لأن العلم لا يعترف إلا على الحقائق والدلائل الملموسة أو المثبتة بالتجربة، لم يتوانى العلماء على مر السنين عن البحث والتقصّي للوصول إلى تفسيرٍ منطقيٍ يُجيب عن تساؤل شغل الكثيرين لماذا السماء زرقاء خاصةً مع اكتشاف حقيقة تكوُّن الضوء من ألوانٍ هي ألوان الطيف ومع ذلك تظهر السماء بلونٍ أزرق بالكامل دون بقية الألوان.

طبيعة ضوء الشمس

لنتمكن من الوصول إلى سبب رؤية السماء زرقاء لا بدَّ من دراسة طبيعة ضوء الشمس ومعرفة تأثيراته على الجزيئات الموجودة في الغلاف الجوي للأرض والذي يعمل كأمواجٍ كهرومغناطيسية تُثير الجسيمات المشحونة الموجودة في جزيئات الهواء فتتأرجح إلى الأعلى والأسفل مُطلقةً إشعاعاتٍ كهرومغناطيسية ذات تردداتٍ مُشابهةٍ لتردد ضوء الشمس فتنتشر في كافة الاتجاهات حيث أُطلق عليها فيما بعد عملية التبعثر أو التشتت.

فضوء الشمس كما هو معروفٌ للجميع يبدو أبيضًا لكنّه يتضمن مجموعةً من الألوان هي ألوان الطيف التي تظهر عند تشتّت الضوء لسببٍ ما، تمامًا كما يحدث عند ظهور قوس القزح، حيث ينتشر اللون الأزرق وفقَ أمواجٍ طوليةٍ أقصر وترددٍ أعلى من اللون الأحمر.1

تفسير رؤية السماء زرقاء

ينتشر ضوء الشمس بشكلٍ مُستقيمٍ حتى يصل إلى الجزيئات الموجودة في الغلاف الجوي، فيتعرّض لعملية التشتت أو التبعثر ويخرج منه ألوان الطيف في كافة الاتجاهات وفق أمواجٍ طوليةٍ مختلفةٍ، وكما ذكرنا يتميز اللون الأزرق بقدرته على إثارة الجزيئات لتتأرجح بسرعةٍ أكبر من تلك التي يُسببها اللون الأحمر فيتبعثر اللون الأزرق أكثر من الأحمر، نظرًا لوجود علاقةٍ طرديةٍ بين سرعة التأرجح والتبعثر وينتشر في كافة الاتجاهات فتظهر السماء زرقاء بالنسبة للعين البشرية.2

ظاهرة تندال لتفسير السماء زرقاء

أجرى العالم الايرلندي جون تندال عام 1859 تجارب عديدة أراد من خلالها الوصول إلى تفسيرٍ منطقيٍّ للون السماء الأزرق، فوجد أن اللون الأزرق ذو الأطوال الموجية الأقصر بين بقية ألوان الطيف الضوئي يتبعثر بشكلٍ أكبر من اللون الأحمر عند مرور الضوء خلال سائلٍ صافٍ يحتوي على جسيماتٍ صغيرةٍ.

حيث سلَّط تندال ضوءً أبيضًا على وعاءٍ مملوءٍ بالماء وُضَع فيه قليلًا من الحليب أو الصابون، وعندما نظر إلى الوعاء من الجهة الجانبية ظهر اللون الأزرق فقط، بينما ظهر اللون الأحمر عندما نظر من الأمام أي من الجهة المقابلة الضوء، كما تمّكن من رؤية الضوء المتناثر باستخدام نوعٍ من الفلاتر خاصٍ بالضوء المستقطب، فأطلق على هذه الظاهرة ظاهرة تندال أو أثر تندال.

بعد سنواتٍ عديدةٍ أعاد العالم الفيزيائي البريطاني جون وليم رايلي دراسة أثر تندال من الناحية الفيزيائية فتوصل إلى فكرةٍ تُفيد بوجود علاقة تناسبٍ عكسيٍّ بين كمية الضوء المتبعثر والقوة الرابعة لطول الموجة الضوئية فسّر على أساسها تبعثر اللون الأزرق بشكلٍ أكبر من اللون الأحمر.

اعتبر العالمان تندال ورايلي أن السماء زرقاء بسبب تبعثر اللون الأزرق الناتج عن ذرات الغبار وقطرات الماء في الغلاف الجوي، وبناءً عليه كان لا بدَّ من حدوث تغييرٍ في لون السماء عند ارتفاع نسبة الرطوبة أو تشكُّل الضباب، لكن ذلك لم يحدث؛ فاعتبر العلماء فيما بعد أن المسؤول الأساسي عن تبعثر الضوء هو جزيئات الأكسجين والنتروجين الموجودة في الهواء، الأمر الذي أكّده العالم ألبرت أينشتاين عام 1911 عندما أوجد الصيغة التفصيلية للضوء المتبعثر جراء تلك الجزيئات وكانت النتيجة متوافقة تمامًا مع التجارب السابقة.

لون السماء الأحمر عند الغروب

تظهر السماء باللون الأصفر المائل للحمرة عند شروق الشمس وغروبها، حيث تكون الشمس منخفضةً للغاية وبالتالي سيمر الضوء عبر مسافاتٍ طويلةٍ ضمن الغلاف الجوي المحيط بالأرض قبل أن يصل إلى عين الإنسان الناظر للشمس، وبما أن اللون الأزرق في الضوء يتبعثر مراتٍ كثيرة مقارنةً مع بقية الألوان وينتشر في كافة الاتجاهات فيتبدد قبل أن يصل إلى العين التي تتمكن عندها من رؤية اللونين الأصفر والأحمر من ألوان الطيف فتظهر السماء حمراء اللون.3

السديم الأزرق

من خلال الوصول إلى تفسيرٍ حول سبب ظهور السماء زرقاء اللون تمكَّن العلماء من فك لغز عددٍ من الظواهر المشابهة كالسديم الأزرق، حيث يُعزى لون الغيوم والضباب الغباري الأبيض إلى احتوائها على جزيئاتٍ ذات حجمٍ أكبر من أطوال الضوء الموجية فتتبعثر كافة ألوان الطيف الضوئي على قدرٍ متساوٍ، لكن قد يُصبح هذا السديم أزرق اللون في بعض المناطق الجبلية نتيجةً لوجود الأهباء الجوية للتيربينات المتشكلة عن تفاعل الغطاء النباتي مع الأوزون في الغلاف الجوي، فتتكوّن جزيئاتٍ صغيرةٍ يبلغ حجمها قرابة 200 نانومتر قادرةً على بعثرة الضوء الأزرق بكثرةٍ فتعطي السديم هذا اللون.4

المراجع