت جامعة الأزهر في القاهرة، والتي تعتبر أعلى سلطة لاهوتيّة للمسلمين بيانًا تُذكّر فيه جميع المسلمين بضرورة صيامهم هذا العام، حيث أكّد الأزهر على ضرورة الصيام ووجوبه على جميع المسلمين، وعلى ألّا يُسمح بأي استثناءاتٍ غير المذكورة في القرآن.

أيضًا، في الإمارات العربيّة المتّحدة، قال مفتي دائرة الشؤون الإسلاميّة والعمل الخيريّ بإمارة دبي أن لا عذر لأحدٍ للامتناع عن صيام رمضان باستثناء المرضى الذين يتعاطون الأدوية والذين قد تكون حالتهم الصحيّة صعبةً بسبب الصيام، وقال مستشهدًا بالقرآن إنّ الاستثناءات الوحيدة للصيام هم المرضى أو المسافرون.§.

في هذا السياق، ومن منظورٍ آخر، تقول الدكتورة جينا ماكيوتشي (Jenna Macciochi) عالمة المناعة بجامعة ساسكس (Sussex) إنّ مكافحة العدوى تتطلّب من الجسد أن يتمتّع بالطاقة الكافية، وبالتالي فإنّ الامتناع عن الطعام والشرب لفتراتٍ طويلةٍ من شأنه أن يضعف قدرة الجهاز المناعي على مكافحة الأمراض ومنها فيروس كورونا، لذلك من المهم جدًا الحصول على سعراتٍ حراريّةٍ كافية خلال ساعات الإفطار، وتناول الأطعمة التي تشمل:

تضيف الدكتورة جينا أنّ مخاطر الإصابة بالجفاف تزداد مع العمل أثناء الصيام؛ حيث يمكن أن يؤثّر ذلك بشكلٍ سلبيٍّ على الغشاء المخاطي الذي يبطّن المجرى التنفسيّ والذي يعمل كحاجزٍ وقائيٍّ.

بالعموم، يمكننا الخلوص إلى أنّ العناية بالصحّة العامة ستسهم حتمًا في تقوية المناعة، مثل التخلّص من التوتر وممارسة التمارين الرياضيّة والحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، أيّ أنّ أفضل طريقة للحماية من فيروس كورونا هي منع التعرض للفيروس عن طريق غسل اليدين، والبقاء في المنزل وتجنّب الأماكن المزدحمة، ولعلّ في تصادف شهر رمضان و كورونا هذا العام عبرة ما على المسلمين الإفادة منها.§.