ما سبب ثقب الأوزون

الموسوعة » بيئة » ما سبب ثقب الأوزون

يقول بيل غيتس ، أحد أغنى رجال العالم حاليًّا “إنّ ما نواجهه خلال أزمة فيروس كورونا المستجد لا يضاهي شيئًا مما سنواجهه في العقود المقبلة من مشاكل بيئية ومناخية وتغيّراتٍ في الطقس” فماذا قصد غيتس بذلك؟ وما علاقة هذه المشاكل بثقب الأوزون؟ هذا ما أرغب في تسليط الضوء عليه، فعلى الرغم من الشعبية التي يلقاها ثقب الأوزون إلا أنها من أقل القضايا البيئية المفهومة, فما هو وما دوره بالاحتباس الحراري، وما سبب ثقب الأوزون وعلاقتنا كبشر به.

الأوزون

السلاح ذو الحدين، وفقًا لمكان تواجده، فهو غاز شديد التفاعل يتكون من ارتباط ثلاث ذرات أكسيجين مع بعضها، ويتشكّل إمّا طبيعيًّا كما في طبقة الستراتوسفير، أو صناعيًّا كما في طبقة التروبوسفير، وهنا تبرز وجوهه المختلفة، فما هو؟

أوزون الستراتوسفير

يشكّل النسبة الأعظم من أوزون الغلاف الجوي، فيصل حتى 90% منه، ويلعب الدور الأهم بامتصاصه لأشعة الشمس فوق البنفسجية (UV)، حيث يتواجد معظم الأوزون الجيد في طبقة الستراتوسفير على ارتفاع بين 10-50 كم عن سطح الأرض، وينتج عن التفاعل بين أشعة الشمس فوق البنفسجية وجزيء الأكسيجين (O2)، فيتفكك الجزيء إلى ذرات أحادية حرّة ليتفاعل كلٌّ منها مع جزيء أكسيجين آخر، مكوّنةً جزيء الأوزون (O3)، فعلى الرغم من أهميته في حمايتنا من مضار أشعة UV إلا أنّه سهل التفكك بالتفاعل مع الكلور والبروم والهيديروجين والنتروجين.

أوزون الستراتوسفير

أوزون التروبوسفير

وهي الطبقة الملامسة لسطح الكوكب، والتي نعيش فيها مع باقي الكائنات والمكونات، وفيها ينتج الأوزون عن تفاعل غازات أكسيد النتروجين (NOx) مع انبعاثات المواد العضوية المتطايرة (VOC) والناتجة عن النشاطات البشرية كمحطات الوقود وأبخرة عوادم السيارات وغيرها، وبمجرّد استنشاق الأوزون فإنه يسبب المشاكل للجهاز التنفسي، من تهيج للحلق وانتفاخ الرئة ونوبات الربو.

ففي حين تتسبب أنشطة البشر تكوين أوزون التروبوسفير السطحي، إلا أنها تسبب تدمير أوزون الستراتوسفير.§

وبالرغم من تركز معظم الأوزون في المنطقة المدارية إلا انه يصل إلى جميع أنحاء الكوكب بسبب الرياح وأنماط دوران الهواء، وتختلف نسبه بين منطقة وأخرى باختلاف خطوط العرض، وباختلاف المواسم، ولكنها تبقى ثابتة بسبب التوازن بين تشكله وتفككه، ولكن خلال العقود الخيرة ونتيجة توسع النشاط البشري الصناعي، لاحظ العلماء اختلال هذا النوع من التوازن وانخفاض نسبة الأوزون مما أدى لتكون ما يُعرف بثقب الأوزون.

نظرة عامة على ثقب الأوزون

لتقريب مفهوم ثقب الأوزون، يمكن التفكير بالأوزون كدلوٍ مثقوبٍ، يتمّ السكب فيه بنفس معدل التسرّب من الثقب، وهذا تمثيلٌ لحالة التوازن بين تشكيل الأوزون وتفككه الأنفة الذكر، ولكن في حال زيادة حجم هذا الثقب سيزيد معدل التسرب من الأوزون عن معدل التكوين، وهذا هو ما يحدث في طبقة الأوزون حاليًّا، حيث وبالقياس لمعدلات الأوزون لاحظ العلماء خلال سبعينيات القرن الماضي اختلال التوازن في نسبة أوزون طبقة الستراتوسفير، أي الطبقة التي تحمينا من أشعة الشمس.

السبب في ذلك هو مركبات النتروجين والهيدروجين والكلور والبروم، والتي تتفاعل مع الأوزون لتعيده إلى الأكسيجين الجزيئي مرةً أخرى، وأهم مصدر لهذه العناصر هي مركبات الكلورفلوروكربون (CFCs)، فهي جزئياتٌ تبقى خاملة وغير متفاعلة مع غيرها، ولا يمكن تفككها إلا بأشعة الشمس فوق البنفسجية فتحميها طبقة الأوزون نفسها، وعلى الرغم من ثقلها إلا أنها تستطيع الصعود نحو طبقة الستراتوسفير بفعل التيارات الهوائية وعمليات الخلط في الغلاف الجوي، فتتكسر بأشعة UV، وتتحرر ذرات الكلور، لتتفاعل مع جزيئات الأوزون غير المستقرة، بذلك يتدمّر أول جزيء أوزون، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فبدوره يتفاعل أحادي أكسيد الكلور الناتج مع الأكسجين الحر، مُطلقًا ذرة كلور أخرى تدمر المزيد من جزيئات الأوزون.

نظرة عامة على ثقب الأوزون

وهكذا يتكرر التفاعل ليتدمر عددٌ كبيرٌ من جزيئات الأوزون، فكلّ ذرة كلور قادرة على تدمير 100000 جزيء أوزون خلال رحلتها في طبقة الستراتوسفير. من الرحمة الإلهية هي القدرة على إيقاف ذرة الكلور وتحويلها إلى كلوريد الهيدروجين (HCl) بتفاعلها مع غازات مثل الميتان، فينحلّ مع المطر نزولًا إلى سطح الأرض.§

مصادر مركبات (CFCS)

أهمّ مصادر مركبات الكلوروفلوركربون هي الهالوكربونات؛ والتي تنتج عن عدة نشاطات وصناعاتٍ بشريةٍ، كما في عملية التبريد في الثلاجات والمكيفات والمبردات، وعلب رذاذ الايروسول، وعوامل النفخ لصنع الرغوات البلاستيكية، وإطفائيات الحريق، ومواد تنظيف الشحوم والتنظيف الجاف من مذيبات، وغيرها.§

الثقب القطبي فوق القارة القطبية الجنوبية

قد يتبادر إلى الذهن وبمجرد ارتباط سبب ثقب الاوزون بالتلوث الناجم عن النشطة البشرية، أنه سيتواجد فوق المدن الصناعية الكبرى حصرًا، ولكن المثير للدهشة هو أنّ أوّل وأكبر اكتشاف لثقب الأوزون كان فوق القارة القطبية الجنوبية في أواخر السبعينات القرن الماضي، فما السبب في ذلك؟

إنها السحب الستراتوسفيرية، فمن أهم شروط حدوث تفاعل تفكك الأوزون هو توفر أسطحٍ بلوريّةٍ جليديةٍ، وفي حين تُعدّ طبقة الستراتوسفير فقيرةً ببخار الماء، إلا أنه يمكن تشكّل السحب الرقيقة فوق القطب الجنوبي بسبب انخفاض درجة الهواء فيها في فصل الشتاء الطويل إلى -80 درجة مئوية، وبعودة أشعة الشمس خلال فصل الربيع تبدأ عملية تفكيك الأوزون وتخريبه بفعل الأشعة فوق البنفسجية وذرات الكلور المتحررّة، ويستمر ذلك حتى ارتفاع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف؛ فتندفع التيارات الهوائية من خطوط العرض المنخفضة لتجدد غازات طبقة الأوزون.

تتكرر هذه الدورة لثقب الأوزون سنويًّا بشكلٍ موسميٍّ، وسُجٍّلت أدنى معدلات الأوزون خلال فترة أواخر سبتمبر وأوائل أوكتوبر.

الثقب القطبي فوق القارة القطبية الجنوبية

وعلى الرغم من تكرر الدورة في القطب الشمالي في الوقت المعاكس، إلا أنها أقلّ خطورةً من سابقتها، والسبب يعود لعدم انخفاض درجة الحرارة في طبقة الستراتوسفير في الشمال بما يكفي لتشكل الغيوم الستراتوسفيرية بشكلٍ متكرّرٍ وواسعٍ.§

العلاقة بين الاحتباس الحراري وثقب الأوزون

في توضيحٍ بسيطٍ للاحتباس الحراري، يتغلّف سطح الأرض بغاز ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة الناتجة عن نشاط البشر؛ من حرقٍ للفحم والنقط وعوادم السيارات وغيرها، فتمتصّ الأشعة تحت الحمراء وتمنع انعكاسها إلى الفضاء وتسرّبها عبر طبقة الستراتوسفير، ممّا ينتج عنه احتباس للحرارة في طبقة التربوسفير، ومنع انتقالها إلى طبقات الغلاف الجوي العليا، فتتبرد طبقة الستراتوسفير، وتخلق ديناميكية التبريد والتسخين هذه ظروفًا مساعدةً على تفكيك الأوزون.

بعبارة أخرى، تخفض غازات الدفيئة من درجة حرارة الستراتوسفير في الوقت الذي ترفع فيه من درجة حرارة التربوسفير؛ فتعزّز بذلك فرص تكوين السحب الستراتوسفيرية الباردة، حيث ينتج عن تفاعل الأوزون مع أشعة الشمس ارتفاعًا في الحرارة، وبانخفاض نسبته تقلّ كمية الحرارة المنتشرة عن التفاعل، فيزداد انخفاض درجات الحرارة في الطبقات السفلية من الستراتوسفير وتتهيأ الظروف لتكوين السحب.§

على الرغم من السيطرة النسبية على ثقب الأوزون فوق المنطقة القطبية الجنوبية مؤخّرًا، إلا أنه ما زال موضوعًا بيئيًّا هامًّا، يحظى باهتمام الناشطين والعلماء البيئيين، خوفًا من توسّعه فوق مناطق أخرى في العالم، ولما يحمله من آثارٍ سلبيةٍ على المدى الطويل.