قد يغيبُ عن كثيرٍ منّا ما يجري في أجسامنا وتحديدًا في جهازنا العصبيّ من النشاطات الفيزيولوجيّة المُتنوّعة، فجهازنا العصبي يتعامل في كلِّ لحظةٍ مع الملايين من المعلومات والمعطيات، حتى أنّ سعة تخزينه للمعلومات قد تصل إلى 2500 تيرا بايت، ومع كل خطوةٍ نخطوها أو رمشة عينٍ نقوم بها أو حتى حركةِ ذراعٍ نفتعلها، جهازنا العصبي يكون في عملٍ مستمر، مرسلًا كمّا هائلًا من الإشارات إلى مختلف أعضاء الجسم، وهنا يأتي دور الألياف العصبية في نقل هذه المعلومات. هذه الألياف العصبية تكون مُحاطةً بغلافٍ واقٍ يُدعى الميالين (myelin) الذي يعمل على حمايتها، و التصلب اللويحي الذي نحن بصدد التحدّث عنه يستهدف هذا المكوّن الصغير من سائر مكونات الجهاز العصبي. ولكن ما هو التصلب اللويحي بالضبط؟. سنخوض في مقالنا هذا رحلةً قصيرةً نتعرّف من خلالها على المعلومات التي ينبغي على كلٍ منّا معرفتها والإلمام فيها.

التصلب اللويحي

التصلب اللويحي (يُعرفُ أيضاً بالتصلُّب المتعدد Multiple sclerosis)، ويرمز له اختصارًا بـ (MS)، هو مرضٌ مزمنٌ يؤثر في وظائف الدماغ والنخاع الشوكي، حتى أنه قد يطالُ العصب البصريّ في العينين. وهذا من شأنه أن يترك تأثيرًا سيّئًا على كل من توازن الجسم والتحكم بالعضلات والرؤية وسائر وظائف الجسم الأساسية الأخرى.

يحدث التصلب اللويحي على أثرِ مهاجمة الجهاز المناعي للميالين (myelin) الذي ذكرناه سابقًا، والذي يغلّفُ الألياف العصبية مؤمنًّا الحماية لها من أيّ مؤثرٍ خارجي، وغياب هذا الغلاف بشكل كاملٍ أو جُزئيٍّ يؤثر على قدرة الدماغ على إرسال الإشارات عبر الألياف العصبية إلى سائر أعضاء الجسم بشكلٍ صحيحٍ، وهذا بدوره يؤثر على مقدرة الجسم الحركيّة والحِسيّة.1

التصلب اللويحي

أسباب التصلب اللويحي والعوامل المؤهّبة

التصلب اللويحي

في الواقع، يُعتبرُ السببُ الحقيقي وراء الإصابة بالتصلب اللويحي غيرَ معروفٍ حتى الآن. إلا أنّ الباحثين يرجّحون عدة عوامل قد  تساعد على ظهور وتطوّرِ هذا المرض، ومن هذه العوامل:

  • العمر: من المعروف أن التصلب اللويحي قد يحصل في أيّ مرحلةٍ عُمريةٍ، إلّا أنّه غالبًا ما يصيب الأشخاص الذين تتراوح أعمارُهم بين 20 و40 سنة.
  • الجنس: تُعتبر النساء أكثر عرضةً من الرجال للإصابة بالتصلّب اللُويحيّ المتكرّر والناكس بنحوِ ثلاثةِ أضعافٍ.
  • القصة العائلية: إنّ إصابة أحد أفراد العائلة يزيد من فُرصة ظهور هذا المرض عند باقي أفراد.
  • التدخين: يبدو أنّ المدخّنين أكثر عرضةً للإصابة بالتصلّب من غير المدخنين، كما أنّ الضرَرَ في الجهاز العصبي لديهم يكون أسوأ.
  • الإصابات الفيروسية:  أفضَت بعضُ الدراسات إلى وجود صلةٍ بين تطورِ التصلب اللويحي و وجود إصابةٍ فيروسيةٍ سابقةٍ، خاصّةً فيروس EBV وفيروس HHV.
  • العرق: لاحظ الباحثون وجود نِسَبِ إصابةٍ أكبرَ للمرض عند ذَويّ البشرةِ البيضاء، وتحديدًا في شمال أوروبا. في حين أن نِسَبَ الإصابةِ الصغرى كانت من نصيب سكانِ إفريقيا و آسيا.
  • الفيتامين د: وجدت الأبحاث أن عوز الفيتامين د والتعرُّض القليل لأشعّة الشمس من شأنه أن يزيدَ فرصَ الإصابة بالتصلّب.
  • عوز الفيتامين ب12: يحتاج الجسم إلى الفيتامين ب12 عند تشكيل الميالين حول الألياف العصبية، لذا من المرجّح أن وجود عوزٍ في هذا الفيتامين من شأنِه أن يزيدَ خطورةَ الأمراضِ العصبيّة وتحديدًا التصلّب اللُويحيّ.2

أعراض التصلب اللويحي

غالبًا ما تتفاوتُ معالم وتأثيرات المرض بين الشخص والآخر. فبعض المرضى يعانون من تأثيراتٍ بسيطةٍ له دون الحاجة لأيّ علاج، في حين أن آخرينَ يشكون من صعوبةٍ بالغةٍ في القيامِ حتّى بالأعمال اليوميّة الاعتياديّة، ويتجلّى التصلب اللويحي بجملةٍ من الأعراض، منها:

  • الإرهاق: ويظهر في 80% من الحالات.
  • إحساسٌ بالوخز والخدر: عادةً يتمركز في الوجه والأطراف.
  • التشنّج: قد يحدث في أيٍّ من الأطراف، إلا أنه غالبًا ما يطالُ القدمين.
  • الضعف العامّ.
  • مشاكل في الرؤيا: قد تكون أُولى أعراض المرض عند البعض.
  • الدّوار ومشاكل في التوازن.
  • مشاكل معويّة: أبرزُها الغثيان والإقياء.
  • التقلّبات النفسيّة والإحباط: ويُعزى إلى الصعوبات التي يواجهها مريضُ التصلّب في التعايشِ معَ مرضه.3

تشخيص التصلّب اللُويحيّ

التصلب اللويحي

تشتمل إجراءات التشخيص بشكلٍ أساسيٍّ على الاختبارات العصبية والقصّة السريريّة، بالإضافة الى بعض الاختبارات التشخيصيّة الدّاعمة والتي تتضمن كل من :

  • التصوير بالرنين المغناطيسي(MRI): ويفيد في الكشف عن المناطق المتأذيّة إِثرَ المرض من الدماغ والنخاع الشوكي.
  • خزع النخاع الشوكي: يستخدم هذا الاختبار لفحص السائل الدماغي الشوكي لنفيِ أيّةِ إصابةٍ إنتانيّةٍ فيه والتي قد تسبب أعراضًا مشابهةً للتصلب.
  • الاختبارات الدموية: أيضًا الهدف منها هو نفي باقي الأمراض التي تتظاهر بشكلٍ مشابهٍ للتصلب.4

علاج التصلب اللويحي

التصلب اللويحي

للأسف لم يَتُمَّ التوصُّل الى علاجٍ شافٍ لهذا المرض حتى وقتنا الحاضر. والمعالجة الأساسيّة تتمحور حول إضعاف الجهاز المناعي ومعالجة الآثار الجانبية للمرض. وهناكَ طيفٌ واسعٌ من الادوية التي تساعد على تخفيف حدّةِ هجماتِ المرض وتُطيلُ الفتراتِ الفاصلةِ بين كلِّ انتكاسةٍ مرضيّة وأُخرى. كما أنّ لممارسة الرياضة والمعالجة الفيزيائيّة دورًا هامًا في استعادةِ المريضِ لقوّته ونشاطه بعد الهجمات المرضية للتصلب اللويحي.

خُلاصةُ القولِ أنّ حياة الأشخاص المصابين لا بُدّ أن تتأثرّ على إِثرِ هذا المرض، وتتعلق طبيعة حياتهم على شدّةِ الأعراضِ ومدى تجاوُبِهم مع العلاج. ولحُسنِ الحظِّ أنّ هذا المرض نادرًا ما يكون مميتًا وغالبًا لا يتعرّضُ المصابون به لأيّةِ إعاقاتٍ دائمةٍ ويتمكّنونَ من اكتشافِ صِيَغٍ مُناسبةٍ في حياتهم اليوميّة. ومع ذلك التصلب اللويحي ينضَوي تحت الأمراضِ التي لا يمكنُ التنبُّؤُ بها، لذا على المريض أن يكون حذرًا ودائمَ التنبُّهِ لأيِّ عَرَضٍ قد يظهر عليه ومُراجعة طبيبه مباشرةً.5

المراجع