قبل الحديث عن احتباس السوائل في الجسم، لا بدّ من ذكر بعض الحقائق الهامّة عن وجود هذا المركّب في أجسامنا. يحتوي جسم الإنسان قرابة 41 لتر من الماء موزعة كالتالي؛ 3 لتر هي حجم بلازما الدم، و9 لتر تشكل السائل الموجود بين الخلايا (Extra-cellular fluid)، و29 لتر نجدها داخل خلايا الجسم المختلفة المقدر عددها بنحو 30 تريليون خلية.

يمثل مجموع الماء في الجسم حوالي 60% منه، ولا تستقر هذه النسبة في كل الأعضاء، إنما تتباين من واحد لآخر. بالنظر إلى الرئة نجد الماء فيها حوالي 83%، أما العضلات فحوالي 79%، وفي القلب والدماغ حوالي 73%. في مقابل هذا نجد أجزاء أخرى محتواها من الماء قليل، العظام مثلًا يمثل الماء منها حوالي 31% (في النهاية حتى العظام تحوي ماءً).§

وظائف الماء في الجسم

لا تكاد توجد وظيفة يؤديها الجسم تستغني عن الماء؛ فكل شيء يحدث في الجسم يحتاج الماء ابتداءً بهضم السكريات البسيطة في الفم بواسطة الإنزيمات الهاضمة في اللعاب وصولًا إلى النقل العصبي الذي يعتمد على حركة الأيونات عبر غشاء الخلية.

إليك هذه القائمة ببعض الوظائف الحيوية التي يؤديها الماء الموجود في جسمك:

  • يساعد في تنظيم درجة حرارة الجسم.
  • يرطب الأنسجة كما في العينين والأنف والفم.
  • يحمي الأعضاء المختلفة، حيث تحيط الأعضاءَ أغشيةٌ تعرف بالأغشية المصلية (Serous membranes) منها غشاء التامور (Pericardium) حول القلب، وغشاء الصفاق (Peritoneum) حول الأعضاء في منطقة البطن. بين طبقات هذه الأغشية سائل يسمى السائل المصلي (Serous fluids) يعمل على حماية الأعضاء الداخلية.
  • يحمل الغذاء والأكسجين للخلايا، ويقوم بهذا الدور باعتباره المكون الأساسي للدم.
  • يساعد في التخلص من نتائج الهضم.
  • يذيب الأملاح والمغذيات المختلفة مما يسمح بانتشارها عبر الجسم.
  • يشحم المفاصل إذ يوجد في تجاويفها فيحمي العظام من التآكل إثر احتكاكها ببعض.§

الوذمة وأنواعها

يُعرف احتباس السوائل في الجسم باسم الوذمة (Edema) وتوصف طبيًا بأنها تراكم السوائل في الفراغات بين الأنسجة أو الفجوات بين الأغشية المصلية مما يُنتج تورمًا قد يكون محصورًا في منطقة محددة أو منتشرًا عبر الجسم. تُصنف الوذمة عدة تصنيفات طبقا لانتشار السوائل، ولتركيبها، وأخيرًا لاستجابة التورم للضغط.§

أنواع الوذمة طبقا لانتشار السوائل

ذكرت أن الوذمة قد تكون محصورة في مكان محددة أو منتشرة في الجسم. في الحالة الأولى نسميها (Localized edema) وتكون محصورة في عضو أو طرف من الأطراف. وهي نتاج انسداد في الأوعية الليمفاوية، أو التهاب ناتج عن عدوى، أو حساسية، أو احتقان في الأوردة المسؤولة عن تصريف الدم من العضو.

أما النوع الثاني حيث تكون الوذمة منتشرة عبر الجسم نسميه (Generalized edema) وينتج عن أمراض الكلى والكبد وفشل القلب، وهي حالات أتناولها بشيء من تفصيل فيما هو آتٍ.

أنواع الوذمة حسب تكوين السوائل

السائل المتراكم والمسبب للتورم يكون إما ارتشاح (Transudate) أو إفراز (Exudate). الأول منهما له محتوى قليل من البروتين والخلايا وله كثافة نوعية أقل من النوع الثاني كما يغيب من محتوياته الفيبرينوجين (Fibrinogen) المسؤول عن تجلط الدم. يغلب الارتشاح في أغلب أنواع احتباس السوائل في الجسم كما في تلك الناجمة عن أمراض القلب والكلى.

يمتاز الإفراز بالمقابل بمحتوى مرتفع من البروتين وخلايا الالتهاب كخلايا البلاعم (Macrophage)، أيضًا له كثافة نوعية أعلى من نظيره، ويحتوي على الفيبرينوجين، ويوجد في بعض أنواع الوذمة كما في تلك الناجمة عن الالتهاب.§

أنواع الوذمة حسب استجابة التورم للضغط

عند الضغط بالإصبع على التورم إما تتكون علامة مكان الضغط أو لا. كل أنواع الوذمة عدا الناتجة عن الالتهاب أو انسداد الأوعية الليمفاوية تترك أثرًا عند الضغط عليها. تساعد هذه المسألة في تشخيص الوذمة.

استجابة الوذمة للضغط
استجابة الوذمة للضغط

بعض الحالات المرضية المرتبطة باحتباس السوائل

فشل القلب (Heart failure)

فشل القلب هو عجزه عن تلبية احتياجات الجسم من الدماء نتيجة عدم قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة. قد يكون فشل القلب حادًا أي مفاجئ وسريع التطور، أو مزمنًا، والأخير هو ما يهمنا في موضعنا هذا. يتكون القلب من أربعة حجرات؛ أذينين (Atria) وبطينين (Ventricles). مهمة البطينين ضخ الدم إما المؤكسج (أي المحمل بالأكسجين) إلى الأنسجة المختلفة، وهذه مهمة البطين الأيسر، أو ضخ الدم غير المؤكسج إلى الرئتين، وهذه وظيفة البطين الأيمن. يستقبل البطين الأيمن الدم غير المؤكسج الذي يصله عبر الوريدين الأجوفين إلى الأذين الأيمن ثم إلى البطين الأيمن. البطين الأيسر يستقبل الدم المؤكسج القادم من الرئتين عبر الأوردة الرئوية إلى الأذين الأيسر ثم البطين الأيسر.

إذا ما فشل البطين الأيمن في ضخ الدم إلى الرئتين تتراكم الدماء العائدة إليه في الأوردة عبر الجسم مسببة احتقان الأوردة ووذمة منتشرة في الجسم تبدأ عادة في الأطراف السفلى. أما لو فشل البطين الأيسر في ضخ الدم إلى أنحاء الجسم، تتراكم الدماء في الرئة مسببة ما يعرف بالوذمة الرئوية (Pulmonary edema).

يقوم علاج الوذمة في حالات فشل القلب على علاج فشل القلب ذاته، ولهذا طائفة من الأدوية منها ما يقوم بزيادة قوة ضربات القلب، ومنها ما يوسع الأوعية الدموية، ومنها أيضا مدرات البول.

أمراض الكلى المزمنة

أولًا لمحة عن فسيولوجيا الكلى؛ الجريان الدموي الكلوي (RBF) هو إجمالي الدم الذي يصل إلى الكليتين في الدقيقة الواحدة، ويقدر بحوالي 1.1 لتر/دقيقة. أما معدل الترشيح الكبيبي (GFR) فهو كمية الدم التي تصفيها الكليتين في الدقيقة وهي حوالي 125 ملليلتر/دقيقة. إذا انخفض مقدار الدم الواصل إلى الكليتين أو كمية الدم التي تصفياها (الحالة الأولى تؤدي للثانية بالضرورة) تفرز الكلى مادة الرينين (Renin) التي تشغل آلية فسيولوجية تعرف باسم (Renin-Angiotensin-Aldosterone system) أو اختصارًا (RAAS).

يتسبب هذا النظام في ارتفاع ضغط الدم واحتباس السوائل، ذلك في سبيل تعويض النقص الحادث في كمية الدماء الواصلة إلى الكلى أو المصفاة بواسطتها. ينتج عن هذا في النهاية وذمة تبدأ عادة في الوجه حول العينين ثم تنتشر في بقية الجسم.

انتفاخ حول العينين (وذمة ناتجة عن مرض بالكلى)
انتفاخ حول العينين (وذمة ناتجة عن مرض بالكلى)

تليف الكبد (Liver cirrhosis)

عدد من المشاكل يسببها تليف الكبد تؤدي إلى احتباس السوائل في الجسم. لنبدأ أولًا بعجز الكبد عن تصنيع كمية كافية من البروتين (بالأخص الألبومين) مما يتسبب في انخفاض الضغط الأسموزي للدم وهروب السوائل من الأوعية الدموية. يتسبب التليف أيضا في ارتفاع ضغط الدم في الدورة الدموية البابية (Portal hypertension) واحتقان الدم في الأوردة البابية وتكون الاستسقاء، وهو نوع من الوذمة تتراكم فيه السوائل في تجويف البطن.§

انتفاخ حول العينين (وذمة ناتجة عن مرض بالكلى)
استسقاء