ما هو التمييز العنصري

الرئيسية » موسوعة أراجيك » ثقافة عامة » ما هو التمييز العنصري

في صِغرنا، كنا نعتبر أن مصطلح العنصرية أو التمييز العنصري يعبر عن التفريق بين الأشخاص البيض والسود فقط، كأن نقول هذا أبيض وذاك أسود، ولكن كبرنا وعرفنا للأسف أنه يأخذ منحى أبعد من ذلك، بل أعمق وأوسع.

غالبًا ما يربط الناس بين العنصرية والأفعال السيئة أو تصرفات المضايقة، ولكنها علاوةً على ذلك، تأخذ أشكالًا أخرى قد تبدو مبطّنة، ولا تحتاج إلى سلوك عنيف أو مخيف كي يُقال عنها عنصرية، وتحدث في مختلف أنحاء العالم، ليس فقط بين البيض والسود، وأقل مثال على ذلك، هو عندما يتم استبعاد أشخاص معينة من مجموعات معينة بسبب عرقهم أو انتمائهم، أو دينهم، أو عندما يستبعد مجموعة من الأصدقاء زميلهم في المدرسة لمجرد أنه لديه عيب خُلُقي. لذا، فإن العنصرية أكثر بكثير من مجرد أقوال أو أفعال ومعتقدات، فهي تشمل القيود التي تمنع الناس من التمتع بالكرامة والحرية والمساواة. سنشرح في هذا المقال مفهوم التمييز العنصري وما يخصه بالتفصيل.§

مفهوم التمييز العنصري

التمييز العنصري يعني الاعتقاد بإمكانية تقسيم البشر إلى كيانات بيولوجية منفصلة، يسمى كل كيان “جنس”، وذلك على مبدأ أن هناك علاقة سببية بين السمات الجسدية الموروثة للشخص، وصفاته الشخصية والفكرية والثقافية والأخلاقية، وغيرها من السمات السلوكية، وعلى ذلك الأساس، اعتبار أن بعض الأجناس متفوقة ومترفّعة على غيرها بالفطرة. قد يحدث أيضًا عندما يُعامل شخص ما بشكل مختلف أقل أهمية، أو لا يُمنح نفس الفُرص التي يتلقاها غيره، على الرغم من وضعه المماثل له، مثلًا، رفضَ صاحب متجر توظيف أحد السكان الأصليين للعمل لديه، ووظف بدلًا من ذلك شخصًا من عِرق مختلف وأقل خبرة، لمجرد أن وجود شخص من السكان المحليين جعل صاحب العمل يشعر أنه يفقد عملاؤه، قد يمكننا تسمية ذلك تمييزًا عنصريًّا.§

طبعًا اليوم، لا يُطبّق المفهوم على الأشخاص بطريقة فردية فقط، يتعدى المصطلح ذلك ليشمل المؤسسات الاجتماعية، أو الأنظمة السياسية أو الاقتصادية أو القانونية، التي تشارك بدورها في التمييز على أساس العرق، تدعمه وتعزز “عدم” المساواة العرقية في الثروة والدخل والتعليم والرعاية الصحية والحقوق المدنية، وعلى إثر ذلك، أصبح هناك عنصرية مؤسسية، أو عنصرية هيكلية، أو عنصرية قانونية، وتبلورت هذه المفاهيم مع ظهور نظرية العرق النقدي في الثمانينات، وأخيرًا، في أواخر القرن العشرين، تم الاعتراف بمفهوم العرق البيولوجي باعتباره اختراعًا ثقافيًا بدون أي أساس علمي.

يتعدى التمييز العنصري أيضًا حدود اللون والعرق ليستوطن الجنس، التفريق بين الذكر والأنثى في العديد من المجتمعات، فعندما يؤخذ عِرق المرأة أو لونها بعين الاعتبار، إلى جانب جنسها “كأنثى”، يُصبح عبء التمييز العنصري مزدوجًا، ويَلحق ذلك التعصب الواضح بالإضافة إلى التهميش.§

نشوء العنصرية

ترعرعت العنصرية في قلب مفهوم العبودية في أمريكا الشمالية، وبرزت في أنشطة الاستعمار وبناء الإمبراطوريات للأوروبيين الغربيين، كان ذلك في القرن الثامن عشر. اختُرعت أيضًا فكرة العرق لتضخيم الاختلافات بين الأشخاص ذوي الأصول الأوروبية، وأولئك المنحدرين من أصول إفريقية الذين استُعبد أسلافهم قسرًا، ونُقلوا قسرًا إلى الأمريكتين. وُصف هؤلاء الأفارقة وأحفادهم الأمريكيين من أصل أفريقي على أنهم بشر “بدرجة أقل”.

حاول بعدها أنصار العبودية تبرير نظام الاستغلال ذلك ودعمه، والحفاظ عليه مع تصوير الولايات المتحدة على أنها حِصن وبطل يدافع عن حرية الإنسان وحقوقه، وتحاول تأمين المؤسسات الديمقراطية والفُرص غير المحدودة، ومع حلول القرن التاسع عشر، كانت قد نضجت العنصرية وانتشرت في جميع أنحاء العالم. وفي العديد من البلدان، بدأ القادة يفكرون في المجموعات الإثنية (العرقية) لمجتمعاتهم، وتسميات خاصة للأجناس “العليا” و”الدنيا”، استُغلت تلك الأجناس منخفضة المكانة، وأصبح التمييز ضدهم شائعًا.§

لماذا يُعد التمييز العنصري مشكلة؟

يمكن أن يسبب التمييز العنصري الكثير من الضرر للأفراد والمجتمعات، كونه يشمل كلٍ منهما على حدة ومجتمعَيْن. في دراسة أُجريت على 800 طالب من طلاب المدارس الثانوية الاسترالية، وُجد أن العنصرية لها آثار سلبية على الصحة العقلية للمراهقين الذين يعانون منها:

  • الشعور بالغضب والاكتئاب والحزن بسبب الاستبعاد والنبذ.
  • صداع مزمن وزيادة معدل ضربات القلب، مترافقة مع توتر ورجفة.
  • خوف دائم من إمكانية التعرض لاعتداء لفظي أو جسدي.
  • ثقة ضئيلة ومعدومة لدى البعض، بأي كائن حي سوى العائلة.
  • انعدام الثقة بالنفس، والتي من الممكن أن تدمر المستقبل.

وتؤثر العنصرية على هؤلاء عندما يصبحون يافعين، ويُحرمون من الحصول على الوظائف أو الخدمات بالمساواة مع غيرهم، هذا سيخلّف لديهم ولذويهم شعورًا بالنقص، وبالتالي، مع تعدد الأفراد المميزين عنصريًا، ستخلق عندها العنصرية مجتمعًا لا يثق الناس فيه ببعضهم البعض، وسيفقدون احترامهم لبعضهم البعض.§

حقائق عن التمييز العنصري في أمريكا

  • أفادت إحدى الاستطلاعات الأمريكية تعرُض 15.8% من الطلاب لمضايقات وتنمر بسبب عرقهم، وباستكمال الدراسات، وُجد ارتباط وثيق بين التعرض للتمييز العنصري، وتدهور الصحة العقلية والجسدية لهؤلاء الطلاب.
  • في مدينة نيويورك عام 2018، كانت شملت 88% من عمليات التوقيف التي قامت بها الشرطة السود واللاتينيين، في حان كانت النسبة 10% من البيض فقط، مع الإشارة إلى أن نسبة 88% من السود كان بينها ما معدله 70% منهم أبرياء تمامًا.
  • يتعاطى الأمريكيون ذوو البشرة البيضاء والسوداء المخدرات بمعدلات متماثلة، ولكن السود أكثر عُرضة للقبض عليهم بمعدل 6 مرات أكثر من البيض.
  • في الولايات المتحدة، تقل احتمالية توظيفك إذا كنت من ذوي البشرة السوداء، حتى لو تقدمت لوظيفة تتوافق مع مستوى تعليمك، ولكن لا يتم التعامل بهذا الشكل مع البيض.§

ذلك كان مجرد نبذة صغيرة عن التمييز العنصري في دولة واحدة فقط، فما بالك إذا أردنا التحدث عن العنصرية في العالم؟