ما هو استسقاء الدماغ

يُطلق أيضًا على مصطلح استسقاء الدماغ “استسقاء الرأس”، وأعتقد أنه يمكننا توقع معنى كلمة استسقاء.. ينطوي مصطلح استسقاء الدماغ على تراكم بعض السوائل الزائدة في الدماغ، ولكن بالطبع ليست سوائل عادية.. دعنا لا نطيلُ كثيرًا ولندخل في صلب الموضوع، ما هو استسقاء الدماغ؟ ما أعراضه وأسبابه الشائعة؟ وكيف يمكن علاج هذا المرض؟ إليك في المقال التالي.

ما هو استسقاء الدماغ

مصطلحٌ يوناني الأصل (Hydrocephalus)، ويقسمُ إلى(Hydro) وتعني ماء، (Cephalus) وتعني رأس، وهذا ما قصدناه في استسقاء الرأس، وهو حالةٌ يتراكم فيها السائل الدماغي الشوكي الزائد (Cerebrospinal Fluid) واختصارًا (CSF)، داخل تجاويف أو بطينات الدماغ التي تحتوي على هذه السوائل أصلًا.

حقيقةً، السائل الدماغي الشوكي هو سائلٌ عضويٌّ يحيط بالدماغ والنخاع الشوكي، إذ أنه في دورانٍ مستمرٍ داخل بطيني الدماغ، ويؤدي العديد من الوظائف، مثل امتصاص الصدمات الموجهة للدماغ أو الحبل الشوكي، ويعمل على توصيل المغذيات للدماغ وتنظيفه من الفضلات، كما ينظّم التغيرات في الضغط بجريانه بين الجمجمة والعمود الفقري. إذًا كيف يحصل الاستسقاء؟

يحدث الاستسقاء نتيجة “تراكم” السائل الدماغي الشوكي حول الدماغ، وذلك إما بسبب زيادةٍ في إنتاج هذا السائل أو انخفاض في معدّل امتصاصه، أو ممكن حالة مرضيّة منعت تدفّقه بشكلٍ طبيعيٍّ عبر النظام البطيني، ينتج عن هذا التراكم ضغطًا هائلًا ضارًّا على أنسجة الدماغ المحصورة داخل الجمجمة. يمكن أن يحدث الاستسقاء في أي عمرٍ، ولكنه شائعٌ لدى الأطفال، وكبار السن (60 عامًا وما فوق).

أنواع استسقاء الدماغ

  • استسقاء الدّماغ الخُلقيّ: يحدث عند الولادة، وقد يحدث أثناء نموّ الجنين، نتيجة إصابةٍ ما أو تشوّهاتٍ جينيّة.
  • استسقاء الدّماغ المكتسب: هو نوعٌ من الاستسقاء الذي يتطوّر عند الولادة، أو في مرحلة البلوغ، ويحدث عادةً نتيجة إصابةٍ أو مرضٍ.
  • استسقاء الدّماغ المتواصل: يحدث هذا النوع من استسقاء الدماغ عندما لا يوجد انسدادٌ في تدفّق السّائل الدماغيّ الشوكيّ داخل الجهاز البطينيّ، وتنشأ هذه الحالة إمّا بسبب عدم كفاية امتصاص السائل، أو بسبب زيادةٍ غير طبيعيّةٍ في كميّته المُنتَجة.
  • استسقاء الدماغ غير المتواصل (الانسدادي): يحدث عندما يتم حظر تدفق السّائل الدماغيّ الشوكيّ في أحد الممرات التي تربط البطينين، ممّا يتسبّب في تضخّم المسارات أمام العائق الموجود، وزيادة الضغط داخل الجمجمة.
  • استسقاء الدماغ بالضغط الطبيعيّ (NPH): هو شكلٌ من أشكال استسقاء الدماغ الذي يحدث في أيّ عمرٍ، ولكنّه أكثر شيوعًا عند كبار السنّ، يتميّز بتوسّع البطينات، وسُمّي بالطبيعي لأن ضغط السائل يكون طبيعيًّا عند قياسه داخل العمود الفقري.
  • استسقاء الدماغ التعويضيّ (Ex-vacuo): يصيب البالغين في المقام الأوّل ويحدث نتيجة مرضٍ ما، مثل الزهايمر أو السكتة الدماغية أو الصدمة، ولهذا يمكن تسميته باستسقاء الدماغ السابق (يحدث نتيجة مرضٍ يسبقه)، مسببًّا تلف الدّماغ الذي قد يتسبّب في تقلّص أنسجة المخّ.§.

أعراض استسقاء الرأس

أعراض الإصابة باستسقاء الدماغ الخلقي

  • صعوبة في التنفس.
  • تيبّس عضلات الذّراع والسّاق، وتعرّضها للانقباضات.
  • تأخّر بعض مراحل النموّ، مثل الجلوس أو الزّحف.
  • انتفاخ اليافوخ إلى الخارج، وهو البقعة الليّنة في الجزء العلويّ من رأس الطفل.
  • النعاس.
  • التغذية السّيئة.
  • فروة الرّأس رقيقة ولامعة، وقد تظهر بعض العروق على فروة الرأس.
  • قرب بؤبؤ العين من قاع الجّفن، وهي حالةٌ تسمى (غروب الشمس).
  • الصّراخ العالي.
  • القيء.

أعراض الإصابة باستسقاء الدماغ المكتسب

  • سلس الأمعاء.
  • الارتباك أو التّشوش أو كليهما.
  • النّعاس والخمول.
  • الصّداع.
  • قلّة الشهيّة.
  • الغثيان.
  • تغيّرات في الشخصيّة.
  • مشاكل في البصر مثل عدم وضوح الرؤية أو ضعفها.
  • سلس البول.
  • التقيّؤ.
  • صعوبات في المشيّ، خاصّةً عند البالغين.

أعراض الإصابة باستسقاء الدّماغ بالضغط الطبيعيّ

قد تستغرق العلامات والأعراض عدّة أشهرٍ أو سنواتٍ لتتطوّر، وتشمل:

  • التغيّرات في المشي: الشّعور بالتجمّد عند الخطوة الأولى، والتثاقل في المشي والعرقلة.
  • تباطؤ عمليّة التّفكير: كأن يجيب الشخص المريض على الأسئلة بشكلٍ أبطأ من المعتاد، مع تأخّرٍ في ردود الفعل في بعض المواقف، وتباطؤ عمليّة معالجة المعلومات.
  • سلس البول: يحدث عادةً بعد حدوث التغيّرات في المشي.§.

أسباب حدوث استسقاء الدماغ

الأسباب الشّائعة لاستسقاء الدماغ الخلقي

  • تضيّق القناة المائيّة: ينتج عن تضيّق أو انسداد الممرّ الطّويل الضيّق بين البطينين الثالث والرابع (قناة سيلفيوس)، بسبب عدوى أو نزيفٍ أو ورمٍ، ممّا ينتج عنه تراكم السّائل والإصابة باستسقاء الدماغ.
  • عيوب الأنبوب العصبيّ (NTD): يحدث نتيجة عدم انغلاق الحبل الشوكيّ بشكلٍ تامٍّ قبل الولادة، وتسمى هذه الحالة بالقيلة النخاعية، مما يؤدي إلى تسرّب سائل الدّماغ الشوكيّ منه. غالبًا ما يؤدي هذا النوع من العيوب إلى ما يُعرف بالتشوّه الخياري من النوع الثاني (Chiari II)، مسبّبًا دفع جزءٍ من المخيخ والبطين الرّابع للأسفل، من خلال فتحةٍ عند قاعدة الجمجمة في منطقة الحبل الشوكيّ، ممّا يعيق تدفّق السّائل الدماغيّ الشوكيّ خارج البطين الرابع، ويتسبّب باستسقاء الدماغ.
  • الكيسات العنكبوتيّة: تتشكّل الكيسات العنكبوتيّة في أيّ مكانٍ في الدّماغ، غالبًا ما تتواجد في الجزء الخلفي من الدماغ وفي منطقة البطين الثالث. تكون هذه الكيسات مملوءة بسائل CSF ومبطّنة بغشاءٍ يدعى (الأم العنكبوتية)، وهو أحد أغشية السحايا، يعمل السّائل المحاصر في هذه الكيسات على سدّ مسار CSF ، ممّا يسبّب استسقاء الدّماغ.
  • متلازمة أو تشوّه داندي ووكر (Dandy-Walker): إحدى أسباب تضخّم الدماغ الخلقيّ، والتي قد ترجع أسبابها للتطوّر غير الطبيعيّ في بعض أجزاء الدماغ، وتؤدّي أحيانًا إلى تضيّق القناة المائيّة، وفيها يتضخّم البطين الرّابع، بسبب انغلاق منافذه جزئيًّا أو كليًّا، ويفشل جزءٌ من المخيخ في التّطور.

الأسباب الشّائعة لاستسقاء الدّماغ المكتسب

  • النزف داخل البطين: ينتج عن تمزّق الأوعية الدمويّة الصغيرة، إلى جانب تمزّق بطانة البطين، ممّا يتسبب في سدّ الدم للبطينات، أو سدّ الزغب العنكبوتيّ الذي تكمن وظيفته في السماح بامتصاص CSF، فعندما لا يُمتص السائل؛ يتجمّع مسبّبًا الإصابة باستسقاء الدماغ.
  • التهاب السّحايا: هو التهابٌ في أغشية الدّماغ والحبل الشوكيّ، تنتج عن عدوى بكتيريّة أو فيروسيّة، مسبّبةً تورّمٍ أو ظهور ندبٍ في الأغشية الرقيقة المبطّنة لمسارCSF، يعرقل هذا التورم تدفق CSF أثناء مروره عبر البطينين الضيّقين.
  • إصابة الرأس: يمكن أن تتسبّب إصابة الرّأس في تلف أنسجة المخ أو الأعصاب أو الأوعية الدمويّة، فقد يتسرب الدم من الأوعية المتمزّقة إلى مسار السائل النخاعيّ، مسبّبًا الالتهاب وأحيانًا انسداد مواقع امتصاص السائل الدماغيّ الشوكيّ بسبب الأغشية السحائية الملتهبة أو خلايا الدم، ممّا يعيق تدفّق سائل الدّماغ الشوكيّ والإصابة باستسقاء الدماغ.
  • أورام المخ: تحدث أورام الدّماغ بشكلٍ شائعٍ عند الأطفال، في الجزء الخلفيّ من الدماغ، ومع نموّ الورم، قد يملأ أو يضغط على البطين الرّابع، الأمر الذي يعيق تدفّق السّائل النخاعيّ، مسبّبًا استسقاء الدماغ، وإن أيّ ورمٍ آخر قد يحدث في الدماغ، يسبّب الضغط على الجهاز البطيني ويعيق حركة السائل.§.

التشخيص

قبل الولادة وأثناء الحمل، قد يكشف الفحص الروتيني بالموجات فوق الصوتيّة عن الإصابة باستسقاء الدماغ. بعد الولادة، يتم فحص رأس الطفل بانتظامٍ، في حال أظهرت النتائج أيّ اضطرابٍ، ستُطلب المزيد من الاختبارات، مثل التّصوير بالرّنين المغناطيسيّ أو التّصوير المقطعيّ المحوسب، الذي يعطي صورًا أكثر تفصيلًا للدماغ.

في حال كشفت الفحوصات البدنيّة للطفل بعد الولادة بفترة وجيزة، أو حتى لدى الشخص البالغ، أيّ علاماتٍ أو أعراض استسقاء الدّماغ، سيقوم الطبيب بما يلي:

  • فحص التّاريخ الطبيّ للمريض.
  • إجراء فحصٍ بدنيٍّ وعصبيٍّ.
  • الفحص بالتصوير المقطعيّ، أو التّصوير بالرّنين المغناطيسيّ.

تجدر الإشارة أن هناك صعوبةً في تشخيص استسقاء الدماغ بالضغط الطبيعي، لدقّة الأعراض وقلّتها، وكونها لا تظهر فجأةً.§.

علاج استسقاء الدماغ

تزداد فرصة نجاح العلاج كلّما كان التّشخيص مبكّرًا، ويقلّ احتمال نجاح العلاج عند التأخّر في كشف الإصابة. إليك بعض طُرُق العلاج:

  • يتضمّن العلاج الأكثر شيوعًا استخدام جهازٍ يُدعى التحويلة أو القثطرة التحويلية، وهي عبارةٌ عن أنبوبٍ صغيرٍ يتمّ إدخاله في البطينين لتصريف السّائل في مجرى الدم، ويُرفق بصمامٍ لضمان تدفّق السّائل الدماغيّ الشوكيّ في اتجاهٍ واحدٍ وتنظيم الضغط، يُفتح الصمُام تلقائيًّا عندما يتجاوز ضغط السائل الدماغيّ الشوكيّ في الدماغ حدًّا معينًّا ويُغلق عندما يعود الضّغط إلى مستوى مقبول.

بمرور الوقت، تتحكّم التحويلة في استسقاء الدماغ من خلال تحويل السائل قبل تراكم الضّغط. غالبًا ما تكون الإقامة في المستشفى قصيرةً، ويبقى نظام التحويلة داخل الجسم، ولا يمكن الشّعور به. يتحكّم هذا الإجراء الجراحيّ باستسقاء الدّماغ، ويخفّف أعراضه، ولكنّ لا يعالجه.

  • يمكن علاج الحالة بشكلٍ مباشرٍ، على سبيل المثال، يمكن علاج استسقاء الدماغ الناتج عن وجود ورمٍ، بإزالة الجرّاح للورم الذي يسبّب انسداد البطينين أو الممرّات الرابطة بين البطينين.
  • في حالاتٍ معيّنةٍ من استسقاء الدماغ، قد يُوصي جرّاح الأعصاب ببديلٍ جراحيٍّ للتحويلة، وهو فغر البطين الثالث التنظيري (ETV)، يقوم فيه الجرّاح بإجراء ثقبٍ في الجزء السفليّ من البطين بحيث يتدفّق السائل الزّائد نحو قاعدة الدّماغ، يحدث الامتصاص الطبيعيّ في قاعدة الدّماغ.§.
216 مشاهدة