هو عمرُ بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي. ذاك المجاهدُ الليبيُّ قبائليُ المنشأ. كان عمر المختار بطلًا وطنيًّا بكل معنى الكلمة وعضو مجلس الشيوخ، وقائد المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي. لُقِّب بشيخ الشهداء وشيخ المجاهدين وأسد الصحراء. يعود نسبه لأبرز القبائل الليبية المتمركزة شرق البلاد، قبيلة منفة، في قريةٍ ساحليةٍ تسمى زاوية جنزور.1

وُلد في البطنان ببرقة في الجبل الأخضر، واختلف المؤرخون حول تاريخ ميلاده منهم من قال عام 1862م ومنهم قال 1858م.عاش يتيمًا وتربى على يد شيخٍ وباحثٍ دينيٍّ كان صديقًا لوالده يدعى حسين الغرياني الذي قام بتربيته تربيةً دينيةً وتحفيظه القرآن كله.2

علاقة عمر المختار مع السنوسيين

تميّز عمر المختار بسمعته الطيبة والحسنة لدى شيوخ الحركة السنوسية في فترة وجوده في الجغبوب، مما دفع محمد المهدي السنوسي (ثاني زعماء السنوسية) لاصطحابه في رحلته إلى الكفرة جنوب شرق الصحراء الليبية ومن ثم إلى منطقة قرو غرب السودان، حيث قام بتعيينه هناك شيخًا لزاوية عين كلك.

استمر عمر المختار في منصب نائب المهدي السنوسي في السودان لسنواتٍ عديدةٍ، ومن شدة إعجاب السنوسي به كان يقول: “لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم”، وفي عام 1897 عينه السنوسي شيخًا لبلدة زاوية القصور في الجبل الأخضر في شمال شرق برقة بالقرب من مدينة المرج، والتي كانت تسكنها قبيلة عبيد صعبة الانقياد، لكن عمر المختار تجاوز كل هذه الصعوبات وقد ملأ مركزه بأدائه الجيد وحسن عمله فكان شيخًا قولًا وفعلًا، مما منحه لقب سيدي عمر لعلاقته الجيدة مع السنوسيين، وهو لقبٌ لا يحصل عليه إلا شيوخ السنوسية المعروفين.

في عام 1900 تصدى عمر المختار للاستعمار الفرنسي الذي هاجم الحركة السنوسية مع مجموعةٍ من الشيوخ السنوسيين، بالإضافة لمشاركته بالدعوة في تشاد. وبعد وفاة محمد المهدي السنوسي عام 1902م تم تعيينه مجددًا لزاوية القصور وتميز بأدائه الرائع الذي أعجب العثمانيين، وبقي في منصبه هذا لثماني سنواتٍ حتى عام 1911م، حارب خلالها الانتداب البريطاني على الحدود المصرية الليبية في مناطق البردية والسلوم ومساعد، ولا سيما معركة السلوم 1908م التي انتهت بانتصار البريطانيين ببلدة السلوم.

قتال عمر المختار ضد الإيطاليين

ما إن تم إعلان الحرب الإيطالية على الدولة العثمانية حتى تهيأ عمر المختار للتصدي، فقام بترك أعماله كلها وعاد إلى زاوية القصور استعدادًا للحرب حيث قام بتجنيد الشباب ونجح بجمع 1000 مجند ومنهم شبان من قبيلة العبيد. وقد أسس معسكرًا خاصًا في منطقة الخروبة والذي تحول فيما بعد إلى قاعدةٍ عسكريةٍ لهم يغيرون منها على المواقع الإيطالية العسكرية.

كانت هذه الحرب أول حربٍ في التاريخ استخدم فيها المنطاد والطائرات لقصف مراكز العدو العسكرية. ونتيجةً لحروب البلقان عام 1912 م التي ترتب عليها نزاعٌ بين المقاتلين والعثمانيين ( الذين انسحبوا إلى الآستانة ورفضوا التخلي عن أسلحتهم للمقاتلين وفقًا لشروط صلح لوزان)، شن المقاتلون حربًا على العثمانيين راح ضحيتها العديد من القتلى وتأزم الوضع كثيرًا مما أدى إلى تكليف عمر المختار بفض النزاع ونجح بإقناع المقاتلين بالتراجع عن قتال العثمانيين.

بقي عمر المختار قائدًا للقوات القتالية ضد الطليان حتى استلام أحمد شريف السنوسي مساعدة عمر المختار، استلم بعده الأمير محمد إدريس السنوسي. وفي هذه الفترة بلغ الصراع أشده، وكانت معظم غارات عمر المختار حينها موجهةً على منطقة درنة مثل معركة هامة 1913 م التي دامت يومين وانتهت بمقتل 70 جندي إيطالي وإصابة نحو 400، وغيرها من المعارك مثل بو شمال وام شخنب وشلظمية والزويتينة.

في عام 1913 سقطت زاوية القصور وتكنس بيد الإيطاليين، وفي الفترة ما بين 1913 و 1915 تعرضت البلاد لقحطٍ انتكست على إثره المقاومة الليبية. وفي عام 1914 استولى الطليان على معظم المناطق الحيوية في وسط وشمال برقة. في عام 1916م تم توقيع اتفاقية الزويتينة التي أثرت على جميع المعاهدات بعدها في الحرب الليبية،

عاد عمر المختار قائدًا للمقاتلين في برقةَ بعد سقوط طرابلس في أيدي الطليان 1923م، مستمرًا في أعماله الجهادية ضد الطليان، فقام بتجييش الشبان وفتح باب التطوع للانضمام إلى الكفاح ضدهم، وانضمت إليه لجنةٌ من أعيان مختلف القبائل متبعًا أسلوب الغارات وحرب العصابات، وفي كل غارةٍ كان يرافقه 100 إلى 300 رجل يعملون على الهجوم ثم الانسحاب بسرعةٍ.

لم يتجاوز عدد رجاله الـ 1000 مسلحين ببنادقَ خفيفةٍ لا يتجاوز عددها الـ 6000، كل هذا كان سببًا لبداية الحرب الكبرى بين عمر المختار والطليان والتي استمرت 22 عام وكان نهايتها أسره ثم إعدامه.3

أسره

بعد اشتباك الطليان مع المجاهدين في إحدى المعارك عثروا على نظارات عمر المختار وجواده، وقاموا بتتبع آثاره حتى تمكنوا من إلقاء القبض عليه في مدينة البيضاء بعد معركةٍ طاحنةٍ عام 1931م. نُقل بعدها إلى بلدية سوسة ومنها إلى سجن بنغازي على ظهر طرّاد بحري مُقيدًا بالسلاسل بموكبٍ كبيرٍ من الحراس المسلحين، مانعين أي وسيلةٍ من وسائل الإعلام التواصل معه، وتم أسره في زنزانةٍ صغيرةٍ خاصة منفصلًا عن باقي السجناء السياسيين تحت حراسةٍ شديدةٍ ومتجددةٍ.

محاكمة عمر المختار

جرت محاكمة عمر المختار في 15 سبتمبر 1931 في برلمان برقة القديم، وكانت محاكمةً شكليةً لا سيما أن الطليان كانوا قد أعدّوا المشنقة وترتيبات الإعدام قبل بدء المحاكمة وصدور الحكم. تم إحضار عمر المختار إلى المحكمة مقيدًا ومحاطًا بالحراس من كل جانبٍ، بدأت المحاكمة وجيء بالترجمان لترجمة الحديث بين القاضي وعمر المختار، الذي أفصح بما لديه بكل شجاعةٍ وأوضح للمحكمة التهم المنسوبة إليه وصحح أحداثها.

و جرى الحوار التالي في المحكمة ، بين القاضي وعمر مختار:

لقاضي: هل قاتلت الدولة الإيطالية؟
عمر: نعم
القاضي: هل شجعت الناس على القتال ضد إيطاليا؟
عمر: نعم
القاضي: هل أنت على علمٍ بما فعلت؟
عمر: نعم
القاضي: منذ متى وأنت تقاتل ضد إيطاليا؟
عمر: منذ 20 عامًا
القاضي: ماذا فعلت؟
عمر: لا
القاضي: هل أنت على علمٍ بأنه سيتم إعدامك؟
عمر: نعم
دٌهش القاضي لأقواله وسأله: إنه لأمرٌ مؤسفٌ مثل هذه النهاية الكئيبة لشخصٍ مثلك ، أليس كذلك؟
ردّ عمر مختار: على العكس، إنها الطريقة المفضلة لإنهاء حياتي.

وعند نهاية الاستجواب تدخل المدعي العام بيداندو وطالب الحكم على المختار بالإعدام، إلا أن محامي الدفاع روبيرتو لونتانو (الذي كان متعاطفًا مع المختار) حاول جاهدًا استبدال حكم الإعدام بالحكم المؤبد بحجة أن هذا الحكم أشد قسوةً، وبعد مناوشاتٍ قليلةٍ بين المدعي العام ومحامي الدفاع قاطعهم القاضي برفع الجلسة للمداولة، وبعد فترةٍ وجيزةٍ دخل القاضي والمستشارين والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر النطق بالحكم الذي قضى بإعدام عمر المختار شنقًا حتىَ الموت، وعندما ترجم الحكم إلى عمر المختار اكتفى بالقول: «إنّ الحكم إلّا لله .. لا لحكمكم المُزيف .. إنا لله وإنا إليه راجعون ››.

الإعدام

عمر المختار

في صباح اليوم التالي الموافق 16 سبتمبر بعد تنسيق الترتيبات اللازمة لتنفيذ الحكم في مركز سلوق وعلى مرئ كل أقسام الجيش والميليشيات والطيران، و20 ألف من الأهالي وكل المعتقلين السياسيين، جيء بعمر المختار مقيدًا وتم تسليمه للجلاد، وما إن وصل إلى حبل المشنقة بدأ الطيران بالتحليق فوق ساحة الإعدام وبصوتٍ مدويّ خشية سماع الأهالي لكلام عمر المختار إن قال شيئًا، لكنه لم ينطق كلمةً واحدةً سار إلى نهايته وهو ينطق الشهادتين، وبعد دقائقَ تم شنقه وفارق الحياة.4

المراجع