لطالما تميزت جزيئات الماء بخصائصها المثيرة للاهتمام والفريدة من نوعها من بين جميع الجزيئات في الكون، وبقيت ظاهرة طفو الجليد فوق سطح الماء لغزًا حيَّرَ الكثير من العلماء؛ لذلك تمت دراسته بشكلٍ مُفصّلٍ، واُكتشفت العديد من الحقائق التي ساعدت في تفسير ظواهر أخرى.

وقبل الإجابة عن استفسارك أود أن أعرفك على مصطلح “الكثافة”، فالكثافة هي صفة فيزيائية للأجسام تُعبِّر عن العلاقة بين وحدة الكتلة ووحدة الحجم، فهي كتلة وحدة الحجم للمادة، وتتناسب طردًا مع الكتلة وعكسًا مع الحجم، وعندما أقول أن الجليد أقل كثافةً من الماء أعني أن كميةً من الجليد تشغل مساحةً أكبر من نفس الكمية من الماء.

 

ويُمكن تفسير الدور المهم للكثافة في تحديد قدرة الجسم على الطفو من خلال قانون نيوتن الثالث: F= m .a أي أن القوة ناتجة عن ضرب كتلة الجسم بتسارع الجاذبية الأرضية، وبالتالي فإن قوّة الجاذبية لمادتين بنفس الحجم ستكون أكبر بالنسبة للمادة ذات الكتلة الأكبر أي الكثافة الأعلى، وأقصد بكلامي هنا الماء السائل.

تميل أغلب السوائل إلى ارتفاع كثافتها عند تحوُّلِها إلى شكلها الصلب ماعدا الماء الذي يتميز بأنَّ كثافته تصبح أعلى عند درجة الحرارة 4ْ سيليسيوس (وتحديدًا 3.98ْ سيليسيوس) وعندها يكون ما يزال في شكله السائل حيث تبلغ كثافته 1.000g.cm-3، أمَّا في درجات حرارةٍ أعلى مثل الدرجة 30ْ سيليسيوس فتبلغ كثافة الماء 0.9957 g.cm-3، بينما تُصبح كثافته 0.9998 g.cm-3 عند الدرجة 0ْ سيلسيوس ( أي 32ْ فهرنهايت) وهي الدرجة التي يتشكل عندها الجليد؛ لذلك نقول أن الجليد هو أقل كثافةً من الماء السائل، وهذا السبب الذي يجعله يطفو على سطح الماء.

بالعودة إلى بُنية جزيئات الماء يُمكنكَ تفسير هذا الانخفاض في الكثافة؛ حيث أن الماء يتكونُ من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين وهو معروفٌ باسم ثنائي أكسيد الهيدروجين، وتعتبر ذرة الأكسجين أكثرَ كهرسلبيةً بالمقارنة مع ذرة الهيدروجين، وهذا الفرق في الكهرسلبية يسمح للجزيئات عند انخفاض درجة الحرارة بتشكيل كميةٍ أكبرَ من نوعٍ من الروابط التساهمية بين ذرة أكسجين من جزيئة ماء وذرتي هيدروجين من جزيئتي ماء أخريين وهي ما تُسمى بالروابط الهيدروجينية، وهذه الروابط تسمح بتباعد جزيئات الماء عن بعضها البعض لتأخذ الوضع الأكثر استقرارًا؛ مما يجعلها تشغل مساحةً أكبر وتتشكّل بلورات جليدٍ طافيةٍ.

الروابط الهيدروجينية في الماء

ويجب أن تعلم أن كثافة الماء والجليد لا تتغيَّر فقط مع تغيُّر درجة الحرارة، بل تتغير عند تغيُّر نسبة الملوحة والشوائب والشوارد في الماء أيضاً؛ وحيث يتكون ملح البحر من العديد من شوارد الصوديوم والكلور التي تُشكِّل شبكاتٍ بلوريةٍ، ويذوب الملح في الماء لأن قوى التجاذب بين جزيئات الماء وشوارد الصوديوم أو شوارد الكلور أقوى من قوى التجاذب بين شوارد الصوديوم والكلور معًا في الشبكة، فتنجذب ذرّات الهيدروجين في الماء إلى شوارد الكلور السالبة وتنجذب ذرات الأكسجين إلى شوارد الصوديوم الموجبة لتتشكل شبكاتٌ جديدةٌ وروابط أيونيةٌ جديدةٌ.

وبناءً على ذلك يُمكنك استنتاج أن إضافة الملح يجعل الماء أكثر كثافةً، وتبلغُ ملوحةُ البحر بشكلٍ عامٍّ حوالي 3.5 % وتتجمد عند حوالي -1.9ْ سيليسيوس، وعندما يتشكل الجليد يتمّ رفض جزيئات الملح والشوائب الأخرى لتبقى خارج بلورات الجليد وتذهب إلى الماء تحت الجليد وترفع ملوحتهُ أكثر فأكثر ليُصبح أكثر كثافةً؛ وهذا هو السبب في حمل مياه البحار للجبال الجليدية الضخمة فضلًا عن دور المساحة الكبيرة للماء السائل بالمقارنة مع مساحة الجليد.

يطفو الجليد فوق الماء

أكمل القراءة

إن السبب الأساسي كي يطفو الجليد فوق الماء يتمثل بفكرة أن أي جسم أقل كثافة من الماء حتماً سيطفو، لكن لتفسير هذه الظاهرة بالتفصيل وبطريقة علمية سنحتاج للقليل من الرياضيات بمساعدة قوانين دافعة أرخميدس

عند إسقاط أي شيء في كأس ماء سوف تشعر بقوة طفو تدفع الشيء باتجاه الأعلى بعكس الحاذبية، ولكي يُغمر الشيء بالماء، يجب أن يتم إزاحة كمية محددة من المياه، وهذا ما نلاحظه عند ارتفاع منسوب الماء بعد قيامنا بإسقاط الشي.

يطفو الجليد فوق الماء

وهنا سنحتاج لأرخميدس لتوضيح لماذا يطفو الجليد فوق الماء والتي تنص على أن قوة الطفو التي تدفع بالشيء أو الجسم المغمور بالماء المزاح وهي قوة صاعدة، كما يساوي وزن الجسم أو يعادل ضرب كتلته ب ج وهي السرعة تبعاً للجاذبية. وعليه فإن كتلة الطفو الصاعدة ستساوي كتلة الماء ضرب سرعة الجاذبية چ.

لكي يطفو جسم من المفروض أن تكون على الأقل قوة الطفو الصاعدة بحجم قوة الجاذبية نفسها، فما الذي يحدد هذه الظاهرة! يعود ذلك لإدراك أرخميدس نفسه بأن حجم هذا الماء الذي نزح يعادل حجم الجسم الذي وضع تحت الماء، وعندما تقول جسم يشمل ذلك أي جسم صلب بما فيه الجليد أو قطع منه.

لذلك إن كان حجم هذا الماء يساوي حجم الجسم أو الشيء المغمور، ستساوي قوة الطفو: كثافة الماء ضرب حجم الشيء أو الجسم المغمور ضرب السرعة تبعاً للجاذبية. لاننسى أن من الضروري على قوة الطفو  التي تحدثنا عنها أن تعادل حجم قوة الجاذبية على الأقل. يمكننا استخدام الحيلة ذاتها، وأن نقول أن وزن الشيء الذي يمكننا ترميزه بحرف “و” يعادل كثافة الجسم ضرب الجسم المغمور ضرب السرعة تبعاً للجاذبية.

وهو ذاته مانسميه بمصطلح قوة الطفو لكن مع تباين واحد: وهو الكثافة، وعليه سوف تتوازن قوة الطفو مع قوة الجاذبية عندما تكون كثافة هذا الجسم أدنى من كثافة الماء. لنرجع كل ماشرحناه من فيزياء لقاعدة واحدة وبسيطة وهي: يطفو الجسم على الماء إن كان ذو كثافة أقل كالجليد تماماً.

مع كل ماشرحناه لابد أن نذكر أن المادة الصلبة ستطفو على الماء أو السوائل إذا كانت ذات كثافة أقل، لكن نادراً ما يكون الهيئة الصلبة للمادة ذات كثافة أقل من السائل. حيث يمكن للمادة أن تكوّن عدة حالات من المادة نفسها، والذي يختلف فقط عبر طريقة اصطفاف الجسيمات، تتراكم الجزيئات ضمن المادة الصلبة مغاً بإحكام وبنمط متكرر ومنظم يسمى بالشبكة البلورية.

لا يجب أن ننسى أنه عندما نبدأ بتسحين مادة صلبة ستكتسب جزيئات هذه المادة طاقة وستهتز بقوة حول مواقعها. وفي النهاية تكتسب جزيئاتها طاقة كافية حيث لن يعد بالإمكان تثبيت الجزيئات في مكانها،فتتحرر من الشبكة البلورية. وفي حالة االسائل تكون الجزيئات حرة بالتحرك مع أنها  تبقى قريبة من بعضها عموماً. وإذا واصلت تسخينها فستتحرر الجزيئات وتنفصل عن بعضها البعض بشكل تام وبتشكل الغاز.

إذا كانت المواد الصلبة ذات كثافة أكبر من السوائل، ولأن الماء حالة خاصة، سيؤدي لتأثر جزيئات الماء بظاهرة الترابط الجيني.فجزيء الماء عبارة عن جزيء يأخذ شكل V الذي يتكون من ذرة أوكسجين واحدة تقع في المركز و ذرة هيدروجين على كل جهة ، ويتم تثبيت الجزيء كاملاً عبر روابط تساهمية أي عند اشتراك ذرتان في زوج واحد من الإلكترونات.

أكمل القراءة

هل لديك إجابة على "لماذا يطفو الجليد فوق الماء"؟