قال لي السير وليام كروكس ذات يوم في أواخر القرن التاسع عشر أنّهُ اكتشف أداة قادرة على قياس شدة الطاقة المُشعة. بدا الأمر جنونيًا لوهلة وخاصةً أنّهُ شرح وشرح الكثير من الأمور، وبطبيعة الحال لم أفهم الكثير منهُ لكنني سأحاول أن أشرح لك ما توصّل إليه.

يعتمد جهازهُ الراديومتر على الطاقة وأشكالها المتحولة، كالتحول من طاقة كامنة إلى طاقة حركية، وفسّر لي كيف أن الطاقة المصروفة تكون دائمًا أقل من الداخلة، والسبب في ذلك بسيط إن عرفتَ أن معظم الطاقة الخارجة لا تصرف بالكامل بالشكل المطلوب، إذ أنّ بعضًا من الطاقة الخارجة تُصرف كطاقة وبعضها الآخر يُصرف كحرارة ضائعة.

يتألف جهازهُ العجيب هذا من مروحة مؤلفة من أربع شفرات قابلة للدوران مُعلقة داخل لمبة زجاجية على ذراع قائم يمتد منهُ أذرع أفقية تحمل هذه الشفرات، وجميع هذه الأذرع عمودية على محور مركزي وتدور في المستوى الأفقي، اللمبة مسحوبٌ الهواء من داخلها بشكل جيد.

ما فاجأني هو عندما سلط ضوءًا على اللمبة، أتسألني لماذا تفاجأتُ؟ لأن الشفرات بدأت بالدوران! حقًا أنا لا أكذب! حتى أنهُ وضعها تحت ضوء الشمس فدارت ما يُقارب عدة آلاف دورة في الثانية!

هذه الشفرات ليست كبقية الشفرات التي تَعرِفُها، أحد وجهيها لامع وهو الوجه العاكس، بينما الوجه الآخر أسود وهو السطح الممتص، ووُضعتْ بحيث يكون السطح اللامع لشفرة مقابل للسطح الأسود لشفرة أخرى، وكون اللمبة مُفرّغة من الهواء بنسبة 99% هو أمرٌ ضروريٌ لمنع وجود أي عائق لحركة المراوح بحرية، ما كان يُحاول صديقي عملهُ هو إثبات أن للضوء قدرة على تطبيق قوة من خلال دفع الشفرات بعد إسقاط الضوء على السطح العاكس للشفرة، ولكن ما حدث هو عكس ما توقّع، إذ تحرّكت الشفرات بعد سقوط الضوء على الجانب المظلم من الشفرة، فعكس السطح العاكس معظم الضوء الساقط، بينما امتصه السطح الأسود مما رفع من درجة حرارته.

ترتد جزيئات الغاز المُتبقية والقادرة على الحركة بسهولة عن السطح الأسود، وبسبب سخونة السطح فإن ارتداد الجزيئات يكون أسهل من ارتدادها عن السطح اللامع، هذا الاختلاف في الارتداد بين السطحين هو ما دفع الشفرات للدوران.

الجزء الحيوي في عمل الراديومتر هو تحقيق التوازن بين ارتداد الجزيئات واحتكاكها مع سطوح الشفرات، وعندما يكون الضغط داخل اللمبة مرتفعًا، فإنّ الاحتكاك مع السطوح يكون أعظميًا، ولن تتمكن الشفرات من الدوران. وفي الضغط المنخفض، عدد الجزيئات المرتدة قليل فإذًا سيصعب عليها تدوير المروحة، ما يتطلبهُ الأمر هو ضغط مدروس ومنضبط، ويمكن الوصول إلى الضغط المناسب من خلال الدراسة المستمرة لمتغيرات الضغط ومدى التغيّر في حركة المروحة مع استمرار إسقاط الضوء.

لابد وأن يكون قد خطر في بالك السؤال التالي: في أي الاتجاهين ستدور المروحة؟ سآتيك بالجواب فقط اصبر قليلًا..

سأروي لك ما قام به السير وليام، أولًا سلّط الضوء على اللمبة، ما حدث بعد ذلك هو أنّ السطوح البيضاء للشفرات قد تحركت باتجاه الضوء، والسطوح السوداء تحركت بالاتجاه المعاكس (أي بعيدًا عن الضوء)،  وبدأت جزيئات الهواء المجاورة للسطوح الساخنة بالحركة بشكل سريع بسبب اكتسابها طاقة حركية، مصطدمةً بزاوية مائلة من على السطح الساخن وباتجاه السطح البارد.

ولتفسيرٍ أعمق، إنّ الشفرات المروحة معرضة بعد إسقاط الضوء إلى نوعين من الجسيمات، فوتونات الضوء الساقط، وجزيئات الغاز الموجود مسبقًا داخل اللمبة.

الراديومتر

  • في الجانب اللامع: تنعكس الفوتونات عن هذا السطح مع تضاعف في زخمها دون زيادة في طاقتها، ومع العلم بأنّ الشعاع الساقط يولّد ضغط ولكنه أصغريّ، فإن العلاقة بين زيادة الزخم للفوتونات الساقطة والضغط الذي يُطبقهُ الضوء علاقة متساوية.
  • في الجانب الأسود: يُمتص زخم وطاقة الفوتون، وكنتيجة لذلك بالإضافة إلى الضغط الأصغري الذي يولّدهُ الضوء فإن حرارة هذا الجانب سترتفع، مما يرفع من الطاقة الحركية لجزيئات الغاز المجاورة ويسرّع من حركتها، وعندما تصطدم جزيئات الغاز بهذا السطح الساخن، فإنّها تتلقى دفعًا أكبر من الجزيئات على الجانب اللامع وذلك لأنّ طاقتها أكبر، وبنتيجة الارتداد بسبب هذا الدفع، يتحرك الجانب الأسود بعيدًا عن الضوء.

ولأكن صادقةً معك، فإنني لم أعرف السير وليام، هذا لأنني لم أعش في الحقبة نفسها التي عاش فيها، ولكن بعد معرفتك بما أكتشفهُ، ألن تتمنى أنت أيضًا أن تكون صديقًا لهكذا شخص مبدع؟؟

أكمل القراءة

هل لديك إجابة على "ما هو الراديوميتر في الفيزياء؟"؟