كيف عاشت الديناصورات

الموسوعة » عالم الحيوان » كيف عاشت الديناصورات

منذ أن اُكتشفت هياكلها لأوُل مرّةٍ في القرن التاسع عشر، أضافت الديناصورات بعدًا جديدًا لمخيلات البشر من صغارٍ وكبارٍ على حدٍّ سواءٍ، كما أثارت فضول العلماء للتعرّف على هذه الكائنات الضخمة التي حكمت الأرض في يومٍ من الأيام. لنكتشف ذلك سويّةً.

ما هي الديناصورات

جاءت تسمية ديناصور (Dinosaur) من الكلمتَين اليونانيّتَين القديمتَين؛ كلمة Deinos؛ والتي تعني الضّخم أو الرهيب، وكلمة Sauros؛ وتعني الزّواحف، فهي زواحفُ ضخمةٌ هيمنت على كوكبنا لأكثر من 150 مليون عام، خلال حقبة الميزوزويك (Mesozoic) أي حقبة الحياة الوسطى، وتنوّعت أحجامها بين العملاق المخيف مثل سبينوصور (Spiosaurus)، ومايكرورابتور (Microraptor) الصغير الذي يُماثل حجم الدجاجة، وقد عاشت جنبًا إلى جنبٍ مع الزوّاحف البحريّة مثل إكتيوصور (Ichthyosaurs)، وموزاصور (Mosasaurs)، وبليزوصور (Plesiosaurs)، والزّواحف الطائرة.

استطاعت الديناصورات التأقلّم مع مختلف النظم البيئيّة، فأحد أهمّ أسباب نجاحها كان وجود أرجلٍ مستقيمةٍ متعامدة مع أجسادها، ممّا قلّل من طاقة التحرك، مقارنةً بالزواحف الأخرى مترامية الأطراف كالتّماسيح والسّحالي، ودعم وزن جسمها الهائل.

التقسيمات التصنيّفية للديناصورات

في علم التصنيف، تشمل كلمة ديناصور عددًا كبيرًا من الكائنات، لذلك، وللحصول على تقسيمٍ أكثر دقّةً، قسّمها العلماء بناءً على شكل عظم الورك إلى:

  • سحليات الورك (Saurischia): الديناصورات ذات ورك السحالي.
  • طيريات الورك (Ornithischia): ديناصورات تمتلّك ورك الطيور.

في سحليات الحوض، يشير عظم العانة (جزءٌ من هيكل الورك) إلى الأسفل مائلًا للأمام، ويشير في طيريات الحوض إلى الأسفل نحو الذيل، ويكون حوض الطيريات أوسع من حوض السحليات، ممّا جعل الأولى أكثر اتزانًا خلال الحركة.§.

التقسيمات التصنيّفية للديناصورات - سحليات الورك (Saurischia) وطيريات الورك (Ornithischia)

كما حيوانات عصرنا الحالي، صُنّفت الديناصورات، وفق طريقة غذائها إلى ديناصوراتٍ آكلة للنباتات، وأخرى لاحمة، وإليكم بعض الأمثلة عن مجموعات الديناصورات الرئيسيّة ومواصفاتها:

  • وحشيات الأرجل (Theropods)، مثل كارنوتوروس (Carnosaurs): ديناصورات لاحمة كبيرة الحجم والوزن، تمتلك مخالبًا وأسنانًا ضخمةً، مثالها ألوصور (Allosaurus).
الديناصورات وحشيات الأرجل - ديناصور ألوصور Allosaurus
  • درومايوصور (Dromaeosaurs): مجموعة الصيّادين الأذكياء، وهي ديناصوراتٌ لاحمة صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، ورشيقة، لها أسنانٌ صغيرةٌ وقدمٌ مسطّحةٌ، مثل دينونيكوس (Deinonychus).
ديناصور دينونيكوس (Deinonychus)
  • أوفيرابتور (Oviraptors): لصّ الطيور، ديناصوراتٌ خفيفة الوزن، تشبه الطيور، تفترس الحيوانات الصغيرة والبيض، مثال عنها سويلوفيسس (Coelophysis).
  • ديناصورات الصراعيد أو الصوروبودا (Sauropods): ديناصوراتٌ عاشبةٌ كبيرةٌ، وذات عنقٍ وذيلٍ طويلَين، ودعامةٍ تشبه الأرجل، ومن أمثلتها ديناصور برونتوسورس (Brontosaurus).
الديناصورات الصراعيد أو الصوروبودا (Sauropods)
  • ستيغوصور (Stegosaurs): ديناصورات نباتية مدرّعة، ذات لوحاتٍ عظميّةٍ على طول ظهورها، ومسامير ذيلٍ حادّةٍ وطويلةٍ، ورأس صغير جدًا ، وأرجل أماميّة قصيرة.
  • أنكيلوصور (Ankylosaurs): ديناصوراتٌ قصيرةٌ، مجهّزةٌ بدرعٍ كاملٍ، وذيلٍ مزوّدٍ بهراوةٍ مع المسامير.
  • هادروصور (Hadrosaurs): ديناصوراتٌ تشبه البطّ، برمائيّةٌ متوسطة الحجم، يصل طولها إلى 30 قدمًا، ذات منقارٍ مُسطّحٍ مزوّد بآلاف الأسنان لطحن النباتات، وأصابع قدمين متصلة بواسطة غشاءٍ، ومن الأمثلة عليها أناتوتيتان (Anatosaurus)، ولامبيوصور (Lambeosaurus)، وسورولوفس (Saurolophus).§.
ديناصور سورولوفس (Saurolophus)

عصور الانتشار والهيمنة

عاشت الديناصورات على سطح الأرض خلال الحقبة الوسطى (Mesozoic Era)، بين 245 و65 مليون سنة، وقد كان هذا ملايين السنين قبل ظهور أوّل البشر المعاصرين أو الإنسان العاقل (Homo sapiens)، ويُقسّم العلماء هذه الحقبة إلى ثلاثة عصورٍ: الترياسي، والجوراسي، والطباشيريّ، تعرّض فيها كوكبنا لسلسلة تغييراتٍ جذريّةٍ رغم بطئها.

  • العصر الترياسيّ (Triassic)، قبل 245 إلى 208 مليون سنة:

هو العصر الذي ظهرت فيه الديناصورات لأوّل مرّةٍ، إلى جانب أقاربها من التماسيح، وعلى الرّغم من صغر حجمها آنذاك، إلّا أنّها استطاعت المشي بسرعةٍ متفوّقةً على أقاربها، لقدرتها على حمل جسدها على أرجلها بشكلٍ متعامدٍ كما ذكرنا سابقًا.

خلال هذا العصر، كانت اليابسة عبارةً عن قارّةٍ واحدةٍ عُظمى تدعى قارة بانجيا (Pangaea)، بدأت بالانفصال عن بعضها في نهايته، وساد فيه المُناخ الحارّ والجاف نسبيًّا، وتغطى جزءٌ كبيرٌ من الأرض بالصحاري الكبيرة، وعلى عكس اليوم، لم تكن هناك أغطيةٌ جليديّة قطبية، وسادت فيه الأنواع التالية؛ بلاتيوصور (Plateosaurus)، وProcompsogathus، وهيريراصور (Herrasaurus).

  • العصر الجوراسي (Jurassic)، قبل 208 إلى 135 مليون سنة:

انقسمت خلاله إفريقيا عن أمريكا الشمالية، وبدأت الهند بالانفصال عن إفريقيا وانتاركتيكا، ممّا استدعى الديناصورات للتكيف مع المناخات والبيئات الجديدة، وقد ساد خلال هذا العصر الصربوديات الضخمة، مثل براكيوصور(Brachiosaurus)، وأباتوصور (Apatosaurus)، والديناصورات المدرّعة مثل ستيغوصور (Stegosaurus)، بالإضافة لتطور بعض أنواع الطيور والثدييات.

  • العصر الطباشيري (Cretaceous)، قبل 135 إلى 65 مليون سنة:

اكتمل فيه انقسام القارّات عن بعضها، واختفت البحار الضّحلة، وظهرت النباتات المورقة والمزهرة لأوّل مرّةٍ، فانتشرت معها الديناصورات آكلة النبات، وتكيّفت لتعيش في الأقاليم الباردة مثل ألاسكا، والبعض الآخر في البيئات الصحراويّة وسط آسيا.§.

خلال 175 مليون عام الأولى من وجودها، استطاعت الديناصورات التأقلم مع مختلف البيئات التي تعاقبت عليها، وتطورت أنواعٌ جديدةٌ لتناسب الظروف المستجدة، في حين انقرضت الديناصورات التي فشلت في التكيف، ولكن وفي نهاية العصر الطباشيري، شهدت الأرض أعظم انقراضٍ جماعيٍّ، اختفت فيه الديناصورات تمامًا، بسبب وقوع حادث كارثي سبّب حدوث تغييرات كبيرة وسريعة في البيئة بشكلٍ أسرع من قدرة الديناصورات على مواكبة هذا التغير.§.

تكاثر الديناصورات

بقي الأمر أحجيةً صعبة الحلّ بالنسبة لعلماء الحفريات على مدى 100 عامٍ، لنقص الأدلّة التي حملتها أحفوريات هذه الكائنات، فلم تستطع هياكلها الاحتفاظ بالأنسجة الرّخوة، ولم يُكشف حتى الآن عن أنسجةٍ للأعضاء التناسلية في الأحفورات، لذلك كانت أفضل طريقةٍ اقترحها العلماء هي بمقارنتها مع أحفادها وأبناء عمومتها من الطيور والتماسيح، حيث افترض العلماء امتلاكها لجهازٍ تناسليٍّ يشابه أعضاء الجهاز التناسليّ للطيور.

أظهرت أحفورات الأجنّة داخل البيض أنّها من دون شكٍّ تتكاثر بوضع البيض في الأعشاش، والبعض منها مارس الأبوّة بحضانة وحماية البيض وعزله بالريش، حمايةً منها لنسلها، كما وُجدت في بعض الأعشاش آثارٌ لبقايا طعام، هذا وإن دلّ على شيءٍ، فعلى أنّ الديناصورات اعتنت بصغارها فترةً طويلةً بعد فقس البيض.

كذلك الأمر فيما يتعلّق بطقوس ما قبل التزاوج من تودّدٍ واستعراضٍ، فقد بقي المجال مفتوحًا للتكهّنات والفرضيات، بناءً على بعض الاكتشافات، واستطاع علماء الحفريات معرفة ألوان الرّيش الذي غطّى أنواعًا عديدةً منها، حيث يحتوي الريش على تراكيبَ تدعى الميلانوسامات (Melanosomes)، مسؤولةً عن تلوّن الرّيش بتدريجاتٍ من الأسود إلى الرماديّ فالبنيّ والأحمر، وقد احتفظت الأحفورات بهذه التراكيب، وبمقارنتها مع مثيلاتها من الميلانوسومات في الطيور الحيّة أمكن تحديد اللّون الذي شكّل عامل جذبٍ للجنس الآخر.

تحديد جنس الديناصور

استطاع علماء المستحاثّات تحديد جنس الديناصور من تركيب الأنسجة العظميّة للأحفورات؛ فعند تشكيل البيض لدى الإناث، يُسحب الكالسيوم من نسيج تجويف النخاع أو نقيّ العظم، الذي يُبطّن تجاويف عظم ساق الإناث لتشكيل قشر البيض، فاستطاع العلماء التمييز بين الذكور والإناث من امتلاكها لهذا النسيج العظمي.§.

أنماط تغذية الديناصورات

معظم بقايا الديناصورات هي بالطبع عظامٌ وأسنانٌ، ولكن لديها الكثير لترويه لنا عن حكايتها، فالأسنان الحادّة تعود للديناصورات اللاّحمة، والهياكل التي تتميّز بفخذٍ قصيرٍ وقدمٍ طويلةٍ تخبرنا بمقدرة الديناصور على الرّكض السريع وبكفاءةٍ عاليةٍ.

بالنّسبة لنمط التغذية، توفّر علامات العضّ على العظام تفاصيل عن نمط التغذية، ولكن أفضل الأدلّة هي محتوى المعدة، فقد حافظت بعض العيّنات على بقايا الوجبات في أمعائها، بشكلٍ خاصٍّ في الحيوانات آكلة اللحوم، حيث اكتشف العلماء أنّها تتغذى بشكلٍ تفضيليٍّ على الديناصورات الصغيرة وحديثة الولادة، بالإضافة للسمك والطيور، أمّا الديناصورات آكلة النباتات، فقد استهلكت أوراق السراخس ومخاريط الصنوبر، وهذا ما كشفته تحاليل الكوبروليت‏ (Coprolite)؛ وهو البراز الأحفوري.§.

قطعان الديناصورات، بين المتداول والأدلّة

تعرّضت الديناصورات خلال خطّ حياتها الزمنيّ لعدّة عمليات انقراضٍ، نتيجةَ التغيرات الجغرافية البيئيّة، قبل الانقراض الطباشيريّ الأخير الذي قضى عليها، ولكنّها استطاعت إعادة تشكيل مجتمعاتها من جديدٍ، وبناء هياكل اجتماعية، فبُنيت النظريات حول حياة القطيع التي نجت بها الديناصورات.

الديناصورات أكلة النبات

سعيًا من العلماء لمعرفة سلوكيات الديناصورات، بحثوا عن أدلةٍ للحياة الجماعيّة، فكما يبدو عاش بعضها ضمن قطعانٍ، وفقًا لما وفرّته الأحفورات من أدلّةٍ، مثل:

  • الأسّرة العظمية الجماعية (Bone_Bed)، وهي رواسبُ كبيرةٌ لعظامٍ من نفس النوع في المنطقة.
  • الأعشاش المتحجرة الجماعية.
  • مسارات الهجرة لديناصوراتٍ سافرت معًا.

على الرّغم من مصاعب العيش ضمن القطيع، والمُتمثّلة في التنافس على المنصب الاجتماعي، وعلى الشركاء، إلّا أنّها استطاعت التأقلم على العيش الجماعيّ في قطعانٍ عبر تطوير مزايا خاصّة، مثل القرون وبعض الصفات الشكليّة، بالإضافة لسلوكيّاتٍ معيّنةٍ؛ فحملَ الرعي ضمن قطعانٍ فوائد تعود على أفرادها، كتقليل مخاطر هجوم الأعداء، وحماية الصّغار وتربيتها.

الديناصورات اللّاحمة

كذلك الأمر بالنسبة للديناصورات اللاحمة، فقد عاشت في جماعاتٍ تعاونيّةٍ، وكوّنت علاقاتٍ اجتماعيةً فيما بينها، ممّا أثار تساؤلاتٍ عدّةً عن نمط الحياة الاجتماعية التي عاشتها هذه القطعان، فهل جمعتها العائلة؟ أم الحاجة للصيد؟ وهل تنافست على المناصب؟ ممّا فتح المجال لبناء الفرضيّات وفقًا للأدلّة الأحفورية، وإليكم بعضها:

  • دمونولوفوسور جيانجي (Monolophosaurus jiangi): ديناصورٌ لاحمٌ، عاش في آسيا منذ 170 مليون سنة، تميّز بشكله الفريد، حيث امتلك قمةً عظميّةً على رأسه والتي يُعتقد أنّه استخدمها لجذب أفراد جنسه، أو للتوّاصل لمسافاتٍ بعيدةٍ.
ديناصور دمونولوفوسور جيانجي  (Monolophosaurus jiangi)
  • الديناصور اللاحم جيجانوتوصور (Goganotosaurus)، والذي امتلك ثلاثة أصابع في كلّ يدٍ كباقي فصيلة ألوصور (Allosarus)، وقد عُثر منه على مجموعةٍ من أربعة أفرادٍ بأعمارٍ مختلفةٍ، في سريرٍ أحفوريٍّ مُتحجّرٍ في الأرجنتين.
الديناصورات اللاحمة جيجانوتوصور (Goganotosaurus)
  • الديناصور كرايولوفوصور (Cryolophasurus)، امتلك ما يشبه عرف الديك فوق عينيه، ونتوءات وجهيّة بالإضافة للقرون، ونظرًا لهشاشتها، فقد اعتقد أنّه استخدمها في عروضِ التودّد للإناث.
ديناصور كرايولوفوصور (Cryolophasurus)
  • امتلك دايلوفوصور (Dilophosaurus) اثنين من النتوءات الرأسيّة، والتي ربما استخدمها في جذب الإناث، أو للتعرّف على الأفراد من نفس النوع، فقد عُثر على ثلاثة أفرادٍ منه في سريرٍ أحفوريٍّ، ممّا يدلّ على أنّه عاش في مجموعاتٍ صغيرةٍ.§.
ديناصور دايلوفوصور (Dilophosaurus)

بالرّبط بين جميع الأدلّة السابقة، من البيض والأعشاش، والخصائص التشريحيّة والفيزيولوجيّة، والكولروليت ومحتوى المعدة، أضف إليها آثّار الأقدام ومسارات الهجرة، وتحليل البيئات المناخية، أمكننا تجميع صورةٍ واضحةٍ نوعًا ما عن بعض سلوكيّات هذه الكائنات المنقرضة، وطبيعة حياتها.

424 مشاهدة