لا جدال أن علم الفيزياء الكموميّة قد زاحم وفرض نفسه كمجالٍ رائدٍ ومُستقلٍ في القرن الماضي بعد أن حاز على سيطه الواسع بين أوساط العلماء والباحثين حول العالم بنظريّاته الفريده وتجاربه الغريبة. وقد هرعت الدول لتطبيق نظريّاته في صناعاتها، تحديدًا الحربيّة منها، لينجح بعضها، في السنوات القليلة الماضية، في بناء أولى الأجهزة العسكرية التي تعتمد نظريات الكمِّ كأساسٍ علميٍّ لها، وما نتحدّث عنه ليس إلّا الرادار الكمومي الفريد.

فما هو الرادار الكمومي؟ وما هي آليّة عمله؟ وما هي مهمّته ودوره العسكري الذي سُخّر لأجله؟ سنجيب عن جميع هذه الأسئلة في مقالنا هذا ونستعرض شرحًا مقتضبًا لآخر التفاصيل والمعلومات المكشوفة عنه.

تعريف الرادار الكمومي

الرادار الكمومي (بالانكليزية Quantum Radar) هو رادارٌ متطوّرٌ يتبنّى فكرة التشابك الكمومي في تحديد وكشف الأهداف الجويّة ذات تقنيّات التخفي المتطوّرة وفي أوساط التشويش المُختلفة. وعلى الرغم من أنّه لم يتم بناء رادار كمومي حقيقي كامل حتى الآن، إلّا هنالك بعض الدول قدّمت بعض النماذج الأوليّة الناجحة في الآونة الأخيرة.

يعتمد الرادار الكمومي على مفهوم التشابك الكمومي (Quantum Entanglement) في ميكانيكا الكم لتوليد حزمة الرصد المسؤولة عن كشف المقاتلات الجويّة. ولكنّ ما يُعيق بناء واحدٍ في وقتنا الحالي هو قصور العلماء عن توفير آليّة فعّالة لتوليد أزواج الفوتونات المتشابكة (أساس مفهوم التشابك الكمومي) بشكلٍ عمليٍّ وفعّال “بكبسةٍ زرٍّ” على حدٍّ تعبير العالم والباحث جوناثين باف، عضو في مؤسّسة الحوسبة الكموميّة الكنديّة الرائدة (IQC).1

سباق التسلّح بالرادار الكمومي

اصطبغ عصرنا هذا بتصادم الدول العُظمى في سباق التسلّح وتسخير العلوم والاكتشافات الحديثة في دعم ترسانتها، وما انفكّت الدول تتسابق في تسخير الذُخر العلمي الكبير للنظريات الكموميّة. وقد نجحت بعض الدول بالوصول إلى أولى الأسلحة الحربيّة الكموميّة، الرادار الكمومي.

بعد إطلاق عملاق الطيران الحربي وسيّدة التخفّي، الطائرة F-35 إلى السلاح الجوي بكُلفة تصنيعٍ تصل إلى 1.5 مليار دولار بدأت جهود الدول المتنافسة على تصنيع رادارٍ قادرٍعلى كشف هذه الطائرة، حيث فشلت معظم أجهزة الرادار التقليديّة في كشف هذه الطائرة بسبب نظام التخفّي المتطوّر لها.

أعلن باحثون من المجموعة الصينية للتكنلوجيا الإلكترونية عام 2016 عن أوّل رادار كمومي بعيد المدى قادر على إطلاق فوتونات متشابكة كموميًّا وكشف جميع الأجسام بما فيها الطائرات الشبحيّة. لتتبعها بعد ذلك كندا في إعلانها لاستثمار ما يُقارب 2.5 مليار دولار في ابتكار وصنع رادار كمومي على خلفيّة الأبحاث التي تُجريها في جامعة وايترلو.2

مبدأ عمل الرادار الكمومي

مبدأ عمل الرادار الكمومي

كما ذكرنا سابقًا فإن الرادار الكمومي يعتمد على نظريّة التشابك الكموميّة بين الفوتونات، والتي تنصُّ على أن أي تغييرٍ يحصل في أحد الفوتونات الكموميّة في أي مكانٍ وزمان يحدث في الوقت ذاته مع الفوتون الزوج المُقابل.

هنا يقوم الرادار الكمومي بإطلاق حُزمةٍ من الفوتونات المُتشابكة إلى المنطقة الهدف بعد تحويلها إلى موجةٍ مايكرويّةٍ، وعند اصطدام هذه الفوتونات بأي جسمٍ أثناء سيرها، فإن أثر التشابك الكمومي يظهر على الفوتونات المُتشابكة معها والتي يتم قياس نشاطها وترجمته إلى وجود مجسّم مجهول في مجال الرادار.

الجدير بالذكر أن أي محاولةٍ لتشويش وتحريف لموجة الرادار الكمومي ستبوء بالفشل؛ لأنها ستنعكس مباشرةً على الأزواج المُتشابكة التي لا زالت في موقع الرادار ويُكشف بذلك وجود التشويش وماهيّته. كما أن تفاعل الفوتونات المُطلقة من الرادار يختلف باختلاف طبيعة المواد التي تصطدم بها.

بمعنى آخر؛ فإن الرادار الكمومي لن يكون قادرًا على كشف الطائرات فقط، بل سيقوم بتحديد طبيعة المواد التي يتكوّن منها جسّم الطائرة وحتى المواد التي تحملها بداخلها!3

الرادار الكمومي والطائرات الشبحيّة

كما ذكرنا سابقًا فإن إطلاق طائرة F-35 الشبحيّة كان بمثابة إعلان الهزيمة الحتميّة للرادارات التقليديّة وعدم جدواها في كشف وجود هذه الطائرة. وهنا جاء ابتكار الرادار الكمومي صفعةً قويّةً للطائرات الشبحيّة ونُظم التخفّي الخاصّة بها، بسبب قدرتها على تخطّي حاجز التشويش والتخفي وعكس جميع تحرّكات هذه الطائرات ضمن المجال الجوي للرادار الكمومي.

بفضل خواص التشابك لهذه الفوتونات فإنّ أي اصطدامٍ يحصل لأحد الفوتونات المُتشابكة، بما في ذلك اصطدامها بطائرات F-35، سينعكس على الفوتون الزوج في الرادار نفسه وبدراسة التأثير الحاصل على الفوتون الأصل في مركز الرادار يتمّ بذلك الكشف عن جميع الأجسام ضمن مسار هذه الفوتونات.4

على الرغم من أن الرادار الكموميّ لم يدخل حيّز التطبيق الفعلي والمعلومات المكشوفة عنه ضحلةً حتى الآن ، وما زالت الدول تتسابق لتحصيل أوّل نظامٍ متكاملٍ له، إلّا أنّ وجوده سيشكّل حتمًا نقلةً نوعيّةً قد تغيّر من موازين القوة ومفاهيم الرصد والتخفي بشكلٍ كاملٍ.

المراجع