كان الاستنساخ ولا يزال من الثورات العلمية المحيرة والمشوقة لدى الكثير من الناس، وكما هي العادة هنالك خرافاتٌ ترافق كل ثورةٍ علميةٍ.

ونأمل في هذه المقالة أن تزيد معلوماتنا غنًا بمعلوماتٍ علميةٍ حقيقة تجعل شوائب الخرافات تنحرف من عقولنا.

تعريف الاستنساخ

الاستنساخ هو عملية توليد نسخةٍ متطابقةٍ وراثيًّا من خليةٍ أو كائنٍ حيٍّ، وفي الحقيقة يحدث الاستنساخ طوال الوقت في الطبيعة – على سبيل المثال، عندما تتكاثر الخلية بنفسها دون أي تغييرٍ جينيٍّ أو إعادة التركيب.

الكائنات بدائية النواة (الكائنات الحية التي تفتقر إلى نواة الخلية) مثل البكتيريا تخلق تكرارات متطابقة وراثيًّا من نفسها باستخدام الانشطار الثنائي أو طرق أخرى، وفي الكائنات حقيقية النواة (الكائنات الحية التي تمتلك نواة الخلية) مثل البشر فإن جميع الخلايا التي تخضع للانقسام مثل خلايا الجلد والخلايا التي تصب الجهاز الهضمي هي مستنسخاتٌ والاستثناءات الوحيدة هي الأمشاج (البيوض والحيوانات المنوية) التي تخضع للانقسام الاختزالي وإعادة التركيب الجيني.

يتم تعريف الاستنساخ في البحوث الطبية الحيوية على نطاقٍ واسعٍ على أنه استنساخٌ أو تكرار أي نوعٍ من المواد البيولوجية للدراسة العلمية مثل جزء من الحمض النووي أو من خليةٍ فرديةٍ.

على سبيل المثال يتم نسخ أجزاءٍ من الحمض النووي بشكلٍ كبيرٍ من خلال عمليةٍ تعرف باسم تفاعل البوليميراز المتسلسل أو PCR، وهي تقنيةٌ تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ في البحوث البيولوجية الأساسية.

يعتبر نوع الاستنساخ الذي يمثل محور الكثير من الجدل الأخلاقي هو توليد أجنةٍ مستنسخةٍ وخاصةً أجنة البشر، والتي تكون مطابقةً وراثيًّا للكائنات الحية التي تُشتق منها، والاستخدام اللاحق لهذه الأجنة في البحث أو العلاج أو أغراض الإنجاب.1

حدوث الاستنساخ في الطبيعة

ذكرنا في البداية أن عملية الاستنساخ ليست شيء متعلق باستنساخ الجينات الوراثية للبشر والمشاريع المثيرة للجدل الأخلاقي، وإنما هنالك عمليات استنساخٍ تحدث بشكلٍ طبيعيٍّ خلال حياتنا.

حيث تنتج في الطبيعة بعض النباتات والكائنات الحية وحيدة الخلية مثل البكتيريا، ذرية متطابقة وراثيًّا من خلال عمليةٍ تسمى التكاثر اللاجنسي. في التكاثر اللاجنسي، ويتم إنشاء فرد جديد من نسخةٍ من خليةٍ واحدةٍ من الكائن الأصل.

هنالك أيضًا حالاتٌ مختلفةٌ من الاستنساخ الطبيعي مثل التي نقول عنها التوأم الطبيعي أو التوائم المتماثلة في البشر والثدييات الأخرى، حيث ينتج هذان التوأمان عندما تنشق بيضةٌ مخصبةٌ مما يخلق جنينين أو أكثر يحملان حمضًا نوويًّا DNA متطابقًا تقريبًا، حيث أن التوائم المتماثلة لها نفس التركيب الوراثي تقريبًا لكنها مختلفةٌ وراثيًّا عن أي من الوالدين.2

أنواع الاستنساخ الاصطناعي

نستطيع القول باختصار أن الأبحاث العلمية تركز على ثلاثة أنواع من الاستنساخ الاصطناعي وهي :

  • استنساخ الجينات: يُنتج استنساخ الجينات نسخًا من الجينات أو شرائح من الحمض النووي
  • الاستنساخ التناسلي: يُنتج الاستنساخ التناسلي “نسخًا” من حيواناتٍ كاملةٍ
  • الاستنساخ العلاجي: يُنتج الاستنساخ العلاجي خلايا جذعية جنينية لإجراء تجارب تهدف إلى إنشاء أنسجة لتحل محل الأنسجة المصابة أو المريضة.

استنساخ الجينات المعروف أيضًا باسم استنساخ الحمض النووي هو عمليةٌ مختلفةٌ تمامًا عن الاستنساخ التناسلي والعلاجي، بينما يشترك الاستنساخ التناسلي أو الإنجابي والعلاجي في العديد من الأساليب نفسها ولكن يتم كل منهما لأغراض مختلفة كما ذكرنا.3

خرافات استنساخ البشر

على الرغم من العديد من الادعاءات التي حظيت بدعايةٍ واسعةٍ، لا يزال استنساخ البشر يبدو شيءً من الخيال، حيث لا يوجد حاليًا أي دليلٍ علميٍّ قويٍّ على أن أي شخصٍ قام باستنساخ أجنةٍ بشريةٍ أو نجح حتى في القيام بذلك.

في عام 1998، ادّعى العلماء في كوريا الجنوبية أنهم نجحوا في استنساخ جنينٍ بشريٍّ لكنهم قالوا أن تطور التجربة توقف في وقتٍ مبكرٍ جدًا عندما كان الاستنساخ مجرد مجموعةٍ من أربع خلايا، وفي عام 2002 عقدت شركة تدعى كلونايد (وهي جزءٌ من مجموعةٍ دينيةٍ تعتقد أن البشر قد تم خلقهم بواسطة كائنات فضائية) مؤتمرًا صحفيًّا للإعلان عن ميلاد ما زعمت أنه أول إنسانٍ مستنسخٍ وهي فتاةٌ تدعى إيفي أو حواء، لكن مع ذلك وعلى الرغم من الطلبات المتكررة من مجتمع البحوث ووسائل الإعلام، لم تقدم كلونايد أي دليلٍ يؤكد وجود هذا المستنساخ أو الـ 12 نسخة البشرية الأخرى المزعومة.

في عام 2004 نشرت مجموعةٌ بقيادة الطبيب هوانغ وو سوك من جامعة سيول الوطنية في كوريا الجنوبية، ورقةً في مجلة ساينس العلمية وادعت فيها أنها خلقت جنينًا بشريًّا مستنسخًا في أنبوب اختبارٍ، ولكن رغم ذلك لم تجد لجنةٌ علميةٌ مستقلةٌ في وقتٍ لاحقٍ أي دليلٍ يدعم هذا الادعاء، وفي يناير 2006 تم الإعلان عن سحب هذه الورقة المزعومة وعدم الاعتراف بها.

ومن منظورٍ تقنيٍّ يعد استنساخ البشر والقرود الأخرى أكثر صعوبةً من إجرائه مع الثدييات الأخرى، أحد الأسباب لهذه الصعوبات هو أن اثنين من البروتينات الضرورية لانقسام الخلايا والمعروفة باسم بروتينات مغزلية، تقعان بالقرب من الكروموسومات في بيوض الرئيسيات أو الثدييات، وبالتالي فإن إزالة نواة البيضة لإفساح المجال أمام نواة المتبرع تزيل أيضًا بروتينات المغزل وبالتالي تؤثر على انقسام الخلية.

هذا وفي الثدييات الأخرى مثل القطط والأرانب والفئران، ينتشر البروتينان المغزليان في جميع أنحاء البيضة لذلك لا تؤدي إزالة نواة البويضة إلى فقدان بروتينات المغزل.

بالإضافة إلى ذلك يمكن لبعض الأصباغ وضوء الأشعة فوق البنفسجية المستخدمة لإزالة نواة البويضات، أن يُتلفا الخلية الرئيسية وتمنعها من النمو.4

المراجع

  • 1 ، Cloning، من موقع: www.britannica.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 2 ، What is Cloning، من موقع: learn.genetics.utah.edu، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 3 ، What is cloning?، من موقع: www.centreofthecell.org، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 4 ، Cloning Fact Sheet، من موقع: www.genome.gov، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.