بما أن الحضارة الإنسانيّة العصريّة قائمةٌ بشكلٍ شبه كليٍّ على الطّاقة الكهربائيّة، ونظرًا للتأثير البيئي الخطير للمحروقات المستخدمة لتوليدها ناهيك عن إمكانيّة نفاذها مع الوقت، توجّه اهتمام الأبحاث نحو إيجاد مصادرَ طاقيّةٍ لا تنضب وتشكّل خطرًا أقل على البيئة. يعتبر التوكاماك (Tokamak) واحدًا من الحلول المقترحة للحصول على الطاقة النظيفة، فلنتعرّف عليه.

تعريف التوكاماك

إذا كانت لديك معلومات عن طاقة الانصهار، فلا بد أنك سمعت عن مفاعل توكاماك. يقوم مبدأ عمل هذا الجهاز على استخلاص الطاقة الناجمة عن اندماج جزيئات البلازما داخل وعاء حافظ كبير. تعد كلمة Tokamak اختصارًا للكلمة الروسية المكوّنة لمصطلح الحبس المغناطيسي الحلقي، وقد تم اختراعه في الاتحاد السوفييتي خلال منتصف الستينات من القرن الماضي.1

نبذة تاريخية – التفكير في تفاعلات الاندماج

لقد بدأ تفكير العلماء يتجه نحو اختراع مفاعلات الانصهار أو الاندماج للحصول على الطاقة بعد دراستهم وفهمهم كيفية توليد الطاقة التي لا تنضب في الشمس والنجوم الأخرى، وذلك قبل حوالي 70 عامًا. بكلماتٍ أخرى، جاءت مفاعلات الاندماج النووي نتيجة محاولات العلماء لاختراع مصادرَ طاقةٍ شبيهة الشمس. وقد كان التوكاماك نتاج العمل الرّائد للاتحاد السوفييتي في هذا المجال منذ أواخر الخمسينات، لتنتقل التجارب بعد ذلك إلى المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا واليابان. من الجدير بالذكر هنا، أن هذا الجهاز لا يزال قيد التجريب ولم يتم حتى الآن استخدامه لتغذية المحطات الكهربائية.2

مبدأ عمل التوكاماك

العامل الأساسي في مبدأ عمل هذا الجهاز هو تحويل الغاز إلى بلازما للاستفادة من خصائصها الكيميائيّة. فالبلازما عبارةٌ عن غازٍ ساخنٍ مشحون كهربائيًّا يفيد في خلق البيئة المثاليّة لاندماج العناصر الصغرى وبالتالي إنتاج الطاقة. يتم الحصول عليها من خلال تطبيق حرارةٍ وضغطٍ شديدين على الوقود الهيدروجيني داخل حجرة التخزين (التي تأخذ شكل الدونات). كما يمكن التحكّم بجسيمات البلازما هذه من خلال وضع لفائفَ مغناطيسيّةٍ مشحونة حول الوعاء الحافظ وإبقائها بعيدةً عن جدران الوعاء.

وتشغيل جهاز التوكاماك يتبع المراحل التالية:

  1. طرد الملوّثات والغبار من حجرة التخزين.

  2. تشغيل الأنظمة المغناطيسية المحيطة بحجرة التخزين ثم حقن الجهاز بالوقود الغازي. سينتج عن هذا الحقن للغاز في ظل تشغيل حقلٍ مغناطيسيٍّ مرور تيارٍ كهربائيٍّ هائل عبر الوعاء، بالتالي تتشكل البلازما. ومع ازدياد طاقة جسيمات البلازما سيزداد تصادمها وترتفع درجة حرارتها.

  3. استخدام طرق التسخين الثانوية يساعد في رفع درجات حرارة البلازما للقيم المطلوبة لحدوث الاندماج (150-300 مليون درجة مئويّة). نتيجةً لذلك، تصبح طاقة الجسيمات كافيةً للتغلب على التنافر الكهرومغناطيسي، وبالتالي لتمكين تفاعل الاندماج، ما يؤدي إلى إطلاق كمياتٍ هائلةٍ من الطاقة.

  4. يتم استخدام الحرارة المخزّنة من قبل محطة الإندماج النووي لإنتاج البخار، ومن ثم الكهرباء بالاعتماد على مولّداتٍ مشابهةٍ لتلك المستخدمة في محطّات توليد الطاقة الكهربائيّة التقليديّة.3

مشابهات التوكاماك

  • الستيلاتور: تم تصنيعه في واحدٍ من أهم مختبرات ألمانيا، وهو جهازُ اندماج شبيه توكاماك، ولكن يختلف عنه في طريقة حصر وتخزين الحقل المغناطيسي. ورغم التجارب الواعدة لستيلاتور، يبقى التوكاماك مفضّلًا لحفظ الغاز المار عبر حجرة التخزين، وكذلك في حفظ الطاقة اللازمة لإبقاء استمرار التفاعلات ضمن الجهاز. من سلبيّات ستيلاتور أيضًا الحاجّة للدقّة وصعوبة التصميم، مما يجعل من فكرة بناء محطّةٍ معتمدةٍ على ستيلاتور عرضة لزيادة التكاليف المطلوبة، إضافةً لزيادة احتمال حدوث التأخير في إنجاز المشروع.
  • جهاز W7-X: تم تصنيع هذا الجهاز في أحد الفروع التابعة لمعهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما. يمكن اعتبار هذا الجهاز بمثابة نسخةٍ مطوّرةٍ من ستيلاتور حيث تم فيها استدراك العديد من المشاكل والثغرات، ولكنّه لا يزال يواجه بعض الثغرات التي تجعل توكاماك الأفضل حتى الآن.4

من المتوقّع أن تطلق شركة Iter أو Demo أول محطة كهربائية مغذاة بمفاعل توكاماك بحلول عام 2030، والأبحاث مستمرةٌ لإيجاد سبيلٍ لجعل الاختراع قيد التنفيذ عالميًّا بحلول منتصف القرن نفسه، ومن المتوقّع أيضًا أن يشهد الربع الأخير من 2030 فجر انطلاق عصر التوكاماك كمصدرٍ نظيفٍ للطاقة الكهربائية.

لكن التجارب على W7-X واعدةٌ جدًا، ويمكن – في حال تمكّن مخترعوه من إنتاج طاقة مماثلة لتلك المصنّعة في جهاز توكاماك من نفس الحجم – أن يتبدّل مسار الشركات المصنّعة نحو استبدال مشروع توكاماك مع W7-X.

المراجع