أُحُد (بضمّ أوله وثانيه) وموقع غزوة أحد هو جبلٌ شهيرٌ من جبال المدينة المنوّرة، وسمّي بهذا الاسم لتوحّده وانقطاعه عن أيّة جبالٍ أُخرى هناك. يقع هذا الجبل شمال المدينة، على بعد حوالي أربع كيلومترات منها. أمّا وصف أُحُد الطبيعيّ فهو صخريٌّ من الجرانيت وطوله من الغرب إلى الشرق ستّة آلاف متر، فيه رؤوسٌ كثيرةٌ وهضابٌ شتّى حتى يكاد الناظر إليه، من كثرتها، يتخيّلها جبالًا مستقلّةً. ويفصل جبل أُحُد عن المدينة وادي “قُنُاة” الذي يأتي من شرق المدينة مارًّا حذاء أُحُد متجهًا نحو الغرب حتى يصب في “زُغابة”.

مجمل الأحداث السياسية والعسكرية بين معركة بدر و غزوة أحد

المعاهدة بين الرسول واليهود

عندما هاجر الرسول إلى المدينة وجد بها يهودًا توطّنوا فيها، وعلى الرغم من الاختلاف بين الإسلام واليهودية، إلا أن الرسول لم يتّخذ ابتداءً ضد اليهود أي موقفٍ من التضييق أو النفي أو المصادرة. وعقد مع هؤلاء اليهود، رغبةً في شيوع السلام في المنطقة، معاهدةً تضمّنت عدم الاعتداء والدفاع المشترك عن منطقة يثرب.

اليهود ينقضون المعاهدة

اليهود، على الرغم من تظاهرهم بحب السلام ورغبتهم في التعايش مع المسلمين، فقد أخذوا يبحثون لهم كل يومٍ عن متاعبٍ جديدةٍ، فصاورا يثيررون القلاقل ضد النبي ويتحدّون شعور المسلمين ويستفزّونهم. وبعد الشرارة الأولى التي أشعلها يهود بني قينقاع بالاعتداء على امرأةٍ مسلمةٍ في سوق بني قينقاع وقتلهم أحد المسلمين هناك، قام الرسول بمحاصرتهم حتى استسلموا ثم عفا عنهم وقام بإجلائهم عن المدينة.1

التحريض على المسلمين

وبالرغم من إخماد الرسول فتنة بني قينقاع وعفوه الشامل عنهم فإن الآخرين من اليهود لم يتّعظوا ولم يزدادوا إلا عنادًا وحقدًا وتوغّلًا في الكيد للرسول وصحبه. وكان كعب بن الأشرف أشد اليهود إيذاءً وتظاهرًا بالدعوة على حربه، ولمّا بلغه انتصار المسلمين في بدرٍ خرج إلى مكة، على الرغم من المواثيق التي عقدت بين اليهود والمسلمين، محرّضًا في طريقه قبائل العرب على المسلمين حتّى وصل إلى قريش وأخذ يثير حفائظهم ويزكّي حقدهم على النبي.

غزوة أحد

غزوة أحد
  • خروج قريش في طلب الثأر

في السنة الثالثة كانت غزوة أحد وكانت وَقعتها يوم السبت، النصف من شوّال، وكان حديث أُحُد أن قريشًا تحاشدوا بعد غزوة بدر بتحريضٍ من اليهود وطلبوا الثأر وخرجوا بأموالهم وعدتهم ونسائهم حتى نزلوا بأُحُد، وكانوا ثلاثة آلاف مقاتلٍ، منهم مائتا فارس.

  • استشارة الرسول أصحابه في القتال

لمّا علم بهم الرسول استشار أصحابه في الخروج إليهم، أو التصدّي لهم في المدينة. وكان الإجماع بالخروج وكان ممن تبنى فكرة البقاء والدفاع في المدينة عبد الله ابن أُبَيّ ابن سَلول، إلا أن الرسول عقد أمره بالخروج بالمسلمين لمجابهة قريش عند أُحُد. فجُهّز جيش المسلمين وكان قوامه ألف مقاتلٍ ليس فيهم أيُّ فارسٍ.

  • انخذال المنافقين وترتيب الجيش

في منتصف المسافة بين أُحُد والمدينة انخذل عبد الله ابن سلول وانسحب بثلث الجيش وبقي من جيش المسلمين ما يقارب الـ700 مقاتل. فنزل الرسول بجيش المسلمين منطقةَ أُحُد وجعل الجبل خلفهم. وأمر الرماة وقوامهم خمسين راميًا، على رأسهم عبد الله ابن جبير، بالتربّع على جبل “عُنين”، وأمرهم أن لا يتركوا مواقعهم أبدًا حتى لو هُزم جيش المسلمين. 

  • الانتصار الأولي في غزوة أحد والهزيمة التالية
غزوة أحد

بسبب التمركز الاستراتيجي للمسلمين بين جبلين ومع دعم الرماة في جبل”عُنين” استطاع المسلمون التغلّب على المشركين مع بداية المعركة ورجحت كفّة الانتصار إلى جانبهم وتمكّن جيش المسلمين من اقتحام معسكر قريشٍ وقُتل من المشركين آنذاك اثنان وعشرون دون أية خسائرٍ في صفوف المسلمين.

إلًا أنّ الرماة، عندما رأو غلبة جيش المسلمين وطمعوا في الغنيمة التي حصّلها المسلمون من معكسر المشركين، خالفوا أمر النبي وشرعوا إلى ترك مواقعهم والنزول عن الجبل، ولم يتبقَّ إلا بضعة رماةٍ التزموا مواقعهم وامتثلوا للأمر العسكري المطلق الذي وُجّه إليهم .2

نتائج المخالفة

بعد نزول الرماة عن جبل “قُنين” انتبه قائد جيش المشركين خالد ابن الوليد إلى خلوِّ الجبل من الرماة فكرّ بخيل قريش وعمد إلى الجبل فقتل من كان عليه من رماة المسلمين مع أميرهم عبد الله ابن جبير. ثم عمد جيش المشركين إلى الالتفاف حول جبل الرماة مباغتين بذلك جيش المسلمين من الخلف، فانكشف المسلمون على إثر ذلك فأصاب العدوّ فيهم وقُتل من جيش المسلمين نحو سبعين رجلًا فيهم حمزة ابن عبد المطّلب، عمُّ النبيّ.

بعد غزوة أحد

بعد أن تحصّل جيش المشركين النصر في المعركة رجع بهم قائدهم خالد ابن الوليد إلى مكّة وتجنّب الهجوم على المدينة لكي لا يحمّل جيش المشركين المُنهك معركةً أخرى ليس لهم طاقةٌ بها. وعمد جيش المسلمين إلى جمع الشهداء ودفنهم وإعادة تنظيم ركائز الجيش، وانتهي رسول االله صلى االله عليه وسلم مساء ذلك اليوم ـ يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ- بجيش المسلمين إلى المدينة. 3

حالة الطوارئ في المدينة وغزوة حمراء الأسد

بات المسلمون في المدينة ليلة الأحد الموافق للثامن من شهر شوال سنة 3هـ بعد الرجوع من غزوة أحد وهم في حالة طوارئ، وقد أنهكهم التعب، وبالرغم من ذلك باتوا يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها. ثم عزم النبي السير إلى منطقة حمراء الأسد فيمن تبقى من جيش المسلمين الذين خاضوا أُحُدًا بعد يومٍ فقط من المعركة وذلك بغية التصدّي لأيّ هجومٍ معاكسٍ من جيش المشركين بعد انتصارهم، ولبث جيش المسلمين ثلاثة أيامٍ، إلا أن المشركين بعد عزمهم على الهجوم على المدينة تراجعوا والتفوا عائدين إلى مكّة ولم تحصل مجابهةٌ بين الجيشين.

تلك هي غزوة أحد بمجمل تفاصيلها ومراحلها، ولطالما بحث الباحثون في مصير هذه المعركة هل كانت هي هزيمةٌ للمسلمين أم لا؟ والذي لا شك فيه أن التفوق العسكري في الصفحة الثانية من القتال كان للمشركين، وأنهم كانوا مسيطرين على ساحة القتال، وأن خسارة الأرواح والنفوس كانت في جانب المسلمين أكثر وأفدح، وأن طائفة من المؤمنين انهزمت قطعًا، وأن دفة القتال جرت لصالح الجيش المكيّ، إلا أنه وبالرغم من ذلك كلّه لم تصل الهزيمة بجيش المسلمين إلى أن يتبعه جيش المشركين، كما أن أحدًا من جيش المسلمين لم يقع في الأسر، ولم يحصل جيش المشركين على شيءٍ من غنائم المسلمين.4

المراجع