كيف أحافظ على شخصيتي

الرئيسية » موسوعة أراجيك » المهارات الشخصية » كيف أحافظ على شخصيتي

منذ الظهور الأول للإنسان، وتطور نموه وما يرافقه من صفات، كان لكل فرد شخصية مميزة، مختلفة عمّن أتى قبله وعمّن سيأتي بعده، وقد دأب على الحفاظ على شخصيته تلك. سرعان ما أصبحت “الشخصية” من ضمن الموضوعات الشائكة، والأكثر تشويقًا، وانكب على دراستها الكثير من الباحثين والعلماء، لسبر أغوارها وكشف ألغازها، والإحاطة بمكنوناتها، ويمكن القول إن بدء الدراسة المنهجية للشخصية بشكل منظم ومنفصل في علم النفس جاء عام 1930م مع نشر كتابين في الولايات المتحدة الأمريكية، هما “علم نفس الشخصية” عام 1937للمؤلّف روس ستاجنر (Ross Stagner)، و”الشخصية: التفسير النفسي” 1937 لجوردون ألبورت (Gordon W. Allport)،  تبعهما “اكتشافات في الشخصية” لهنري.موراي (Henry A. Murray) عام 1938، التي تضمنت مجموعة من التجارب والدراسات الطبية، ثم كتاب غاردنر مورفي (Gardner Murphy) الشامل بعنوان “الشخصية.. مقاربة اجتماعية بيولوجية للأصول والبنية” عام 1947م. كما بالإمكان تتبع أصول علم الشخصية إلى اليونان القدماء، الذين عرضوا نوعًا من النظرية البيوكيمائية للشخصية.§

الشخصية

تشير الشخصية (Personality) إلى اختلافات فردية في أنماط مميزة من التفكير والشعور والسلوك، وتتضمن المزاج والاتجاهات والآراء، والتي غالبًا ما تتجسد جليًا في تفاعل الفرد مع غيره من الناس، وتشمل أيضًا الخصائص السلوكية بما فيها المتأصلة والمكتسبة، والتي تختلف من واحد لآخر، وتُلاحظ في علاقة الأشخاص بالبيئة وبالمجتمع.

يُعرف مصطلح الشخصية بعدة طرائق، لكنه يحمل معنيين رئيسيين كمصطلح نفسي؛ أولهما يتعلق بالاختلافات الثابتة التي توجد بين الناس، وفيه تركز دراسة الشخصية على التصنيف وشرح خصائص الإنسان النفسية المستقرة نسبيًا. أما ثانيهما، فيؤكد على تلك الصفات التي تجعل كل الناس متشابهين، وتميز الإنسان نفسيًا عن غيره من الأنواع.§

هل يمكن تغيير الشخصية؟

من المستحيل أن تغيّر شخصيتك أو أنماطك الشخصية الرئيسية التي ترسخت عبر حياتك، رغم وجود العديد من كتب مساعدة الذات والمواقع الالكترونية التي تزود بخطط لتغير عاداتك وسلوكياتك، لكن هناك اعتقاد ثابت بأن شخصياتنا الأساسية غير قابلة للتغيير. ويرى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد (Sigmund Freud) أن الشخصية استقرت بشكل كبير في الجوهر منذ سن الخامسة، ويدعم ذلك اعتقاد العديد من علماء النفس المعاصرين بترسخ الشخصية ككل وثباتها نسبيًا خلال الحياة.

عمومًا، يتفق معظم الخبراء أن إجراء تغييرات حقيقية ودائمة على خصائص واسعة سيكون صعبًا جدًا. لكن في حال لم تكن راضيًا عن خصال محددة في شخصيتك، هل هناك ما يمكن فعله؟ يرى بعض المختصين بما فيهم عالم النفس كارول دويك أن تغيير أنماط السلوك، والعادات، والمعتقدات التي تقبع تحت سطح الخصائص الواسعة (مثل الانطواء الذاتي والتناغم) هي المفتاح الرئيسي لتغيير الشخصية.

هل الشخصية دائمة؟

ليس من الغريب وجود رغبة في تعديل الشخصية، حيث يتمنى الناس الخجولون أن يصبحوا أكثر انفتاحًا وكلامًا، بينما يتمنى الأشخاص ذوو الطبع الحاد أن يبقوا هادئين في المواقف التي تشحذ عواطفهم. وستتمنى في عدة مواقف من حياتك أن تتغير خصال رئيسية من شخصيتك، وعندها عليك أن تضع الأهداف، وتعمل على علاج مشكلات الشخصية هذه. كأن تنوي في بداية العام الجديد أن تصبح أكثر كرمًا، ولطفًا، وصبرًا أو أكثر انفتاحًا.

العوامل المحددة للشخصية

لفهم إمكانية تغيير الشخصية، علينا أولًا فهم مسببات الشخصية، فهل الشخصية حصيلة الجينات الوراثية (الطبيعة)، أم التربية، أم الخبرات أم البيئة (التنشئة)؟

غالبًا ما اعتمد أصحاب النظريات والفلاسفة في الماضي نهجًا واحدًا، ودافعوا إما عن أهمية الطبيعة أو التنشئة. لكن اليوم يتفق أغلب المفكرون أن مزيجًا من كليهما يشكل الشخصية في النهاية.§

العوامل المحددة للشخصية

كيف أحافظ على شخصيتي وأقوّيها

الشخصية القوية مطلب أساسي لتحقيق أهدافنا وأحلامنا، وهي الأداة الأفضل التي تسمح لنا بكسر العقبات والتطور إلى حياة جيدة. يحمل كل تحد نواجهه في رحلتنا لحياة أفضل احتمال تقويتنا أو إضعافنا. لا يوجد حل وسط. فعندما نواجه مشكلات وأوقات صعبة، لا تتيح لنا قوة شخصيتنا مواجهة العاصفة فقط، بل وحتى الاستفادة منها. فيما يلي ثلاثة خطوات للحفاظ على شخصيتنا وتقويتها:

جاهد لتكون الشخص نفسه أمام الناس وخلفهم

عندما تواجه ضغوطًا ما، سيبرز جوهرك. في أزمة أو تحت التوتر، لا نملك في بعض الأوقات ترف الحفاظ على المظهر، وتعكس أفعالنا حقيقتنا، هل هي جيدة أم لا.

هل أنت الشخص نفسه في العمل وخارجه؟ هل تختلف شخصيتك عند تعاملك مع مجموعة رفاق وأخرى؟ هل تحدد بيئتك نوع حديثك أو أنه ثابت بكل الأحوال؟ الأشخاص الذين يقدرون الاستقامة والنزاهة هم أنفسهم أمام جميع الناس. فالشعبية ليست مهمة، المهم هو أن تكون نزيهًا في أي وقت بغض النظر عمن معك. ولا يمكنك فعل ذلك إلا إذا كنت نزيهًا، ما يعني أنك الشخص نفسه في كل مكان وزمان.

وسواء أدركت ذلك أم لا. سيلاحظ الناس إذا كانت أقوالك مطابقة لأفعالك، وسينتبه الأصدقاء والعائلة وزملاء العمل وحتى أطفالك. يجب أن تدعم شخصيتك ونزاهتك نجاحك، لا أن تضعفه. تكون الشخصية حقيقية عندما تخلص للمبادئ الصحيحة حتى لو لم يراقبك الآخرون. أن تكون مخلصًا لله في حياتك الخاصة أكثر أهمية من إدراك الناس لذلك.

كن حريصًا جدًا على ألا تتوافق

ليست الشخصية هي ما تقوله عن نفسك، بل من أنت عليه فعلًا. وهنا أساس الحفاظ على الشخصية. يمكنك تزييف أي شيء في الحياة لكن ليس شخصيتك.  وسواء أكنت ما تقول أم لا. تعني الشخصية فعل الشيء الصائب بغض النظر عن تفكير الناس فيك. وهي تعني غالبًا الوقوف لوحدك والتصرف بجرأة.

أحيانًا من الأسهل أن تتوافق، وقد لا يكون سقف الرهانات عال، فالنتيجة غير مهمة، وسيكون من الأيسر طول الطريق أن تسبح مع التيار، وسيتجلى ذلك في اجتماعات العمل ودوائر المجتمع. ربما لا تتوافق بشكل كامل مع اتجاه زملاء العمل للذهاب في مشروع خاص، لكن معارضتك ستتسبب في إطالة الاجتماع، وتصعّب حل المشكلة. أو عندما يتحدث أصدقاؤك بشكل ظالم عن شخص ما لا تكاد تعرفه، سيكون من الأسهل عليك أن تجلس وتستمع من أن تهب للدفاع عنه. لا يهم صغر الموقف، فالانسياق والتوافق في هذه المواقف ضربة رئيسية لقوة شخصيتك ونضجها. وعندما يكون خوفك من الانسياق أعظم من خوفك من التغيير، فأنت في طريقك لإدراك أحلامك.

يتحدث معظم الناس عن امتلاك النزاهة والقيم، لكن شك كبير خلف كلماتهم، لا يوجد جوهر فعلي. وعليك أن تكون حذرًا عندما يبدأ الأشخاص بالتباهي بأنفسهم أكثر مما يتحدث عنهم الآخرون. وغالبًا ما تكون هذه إشارة إلى أنهم يزيفون شخصياتهم. كن الشخص الذي يقول ويعيش حياة محترمة. كن أكبر من الكلام. كن صاحب فعل تتحدث سمعته عنه، وليس كالآخرين حولك. هذا هو المكان الصحيح الذي تكتشف فيه الشخصية الحقيقية.

تعلّم أن تقيّم عملية بناء شخصيتك

تقول إحدى الرسائل الرومانية: “أكثر من ذلك، نحن نفرح بمعاناتنا، مع العلم أن المعاناة تولّد التحمّل والتحمّل ينتج الشخصية، والشخصية تولّد الأمل، والأمل لا يدفعنا للشعور بالخجل، لأن محبة الله انسكبت في قلوبنا عبر الروح المقدسة التي منحت لنا”.

يتحدث ما سبق عن الشخصية التي تأسست من خلال التحمّل. إذا كنت رياضيًا ستعرف أنه لا توجد طرق مختصرة للفوز في سباق أو منافسة. الشخصية لا تختلف. لا تستطيع أن تنتقل إلى مكان وتنتزعه، لا تستطيع أن تقرر فقط أنك امتلكته وتخبر الآخرين أنه لك، فالأمر يُبنى عبر التحمل، لا تتفقد شخصيتك على الباب. تأكد من أنك دائمًا شخص جيد، وسيأتي الباقي في آوانه.

نحن نعيش في عالم متسارع، إذا رغبنا بتناول سندويش همبرغر، نستطيع الوصول إليها في خمس دقائق، إذا أردنا أغنية جديدة، يمكننا تحميلها خلال ثوان. يكمن الخطر في عالم كهذا في تفكير معظم الناس أنهم يستطيعون تطبيق نفس الأمر على شخصياتهم.

والخلاصة، يمكنك الوصول إلى القمة بدون نزاهة، وفي الحقيقة ستصل بشكل أسرع، لكنك لن تبقى بدونها طويلًا هناك، قد تتطلب وقتًا إضافيًا لتصل حيثما تريد عندما ترفض الطرق المختصرة، لكن هناك ثروة في الانتظار. فالوقت الذي نجبر فيه على مصارعة الانتظار، يعني النمو والنضج أكثر على كافة المستويات.§