كيف تم تصوير الثقوب السوداء

الرئيسية » علوم » فضاء وفلك » كيف تم تصوير الثقوب السوداء

في عام 2019، تمّ تصوير الثقوب السوداء لأوّل مرة في التاريخ، وظهرت أول صورةٍ لثقبٍ أسود تم التقاطها من قبل الفريق البحثيّ القائم على مشروع مقراب أفق الحدث (Event Horizon Telescope)، والتي فتحت مجالًا كاملًا جديدًا من الأبحاث في الثقوب السوداء، وقد أصبح علماء الفلك اليوم يعرفون كيف يبدو شكل الثقب الأسود. لكن ما خلفيّة هذه الإنجازات، وما هي الثقوب السوداء أصلًا؟ §.

تعريف الثقوب السوداء

الثقوب السوداء هي أماكنُ تتّميز بكثافتها الشديدة وقوة جذبها العاليّة، والتي تتمكّن من امتصاص وابتلاع جميع الأجسام التي تمر بقربها سواءً كانت مركبات فضائيّة أو نجوم أو كواكب، وحتى الضّوء لا يمكنه الهرب من الثقب الأسود!

كان العالم ألبرت أنيشتاين (Albert Einstein) أول من تنبّأ بوجود الثقوب السوداء في عام 1916، في نظريته النسبيّة العامة، ولكن لم يظهر مصطلح الثقب الأسود إلا بعد أعوامٍ عدّةٍ من قبل عالم الفلك جون ويلر (John Wheeler) في عام 1967، وبعد مرور عقودٍ على معرفة الثقوب السوداء كموضوعٍ نظريٍّ، تم اكتشاف أول ثقبٍ أسود مادّي في عام 1971.

تشكّل الثقوب السوداء

يعتقد العلماء أن أصغر الثقوب السوداء تشكلت مع بداية الكون، وبالنسبة للثقوب السوداء النجميّة فهي تتشكل عندما تصل النجوم إلى نهاية حياتها، وتنهار مشكلّةً إما نجومًا نيوترونيةً شديدةَ الكثافة أو ما يسمى بالثقوب السوداء النجمية. في حين أنّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة لا تزال لغزًا محيرًا للعلماء حتى وقتنا الحالي، حيث يعتقد العلماء أنها تشكلّت في نفس الوقت الذي تشكلت فيه المجرات.

حجم الثقب الأسود

تتنّوع أحجام الثقوب السوداء، فمنها الصغير ومنها الكبير، ولكن يظّن العلماء أن أصغر الثقوب السوداء متناهٍ في الصغر حيث يبلغ حجمها حجم الذرة! هذه الثقوب السوداء صغيرةٌ جدًا لكنها تمتلك كتلةً هائلةً.

يوجد نوعٌ آخر للثقوب السوداء والتي تُدعى بالثقوب السوداء النجميّة (Stellar)، إذ تصل كتلتها إلى أكثر من 20 ضعف كتلة الشمس، في حين أنّ أكبرها تدعى بالثقوب السوداء فائقة الكتلة (Messier 87)، والتي تتّميز بكتلتها التي تصل إلى كتلةٍ أكثر من مليون شمسٍ، وقد كان مثالها ثقب مجرّة Messier 87 بطل أوّل تجارب تصوير الثقوب السوداء التي سنأتي على ذكرها أدناه.§.

ماذا يوجد داخل الثقب الأسود!؟

لا أحد يعرف بالضبط ما يكمن في أفق حدث الثقب الأسود. يفترض بعض الفيزيائيين أن المّادة داخل الثقب الأسود مضغوطةٌ لدرجة أنها تشكّل نقطةً من الكثافة اللانهائية المعروفة باسم “التفرّد”. انطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن اعتبار الثقب الأسود على أنه حيّزٌ من الفراغ، حيث تتركز كتلته عند نقطةٍ غير متناهيةٍ في الوسط. §.

تصوير الثقوب السوداء

لطالما كان تصوير الثقوب السوداء موضوعًا مُثيرًا للجدل، سواء بالنسبة للعُلماء أو للعامّة من الناس، ولطالما اعتُبر هذا بالأمر المستحيل، كونها تمتص موجات الضوء، أي لا يمكنك عمليًّا التقاط صورةٍ لشيءٍ لا يمكن للضوء الهروب منه، وبالتالي ستظهر الصورة سوداء بالكامل. لذا، كان التحدي الذي يواجه العُلماء في أول عمليّةٍ لتصوير الثقوب السوداء هو كيفية التقاط صورةٍ للغاز الساخن المتساقط، والمتوهج عن الثقوب السوداء نتيجة آلاف وملايين السنين الضوئية.

فيما بعد، قام فريقٌ كبيرٌ من عُلماء الفلك والكمبيوتر بالعمل على مدار عقدٍ من الزمن ليتمكنوا من التقاط صورٍ للثقوب السوداء، حيث افترض هؤلاء العلماء إمكانية أن تصوير الثقب الأسود من خلال التقاط صور الظلال المتوهجة المحيطة بالثقب، وتم العمل على تطوير تقنيّة علم الفلك الراديوي السائدة والموجودة لتساعدهم على ذلك، ولكن ظلت إمكانية تصوير شيءٍ يعتبر بعيدًا جدًا عن الأرض من العوائق الكبيرة، وبمثابة التحدي الثاني الذي واجه العلماء في عملية التصوير، لذلك تم تشكيل فريقٍ مُختصٍ للعمل على إنشاء شبكةٍ من التلسكوبات المعروفة باسم تلسكوب أفق الحدث (EHT) لمواجهة هذا التحدي، ومن ثم تم تصوير أول ثقبٍ أسود في عام 2019.

التقنية المستخدمة في تصوير الثقوب السوداء

تُستخدم التلسكوبات المُقربة بمختلف أنواعها لرؤية الأشياء البعيدة، وكلما زاد قطر التلسكوب أو قطر فتحة العدسة زادت قدرته على جمع المزيد من الضوء، وزادت أيضًا دقته وقدرته على تصوير الصورة بدقةٍ وتفاصيلَ أكثر، ومن أجل رؤية التفاصيل الموجودة في الأشياء البعيدة والتي تبدو صغيرةً وشبه مرئية من الأرض نحتاج إلى جمع أكبر قدرٍ ممكنٍ من الإضاءة، وبدقةٍ عاليةٍ جدًا، الأمر الذي جعل العلماء يعملون على تطوير وتحسين تقنية قياس التداخل الأساسي الطويل (VLBI)؛ التي تعمل كمجموعةٍ من التلسكوبات المُقربة الصغيرة، والتي تتم مُزامنتها مع بعضها البعض على نفس الجسم البعيد المراد تصويره وفي نفس الوقت، لكي تعمل وكأنها تلسكوبٌ مقربٌ واحدٌ عملاق الحجم.

حيث ساعدت هذه التقنية العلماء ومكّنتهم من التقاط أول صورةٍ للثقب الأسود، وكانت في السابق تُستخدم لتتبع المركبات الفضائية وتصوير النجوم البعيدة قبل استخدامها في تصوير الثقوب السوداء لاحقًا بعد تطويرها.§.