فقه الإمامة في الصلاة

الرئيسية » موسوعة أراجيك » ثقافات شرقية » فقه الإمامة في الصلاة

تعتبر الإمامة في الصلاة مبدأًا عظيمًا من مبادئ الشريعة الإسلاميّة، وتحمل في طياتها معنى الاقتداء لذلك أطلق على الإمام إمامًا، وتشير إلى ربط الشخص لصلاته بصلاة إمام مستوفٍ لكامل الشروط ، بالقيام والجلوس والسجود والركوع وغيرها، ولو بطلت صلاة المأموم لا تبطل صلاة الإمام، لكن إن بطلت صلاة الإمام تبطل صلاة المأموم، ولا يصح أن يسبق المأموم الإمام في أي فعل من أفعال الصلاة؛ بل أن يُتابعه، ويُؤدّي الأركان بعده، حيث حَذّر الرسول الكريم محمد (صلّى الله عليه وسلّم) أصحابه من أن يسبقوه في الصلاة.

تتحقق الإمامة في الصلاة بوجود مصلٍ واحد مع الإمام فأكثر، ولا فرق أن يكون رجلًا أو امرأة، باتفاق المذاهب الأربعة واختلافها حول كونه صبيًا مميزًا.§

وتُقسم الإمامة إلى قسمين:

  1. الإمامة الكبرى: وهي تولّي أمور المسلمين وإمامتهم.
  2. الإمامة الصغرى: أي الرجل الذي يتبعه الناس في صلاتهم.

أحقية الإمامة في الصلاة

حسب رسول الكريم صلى الله عليه وسلم في ترتيب أحقية الأئمة في الصلاة فإنه: “يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأكبرهم سنًّا، وإذا اجتمع الأقرأ والأفقه فالأولوية للأقرأ إذا كان لديه قدر لا بأس به من فقه الصلاة، وإلاَّ فالأولوية للأفقه.

فقه الإمامة في الصلاة

حسب الفقهاء، يجب على الإمام أن يتمتع بشروط معينة حتى يكون إمامًا، وهي:

  • الإسلام: فصلاة الإمام غير مقبولة إذا كان كافرًا ومعلنًا لذلك أمام الملأ، أما إن لم يُعرف فصلاته صحيحةٌ.
  • العقل: فلا يصح أن يكون الإمام ذاهب العقل؛ كالمجنون، وشارب الخمر فهو ممنوع من الاقتراب من المساجد والصلاة، حسب قوله تعالى في سورة النساء: “لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ”.
  • الذكورة: فلا يجوز أن تؤم المصلين امرأة، وهو أمر متفق عليه، حيث دلت النصوص على تفضيل وقوف النّساء وراء صفوف الرجال؛ ما يشير إلى عدم صحة التقدم عليهم بالإمامة، أيضًا يُخاف إن وقفت جانبه أو بين يديه أن تقع فتنة تُخل بصلاة الرجل.
  • البلوغ: فصلاة غير البالغ نافلة، ولا يُبنى فرض على النافلة، أما غير الفرض كصلاة التراويح، فقد ذهب البعض إلى صحة إمامة الصبي غير البالغ، لأنها نافلة في حقه وحقهم.
  • السلامة من الأعذار: كالرعاف، والجرح النازف، والقعودَ وسلس البول وغيرها، لكن من الجائز إمامة صاحب العذر لمن مثله. وتجوز صلاة الأعمى لمن يصلي خلفه، وكذلك إمامة الأميِّ بمن مثله، والمتيمم بالمتوضئ.
  • القدرة على النُّطق: لا تصحّ إمامة الأخرس الذي لا يقدر على القراءة؛ إذ لا يستطيع النُّطق بسورة الفاتحة التي تُعتبر ركنًا من أركان الصلاة، بالإضافة إلى واجبات الصلاة، مثل التشهّد، وغيره، لكن تصحّ إمامة الأخرس بمثله.
  • القراءة الصحيحة المجودة: وحفظ القدر الذي تصح معه الصلاة، وإتقان فاتحة الكتاب.
  • الضلوع بأركان الصلاة جميعها: إلى جانب النيّة عنده وعند المأموم.
  • نيّة الإمامة: وهي محل اختلاف بين المذاهب، فبعضها يشترط النيّة؛ كشرط لصحّة صلاة الجماعة؛ وأن ينوي الإمام الإمامة، وينوي المأموم الاقتداء، وبعضها الآخر يراها شرطًا لإمامة النساء وليس الرجال، في حين تستحبها مذاهب أخرى دون أن تعدها شرطًا لكل الصلوات.§

آداب الإمامة

على الإمام أن يتمتع بعدد من الأمور لتليق به الإمامة، ويكون جديرًا بالاقتداء به، وهي:

  • الحرص على عدم نقص صلاته وعدم إطالتها. قال النبيّ: “من صلى بالناس فليُخَفِّفْ، فإنَّ فيهم المريضَ والضعيفَ وذا الحاجة”.
  • انتظار انتهاء المؤذن من الإقامة للصلاة، ثم التكبير، وأن يرفع الصوت بالتكبيرات.
  • المحافظة على أداء الصلوات الخمس في موعدها تمامًا، وعدم التخلف عنها إلا لسبب قاهر، وتنويع السور التي يتلوها في الصلاة.
  • قراءة دعاء الاستفتاح والبسملة والاستعاذة سرًّا، وكأنه وحده، في حين يجهر بقراءة الفاتحة والسورة التي تليها في صلاة الفجر، وأول ركعتين من صلاة المغرب، وصلاة العشاء.
  • الحرص على تسوية صفوف المصلّين، كما أمر الرسول الكريم، حين قال: “سَوُّوا صفُوفَكُم فإِنَّ تسوِية الصَّف من تمام الصَلاة”.§

دور الإمام في المجتمع

للإمام دور مهمٌ في المجتمع وتنميته؛ اقتداء بما كان يفعله الرسول الكريم والصحابة، فهو معلم ومصلح وواعظ يبني نفوسًا ويهدي عقولًا، ولا ينحصر عمله فقط بالإمامة في الصلاة، لذلك يتوجب عليه التسلح بفكر مبني على الوسطية، والتزود بالعلم والمعرفة، والاطلاع على التيارات والنظريات الفلسفية والاجتماعية جميعها، ليلم بالقضايا العصرية، ويقدر على مواجهتها بشكل موضوعي ومحايد، بالإضافة إلى أهمية التعريف بالتراث العربي والإسلامي، لما يتضمنه من قيم دينية وثقافية وأخلاقية واجتماعية. والتطرق إلى أمور الحياة الدنيا إضافة إلى أمور الدين، حيث يشجع الإسلام على العمل للدنيا كما للآخرة، من أجل الارتقاء بها وتعميرها، فقد كان الرسول يحرص أن يدعو الله لإصلاح دنياه وآخرته.

ويساهم الإمام عن طريق خطب الجمعة، وحلقات الوعظ والإرشاد، والقيام بأعمال البر في المساجد في غرس التربية على كافة الأصعدة من تأهيل وتثقيف وتهذيب، وفي تشكيل عقول الناس ومشاعرهم وعاداتهم وتقاليدهم، ونشر الخير والمعروف والرحمة والعطف، وزرع السلوكيات الإيجابية، والعمل على التخلص من تلك السلبية عبر مناقشة ما يعتري المجتمع من تصرفات مشينة أو غير مألوفة.

يضطلع الإمام بمهمة النصح والإرشاد بهدوء وحكمة، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، وتعليم مكارم الأخلاق، وشرح وتفسير شؤون الدين وغيرها، بالإضافة إلى الاطمئنان عن المصلين وأسرهم وأحوالهم وعدم التفريق بينهم في المعاملة، وتفقّد المحتاجين، وعيادة المرضى وإعانتهم، والتأليف بين قلوب الناس قدر الإمكان؛ ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم. ولا ينبغي عليه ترويعهم أو بث التوتر والخوف واليأس في نفوسهم أو كره الذات وجلدها.

ويجب على الإمام ألا يلقي تهم الخيانة والردة على الآخرين، وألا يكفر فئة ويفسق أخرى، بل عليه أن يوحد بين المسلمين، وينشر مبادئ التسامح والعزة والشهامة، وحسن المعاملة سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.§