مفهوم تغيُّر حالات المادة

إنّ الانتقال بين أطوار المادة المختلفة هو عمليةٌ فيزيائيةٌ منعكسةٌ (Reversible) لا تتضمن أية تغيراتٍ كيميائيةٍ في بنية المادة أو خصائصها، ومن التغيرات الشائعة التي تحدث لأطوار المادة نجد التجمد، والتسامي، والترسب، والتكثف، والتبخر. لكن، ما الذي يُغير المادة من حالةٍ لأخرى؟1

أسباب الانتقال بين أطوار المادة وحالاتها المختلفة

من المؤكد أنك قد لاحظت تغيُّر حالات المادة وما زلت تشهد هذا التغير بصورةٍ مباشرةٍ دائمةٍ كل يوم، مثلما يذوب مكعب الثلج متحولًا من الحالة الصلبة إلى الحالة السائلة، أو مثلما يغلي الماء السائل متحولًا إلى بخار (غاز)، ولكن هل تعلم لماذا تتغير حالات المادة تلك؟ إنّ الطاقة هي كلمة السر التي تحل هذا اللغز!

إذا امتصت المادة كمية كافية من الطاقة، فسوف تتحرك الذرات والمركبات بمعدلٍ أسرع عما كانت عليه، لتعمل الطاقة الحركية المرتفعة على إزاحة جزيئات المادة بعيدًا عن بعضها البعض وتفصل بينها بالقدر الذي يضمن تغيير حالتها، وتنتقل الطاقة المرتفعة أيضًا لتؤثر على الإلكترونات المحيطة بالذرات، مما يسمح أحيانًا بكسر الروابط الكميائية أو حتى بتهريب الأنوية من ذراتها.

إنّ الطاقة المشار إليها هنا تكون على الأغلب طاقة حرارية، إذ تعتبر درجة الحرارة المرتفعة مقياسًا للطاقة الحرارية المرتفعة، والتي قد تدفع بالمواد الصلبة لتتحوّل إلى سوائلٍ ومنها إلى غازاتٍ ثم بلازما أو حالاتٍ إضافيةٍ أخرى. أمّا درجة الحرارة المنخفضة فتعكس هذا المسار؛ ليتحول الغاز إلى سائلٍ والذي قد يتم تجميده متحولًا إلى مادةٍ صلبةٍ.

الضغط أيضًا يلعب دورًا في الانتقال بين أطوار المادة المتنوّعة، إذ تميل جزيئات المادة لاتخاذ الحالة الأكثر استقرارًا، وأحيانًا تتسبب عملية المزج بين عاملي الحرارة والضغط في تخطي إحدى الحالات الانتقالية؛ بمعنى أن تتحول المادة الصلبة إلى غازٍ مباشرةً أو أن يصبح الغاز صلبًا دون المرور بالصورة السائلة الوسطية بين الحالتين.

كما تساهم صورٌ أخرى من الطاقة – بجانب الطاقة الحرارية – في تغيُّر حالات المادة، وعلى سبيل المثال؛ تعمل الطاقة الكهربية على تأيُّن الذرات محولةُ بذلك الغاز إلى بلازما، ويمكن أن تتسبب الطاقة المنبعثة من الضوء في كسر الروابط الكميائية فتتغير المادة الصلبة وتصبح سائلة، وغالبًا ما تتحول أنواع وصور الطاقة المختلفة إلى طاقةٍ حراريةٍ عندما تمتصها المادة.2

طرق الانتقال بين أطوار المادة

  • التجمد Freezing:

التّجمُد هو العملية التي تتحول فيها المادة من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة، وتُعرف درجة الحرارة التي تتغير عندها المادة من سائلٍ إلى صلبٍ بدرجة التجمد (Freezing Point)، فدرجة تجمد الماء هي 0°C أو ما يعادل 32°F. إنّ لأنواع المواد المختلفة درجات تجمد قد ترتفع أو تنخفض عن تلك التي تُميِّز الماء، فعلى سبيل المثال؛ درجة تجمد الحديد تبلغ 1535°C، بينما درجة تجمد الأكسجين هي -219°C.

  • الانصهار Melting:

تسمى العملية التي تتحول فيها المادة الصلبة إلى سائلةٍ بالانصهار، ودرجة الانصهار هي درجة الحرارة التي يحدث عندها هذا التحول. يُسكب الحديد المُنصهر في قوالب بالمسبك (عملية تُعرف بسبك المعادن، وينتج عنها تكوين السبائك المعدنية)، وتتطلب هذه الخطوة درجات حرارة جدّ مرتفعة حتى يتحول الحديد من صورته الصلبة إلى السائلة، وتمتاز درجة انصهار الحديد بارتفاعها الشديد.

  • التبخير Vaporization:

التبخير هو العملية التي يتمّ فيها الانتقال بين أطوار المادة السائلة إلى الغازيّة، وإنّ درجة الحرارة التي يبدأ عندها السائل بالغليان تُعرف باسم درجة الغليان، والتي تُعادِل في الماء 100°C (أو 212°F)، وكما هو الحال في درجة التجمُد؛ فلأنواع المواد المختلفة درجات غليان قد ترتفع أو تنخفض عن تلك الموجودة بالماء؛ فدرجة غليان ملح الطعام 1413°C، بينما درجة غليان النيتروجين -196°C.

  • التبخُّر Evaporation:

للوهلة الأولى قد يبدو للبعض أننا مازلنا نتحدث عن الحالة السابقة (التبخير)، والتي يتحول فيها السائل إلى غاز، الأمر صحيحٌ إلى حدٍ ما؛ حيث أن النتيجة واحدة في الحالتين؛ إذا يُعنى التبخر بالوصول إلى الحالة الغازية تمامًا مثل التبخير؛ ولكن جُلّ الاختلاف يكمن في الطريقة التي نحصل بها على ذلك الغاز؛ إذ أنه في التبخر (Evaporation) لن يحتاج السائل للمرور بعملية الغليان حتى يتحول إلى غاز، فيحدث التبخر بمجرد امتصاص الجزيئات الكائنة على سطح السائل كمية كافية من الطاقة تمكنها من الانسحاب والفرار إلى الهواء.

في حين يحدث التبخر بصورةٍ أسرع كلما ارتفعت درجة الحرارة. تأمل مثلًا بركة صغيرة تكونت أثناء انهمار الأمطار ثم نال الجفاف من معظمها بعدما حدث التبخر، ولسوف تحدث العملية بصورةٍ أسرع في الطقس المشمس أكثر من الطقس الغائم.

  • التكثُّف Condensation: يصف التكاثف أو التكثف العملية التي يتم فيها الانتقال بين أطوار المادة السائلة إلى الغازية، ويتضح في ثلاث صورٍ كمثالٍ الآتي:
    • يتكاثف بخار الماء الموجود في الهواء على أوراق العشب الباردة مكونًا قطرات الندى.
    • تتجمع قطرات الماء الصغيرة على كوبٍ من المشروب البارد في يومٍ دافيء أو حار؛ بسبب تكاثف بخار الماء الجوي على الكوب.
    • تتكون السُحب عندما يتكثف بخار الماء على جزيئات الغبار الموجودة بالغلاف الجوي.3
  • الترسيب Deposition

يتم ترسيب بخار الفضة على سطحٍ زجاجيٍّ لصنع الطبقة الصلبة العاكسة في المرآة، ويعرف الترسيب بأنه عملية تثبيت الجزيئات أو الراسب على سطح ما، وربما توجد تلك الجزيئات المراد ترسيبها في بخار، محلول، مُعلَق، أو مخلوط.. ويشير الترسيب أيضًا إلى عملية تحول المادة من الصورة الغازية إلى الصلبة.4

  • التسامي Sublimation:

نوعٌ فريدٌ من أنواع الانتقال بين أطوار المادة بصورة مباشرة، فيتسامى الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون الصلب) متحولًا إلى الحالة الغازية ( غاز ثاني أكسيد الكربون)، ويعرف التسامي بأنه عملية انتقال المادة من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية بدون المرور بالحالة السائلة. مثال توضيحي؛ عندما يتحول الثلج مباشرةً إلى بخار الماء في يومٍ شتويٍّ عاصفٍ وباردٍ.

  • التأيُّن Ionization:

تتأين الجزيئات في طبقات الغلاف الجوي العليا فتحدث ظاهرة الشفق القطبي (The Aurora)، وتكون طاقة التأين هي الطاقة اللازمة لانتزاع إلكترون من ذرة غاز أو أيون، ولهذه العملية أهميةٌ كبيرةٌ في الحصول على حالة البلازما.

البلازما عبارةً عن غازٍ مؤينٍ ساخنٍ، يتكون من أعدادٍ متساويةٍ تقريبًا من الأيونات الموجبة (المركبات الأيونية) والإلكترونات سالبة الشحنة، وتختلف خصائص البلازما بصورةٍ ملحوظةٍ عن الغازات المتعادلة العادية لذا يتم اعتبارها حالة رابعة للمادة بجانب الحالة السائلة والصلبة والغازية، ونظرًا لاحتواء المادة في حالة البلازما على جزيئاتٍ مشحونةٍ كهربيًا، فإن تلك الجزيئات تتأثر وبشدة بكل من المجال الكهربي والمغناطيسي، وهي الخاصية التي لا نعهدها في الغازات المتعادلة العادية.5

المراجع