لعلَّ أكثرنا سمع أو ربما شاهد بعض الأفلام الوثائقيّة التي تذكر أن هيكل ذلك الحيوان عُمره عِشرون ألف سنة، أو أن العظام تلك تعود إلى أربعين ألف سنةٍ مضت، ولا بُدّ أن الفضول غمر أكثرنا لمعرفة كيف تمكّن العلماء من معرفة عمر تلك الآثار بدقّةٍ، على الرغم من أن التأريخ البشري لا يكاد يبلغ نصف عمرها، حسنًا، إن جواب هذه المعضلة وببساطةٍ هو التأريخ بالكربون المشع لذا فلنتعرّف عليه.

التأريخ بالكربون المشع

فما هو التأريخ بالكربون المشع؟ ومتى تمَّ اكتشافه؟ وما هي آلية عمله بالضبط؟ كل تلك الأسئلة سنجيب عنها في مقالنا هذا، وسنخوص في تفاصيل علم التأريخ بالكربون المشع والمبادئ التي يشتمل عليها هذا العلم بالإضافة إلى المحدوديّات التي تواجه العلماء فيه.

تاريخ ظهور التأريخ بالكربون المشع

إن فكرةَ التأريخ بالعناصر المشعّة ظهرت في مطلع العام 1940، وشكّلت الفكرة ثورةً علميّةً آنذاك كان من شأنها أن تغيّر طرق التأريخ ودقّة نتائجها بشكلٍ جذريٍّ. حيث قام فريقٌ من الباحثين على رأسهم العالم وليام ليبي (Willard F. Libby) بحساب معدل التحلل الإشعاعي لنظير الكربون المشع C-14 الموجود في بعض الآثار، وكانت أولى الآثار التي قام فريق ليبي بدراسته هو جذعُ شجرة أكاسيا يعود إلى عهد الفراعنة، ووجدوا بدراسة النشاط الإشعاعي لعنصر الكربون المشعّ الموجود في بقايا الجذع بأنه يعود إلى حوالي 2800 (+\-250) سنة قبل الميلاد.

على الرغم من أن المبادئ التي وضعها ليبي وفريقه لتحديد العمر الصحيح تنقصها الدقّة، إلّا أنّها كانت الحجر الأساس الذي اعتمده العلماء فيما بعد لتطوير هذه الطريقة، ليتمكّنوا مع حلول 1950 من تطوير طريقة العدّ الومضاني (Liquid Scintillation Counting) وتضمنيها مع القوانين التي وضعها ليبي وزملائه وخرجوا بالصيغة النهائية p,g التأريخ بالكربون المشع والتي لازالت تُستخدم حتى يومنا هذا.

الجدير بالذكر أن ليبي نال جائزة نوبل في الكيمياء عام 1960 على إثر اكتشافه الفريد في عالم التأريخ.1

المبادئ الأساسيّة للتأريخ بالكربون المشع

إن المبدأ الأساسي في التأريخ بالكربون المشع يعتمد على نظير الكربون C-14 والذي يتميّز بنشاطه الإشعاعي الكبير وعدم استقراره. فيما يلي تفصيل لمراحل تشكّل وتوظيف هذا العنصر في عمليّة التأريخ.

تشكّل الكربون المشع (C-14)

تشكّل الكربون المشع (C-14)

في الواقع إن غلاف الكرة الأرضيّة يتعرّض بشكلٍ مستمرٍ للإشعاعات الكونيّة وبكميّاتٍ كبيرةٍ. هذه الإشعاعات الكونيّة تحمل طاقةً كبيرةً، فعندما تصطدم بالذرّات والجُزيئات الموجودة في طبقات الغلاف الجوي للأرض تنعكس كإشعاعٍ كونيٍّ ثانويٍّ على هيئة بروتونات ذات طاقةٍ عاليةٍ.

تلك البروتونات تصطدم بدورها بذرّات النتروجين-14 (تمتلك 7 نيوترونات و7 بروتونات في نواتها، والرقم 14 يشير إلى العدد الذري) المنتشرة في غلافنا، وحصيلة هذا الاصطدام هو ذرّة كربون-14 بـ6 بروتونات و8 نيوترونات بالإضافة إلى ذرّة هيدروجين ذات بروتون وحيد. الكربون-14 الناتج عن هذه العمليّة يُدعى بنظير الكربون المشعّ، وهو يمتلك نصف عمر مشعّ قدره 5700 سنة.

الكربون المشع في الكائنات الحيّة

تندمج ذرّات الكربون التي تنشأ عن الإشعاعات الكونيّة في الطبقات الجويّة للأرض بذرّات الأوكسجين لتشكّل ثاني أوكسيد الكربون، الذي تلتقطه النباتات بدورها وتحوّله إلى أليافٍ وكربوهيدراتٍ بعملية التركيب الضوئي. عندما تتناول الحيوانات وحتى نحن البشر هذه النباتات فإن ذرّات الكربون المشعّ C-14 تدخل في تركيب خلايا أجسادنا.

لقد وجد العلماء أن نسبة الكربون المشعّ (C-14) إلى الكربون الطبيعي (C-12) في الهواء ثابتةٌ في وقتنا الراهن ويقدّرها العلماء بنسبة 1 إلى مليار (لصالح الكربون الطبيعي). وعلى الرغم من أن ذرّات الكربون C-14 داخل أجسادنا في تفككٍ مستمرٍ إلّا أنّها وعلى خلفيّة عمليّة التنفس المستمرّة، تُستبدل بذرّاتٍ جديدةٍ، بمعنى آخر تبقى نسبة الكربون المشع ثابتةً في أجسادنا وهي متساويةٌ بين جميع المخلوقات.2

آلية التأريخ بالكربون المشع

آلية التأريخ بالكربون المشع

عندما تموت العضوية فإن عمليّة الاستبدال الطبيعي لذرّات الكربون المشع المتفكّة تتوقّف، وهنا يبدأ عنصر الكربون C-14 بالتفكك والتناقص بشكلٍ مستمرٍ. والجدير بالذكر أن التحلل الإشعاع يحدث بشكلٍ مستقلٍ، ودون التأثر بالمتغيّرات الحراريّة والكيميائية في العضوية وتفكك نصف كميّة الكربون المشّع في أي عضويّةٍ يحتاج إلى 5700 سنة تقريبًا (عمر النصف الشعاعي).

يمكن بمعرفة نسبة الكربون المشع إلى الكربون الطبيعي في وقت موت الكائن ونسبتها في وقت الاكتشاف معرفة عمر هيكل الكائن، إلّا أنّه لا يمكن تحديد هذه النسبة بشكلٍ مباشرٍ في وقت موت الكائن لأنها غير ثابتةٍ بين العصور، وتعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على كميّة الإشعاعات الكونيّة التي تخترق الأرض، وبالتالي على نشاط الشمس المتغيّر.

وعلى الرغم من ذلك تمكّن العلماء من التوصّل إلى صيغةٍ فريدةٍ لوضع تلك النسب بشكلٍ دقيقٍ، وتعتمد هذه الطريقة على قياس الحلقات الموجودة في جذوع الأشجار القديمة والحديثة وقياس نسب الكربون المشع والطبيعي فيها ومن ثم المقارنة بين نتائج القياسين ووضع منحنى تناسبي بينهما، هذا المنحنى يمكن توظيفه لتأريخ الهياكل والمستحاثات بشكلٍ دقيقٍ.3

المواد القابلة للتأريخ بالكربون المشع

على الرغم من دقّة النتائج التي يمكن للتأريخ بالكربون المشع أن يعطينا إيّاها، إلّا أنّه ليس بمقدورنا توظيف هذه الطريقة لتحديد أعمار جميع المواد المُكتشفة. كقاعدةٍ عامّةٍ؛ جميع المواد العضويّة والأجزاء اللاعضوية المرتبطة بها (كالقواقع) يمكن تأريخها بالكربون المشعّ، في حين أن المواد اللاعضويّة الأخرى كالمعادل والتماثيل والآثار بشكلٍ عام لا يمكن تأريخها بهذه الطريقة.

من المواد التي تمكّن العلماء من تأريخها بواسطة الكربون المشعّ مُنذ ابتكار هذه الطريقة نجد الأغضان، والبذور، والعظام، والأصداف، والجلود، والشعر، والشُعَب المرجانيّة وحتى الماء، بالإضافة إلى الكثير من المواد العضوية واللاعضوية المرتبطة بوجود الكربون المشع C-14 فيها.4

التحدّيات التي تواجه التأريخ بالكربون المشع

على الرغم من النتائج الدقيقة التي يمكن أن يقدّمها لنا التأريخ بالكربون، إلّا أن لهذه الطريقة محدوديّاتها، وأولى هذه العقبات هي اختلاط العيّنات بموادٍ أخرى تحمل الكربون المشع كالتراب مثلًا. ومن المحدوديّات الأخرى التي تواجهها هذه الطريقة هي عدم قدرتنا على تأريخ المواد اللاعضوية التي لم تختلط بعنصر الكربون المشع كالأحجار والبلورات.

بالإضافة إلى أن العيّنات التي يعود عمرها إلى أكثر من 40 ألف سنةٍ مضت غالبًا ما يكون تأريخها بالغ الصعوبة، بسبب كميّة الكربون المشع الضئيلة المتبقّية فيها. ولأن عمر النصف الشعاعي للكربون المشع 5700 سنة، فهذا يعني أنّه وبعد 50 ألف سنة ستكون معظم كميّة الكربون المشع قد تفكّكت واختفت تمامًا، وهذا بالتالي يجعل من المستحيل تأريخ العيّنات التي يزيد عُمرها على 50 ألف سنة.5

على الرغم من المحدوديّات التي تقف عائقًا أمام التأريخ بالكربون المشع، إلّا أنّه لا يزال أحد أفضل الطرق والوسائل المتّبعة في يومنا هذا لتحديد عمر العيّنات والمستحاثّات القديمة بدقّةٍ.

المراجع