لماذا لم تنتهِ العصور التاريخية الحديثة

الفترات التاريخية مقسمة تقسيمًا يكاد يكون دقيقًا، لكن إذا نظرنا إلى العصور التاريخية الحديثة، والتي يمكن اعتبارها بدءًا من انتهاء العصور الوسطى، فلا نجد أن أحدًا وضع نهاية لها، هل هي لم تنتهِ رغم قولنا أننا نعيش عصر كذا وكذا؟

3 إجابات

تتميز بداية ونهاية كل عصرٍ بحدثٍ مميز شكل علامةً فارقةً في التاريخ، فانتهاء مرحلة ما هو بداية لأخرى، وتشكل نهاية العصور الوسطى بداية مرحلة العصور التاريخية الحديثة التي قسِّمت إلى تاريخٍ حديث ومعاصر لكثرة الأحداث السياسية والحضارية التي شهدتها هذه المرحلة، وقد شكلت الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789م الحد الفاصل بين هذين القسمين بسبب ما تركته من أثر كبير على أوروبا والعالم.

فبالنسبة لأوروبا كانت بمثابة طوق النجاة الذي انتشلها من غياهب الجهل وعصور الظلام، حيث ساهمت في تطور أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا وفنيًا، وشهدت الكثير من الاكتشافات الجغرافية والثورات الصناعية وانتشرت فيها الكثير من المدارس والمذاهب الفنية والأدبية التي عبرت عن أفكار العصر الحديث.

أما العرب فقد عاشوا نقيض ما عاشته أوروبا في العصر الحديث، فقد عانوا من الاستعمار العثماني لأربعة قرون ثم واجهوا الكثير من الأطماع الأوروبية واحتلال الكثير من المناطق العربية، إضافةً إلى ما شهدته المنطقة من تفريق وتقسيم لأراضيها بسبب وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، وكل هذا جعل العرب يغرقون في مستنقع من الجهل والتخلف والابتعاد عن كل ما شهدته أوروبا من تطورات وإنجازات وعدم القدرة على مجاراتها، وهذا الواقع للأسف ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا.

أكمل القراءة

تعدّ مرحلة انتهاء العصور الوسطى هي نفسها بدايةُ العصور التاريخيّة الحديثة والتي لاتزال حتّى الآن، وقسّم المؤرخون هذه العصور إلى التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر بسبب ما تميزت به من أحداثٍ سياسيّةٍ وحضاريّة.

اعتُبرت الثورة الفرنسيّة عام 1789 ميلادي بأنّها الفاصل بين قسمي العصور التاريخيّة فقد كانت ذات تأثيرٍ قويٍّ على دول العالم وبالأخص على أوروبا والتي انتشلتها من عصور الظلام، فظهرت فيها الإكتشافات الجغرافيّة ومن ثمّ الثورات الصناعيّة مما أدّى إلى التطور الأوروبيِّ في المجالات الإقتصاديّة وأيضًا السياسيّة التي تمثلت بظهور الحركات القوميّة والحكومات الديموقراطيّة إضافةً لانتشار المدارس الأدبيّة والفنيّة المُعبرة عن أفكار العصر التاريخيِّ الحديثِ وتوجهاته.

وكان للدول العربيّة نصيبٌ من تغييرات هذا العصر ولكن كانت بعكس أوروبا حيث أنّها خسرت ازدهارها وتقدمها لتغوص في بحر الجهل والتخلف، كلُّ ذلك كان بسبب الإحتلال العثماني الذي سيطر على أراضي الوطن العربي لحوالي أربعة قرون فكان سببًا في إبعاد تلك المنطقة عن جميع النهضات والتغييرات الأوروبية الحديثة، إضافةً لطمع الأوروبيين في المنطقة واحتلالهم قسمًا كبيرًا منها وسرقة وتجهيل وفرض الأنظمة الفاشية، بالإضافة إلى تفريق سكانها عبر وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ، والذي ما زال مستمرًا حتّى أيامنا هذه.

وبالعودة إلى فكرة تقسيم العصور التاريخيّة فقد رأى المؤرخون المعاصرون أنَّ التاريخ قد بدأ بإعادة نفسه لأنّ ماتعيشه البلاد العربيّة حاليًّا من جهلٍ وتخلفٍ قد جربته الشعوب السابقة، وباستطاعة أيِّ شخصٍ التّعرف على تلك الأحداث من خلال قراءة الكتب التي تروي قصصَ وأخبارَ تلك العصور فيصبح لديه تصورٌ عن ما سيحدث في السنين القادمة في حال تكرّر التاريخ.

أكمل القراءة

يكرر الفيلسوف الشيوعي والمحلل النفسي السلوفيني الشهير سلافوى چيچك في أحاديثه عبارة  “في وقت ما كنا جميعاً فوكويامائيين (Fukuyamaists)”. أعذرني لو بدا لك مصطلح (فوكويامائيين) هذا غريباً، فقد حاولت أن أعرب كلمة چيچك، وارتأيت أن أضيف الهمزة للكلمة.

فرانسيس فوكوياما هو منظر سياسي وأستاذ جامعي أمريكي اشتهر بمؤلفه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) الذي كتبه سنة 1992 مع نهاية الحرب الباردة. أطروحة فوكوياما افترضت أن التاريخ الإنساني وصل مرحلة من الاستقرار، بحيث تستمر الديموقراطية، والرأسمالية، والليبرالية. فطالما يتقدم التاريخ عبر الصراع، وطالما حسم الصراع بعدما تجسد تجسده الأعظم في الصراع بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي، فإن التاريخ الإنساني وصل مرحلته النهائية، وصل الكمال أو هو في الطريق إليه. لو ذكرت الكلام بما يتناسب مع السؤال فسأقول أن ما يعنيه فوكوياما أن الحالة القائمة للتاريخ الإنساني ستبقى كما هي.

قبل أن أفند أطروحة فوكوياما سأوضح قصد چيچك من عبارته. يقصد أن الجميع بما في ذلك اليسار وصل إلى قناعة فوكوياما في مرحلة معينة. وهو ينتقد بذلك اليسار الذي لا يملك بديلاً عن الرأسمالية التي تعجز عن حل مشاكل التغير المناخي، والسيطرة الرقمية التي تشكل الخطر الأكبر على الوجود الإنساني.

 لم يعد لما كتبه فوكوياما سنة 1992 أهمية كبيرة في عالم اليوم، ببساطة لأن الأيام اثبتت أن هذا الكلام ربما كان نتاج الحماسة الناتجة عن نهاية الحرب الباردة لا أكثر.

إليك درس عن التاريخ من نجيب محفوظ، أقصد نجيب محفوظ كفيلسوف للتاريخ لا كأديب، أو بعبارة أدق فيلسوف التاريخ الذي قدم فلسفته عبر الأدب. الدرس يقول أن التاريخ لا يسير في خط، بل يسلك مساراً دورياً. في ملحمة الحرافيش مثلاً تنتهي قصة بهزيمة الظلم، لتبدأ التالية لها مباشرة مع الظلم. لأن هذه حقيقة العالم وحقيقة التاريخ، صراع متصل، وجدل بين المتناقضات. لذلك لا تتخيل أن حضارتنا المعاصرة ستبقى للأبد، وأنا استخدم ضمير الجمع لأننا جميعاً جزء منها. التصور الخطي للتاريخ ليس إلا حالة مفرطة من السذاجة، وكأن التاريخ ينشد الكمال أو شيئاً كهذا. الكمال فكرة غير معقولة خصوصاً لما نتناول بالبحث النظم السياسية والاقتصادية. يعيبنا نحن البشر في العموم البحث عن أربعة أشياء المعنى، والسعادة، والكمال، والخلود.

عناصر الحضارة الحديثة هي الثورة الصناعية ثم الثورة التكنولوجية، والاستعمار الأوروبي ثم السيطرة الأمريكية، والعولمة، والليبرالية ثم النيوليبرالية، والاستهلاك المتزايد للموارد. العناصر الأكثر جوهرية بينها هي العولمة والرأسمالية، وهما تحويان السيطرة الغربية والاستهلاك. أعتقد أن استمرار هذه المفاهيم حاكمة لطبيعة المجتمع الإنساني هو استمرار للتاريخ الحديث على حسب توصيف السؤال. لكن هل ستستمر إلى الأبد؟ وهل يجب أن تستمر؟ الإجابة على كلا السؤالين لا، لن تستمر لأن التاريخ لا يسير في خط كما أوضحت، بل تتعاقب دورات من المتناقضات، ولا يجب أن تستمر لأن هذه الحضارة تلتهم كل شيء وسينتهي بها الأمر وهي تلتهم نفسها.

في ظل الرأسمالية لن نقدر على التعامل مع أزمة التغير المناخي، ثم لما ستحل الآلات محل البشر في أداء الوظائف بالكلية ستحدث كارثة كبرى، ولن ننتظر وقتاً طويلاً لنشاهد الكارثة. أية كارثة؟ سأقول لك، أنت تحصل على المال لأنك تعمل، ماذا لما ستحل محلك الآلة؟ لا شيء لك عند الأشخاص المستحوذين على الثروة، ببساطة أنت الآن زائد عن الحاجة، فلتمت من الجوع أو المرض. لهذا فإن الطريقة الوحيدة للتعامل مع مجتمع الآلة هي بنظام اشتراكي أو شيوعي أو أياً كانت تسميته.

بقي أن أوضح لماذا نعتبر زمننا امتداداً للتاريخ الحديث؟ الإجابة ببساطة لأن المفاهيم الأساسية لم تتبدل وإن تطورت عبر الزمن، الشيء المشترك في التاريخ الإنساني بعد الإقطاع هي الرأسمالية، كما أن لا فرق بين الاستعمار الأوروبي والهيمنة الأمريكية، أو ما نسميه العولمة. بالمناسبة مصطلح العولمة جدلي للغاية لكن لا أعتقد أن النظر فيه ممكن في هذه الإجابة.

للتنبيه فقط ليس معنى رفضي الهيمنة الأمريكية، أنني واحد من أولئك الأشخاص غير المفهومين بالمرة الذين يحلمون بهيمنة الصين أو غيرها. الشيء الوحيد الذي يفوق العولمة الأمريكية سوءاً هي واحدة صينية، في الحقيقة الأمر مرعب لدرجة أني لا أرغب في تخيله حتى. أنا أحلم بعالم أفضل لا يعرف الإمبراطوريات، لا يعرف العبد والسيد، وقتها سيبدأ تاريخ جديد.

أكمل القراءة

هل لديك إجابة على "لماذا لم تنتهِ العصور التاريخية الحديثة"؟