لكم سمعنا من القصص ولكم شاهدنا من الأفلام الكرتونية وحتى الوثائقية التي صوّرت لنا  الديناصورات وحقيقة أنّها استعمرت الأرض في حقبةٍ من حِقَب التاريخ القديم، ولابُدَّ أن تلك الحقيقة قد أشعلت فضول الكثيرين منَّا لمعرفة المزيد والغوص في تفاصيل الحياة في ذلك العصر، الذي سمّاه العلماء بـ العصر الجوراسي.

فما هو العصر الجوراسي بالضبط؟ ومتى بدأ وانتهى؟ وإلى أي مدى تنوّعت أشكال الحياة فيه؟ سنجيب عن كلِّ هذه التساؤلات ونضيف شرحًا مستفيضًا عن تفاصيل العصر الجوراسي، وسنستعرض أشكال الحياة المتنوّعة التي استعمرت الأرض في تلك الحِقبة.

العصر الجوراسي

العصر الجوراسي (بالانكليزية Jurassic Period) وهو ثاني عصور حقبة الحياة الوسطى (أو ما يُعرف بالميزوزوي أو الميسوزوي)، وقد امتدّ بين عامي 201.3 مليون سنة و145 مليون سنة مضت. وتلا العصر الجوراسي العصر الترياسي مباشرةً، والذي بدأ منذ 251.9 مليون سنة. في حين تُبع العصر الجوراسي بالعصر الطباشيري (الذي امتدّ بين 145 مليون سنة و66 مليون سنة مضت).

اصطبغت فترة العصر الجوراسي بالعديد من التغيّرات العالميّة على مستوى القارّات والمحيطات، بالإضافة إلى ظهور أنظمةٍ بيلوجيةٍ جديدةٍ واختفاء زُمرٍ عديدةٍ أخرى. والجدير بالذكر أن المراحل الأولى من العصر الجوراسي حملت معها أكبر الكوارث الطبيعيّة التي بالكاد نجت منها الفصائل النباتيّة والحيوانية من انقراضٍ جماعيٍّ وشيك.

كما تميّز العصر الجوراسي بالظهور الأوّل للعديد من الكائنات الفقارية واللافقارية التي تعيش في عصرنا الحالي، بالإضافة إلى أنّ أوّل ظهورٍ للعصافير التي نعرفها اليوم كان في العصر الجوراسي أيضًا.1

الجغرافيا والمناخ في العصر الجوارسي

العصر الجوراسي

أعلن العَصر الجوراسي مع بدايته حدوث تغيّراتٍ جغرافيّةٍ ومناخيّةٍ كبيرةٍ، فقد انفصلت قارّة بانجيا العظمى إلى أجزاء شتّى. أما الجُزء الشمالي، المعروف بلورانتيا (Laurentia)، فقد انفصل ليشكّل فيما بعد  قارّة أميريكا الشمالية وأوراسيا (المنطقة الواصلة بين أوروبا وآسيا). في حين انزاح الجزُء الجنوبي، غونداوا (Gondwana)، إلى الشرق ليشكّل القارة القطبية الجنوبية والهند وأستراليا. أما قارّة أمريكا الجنوبية وافريقيا فقد تشكّلت من الجُزء المنفصل الغربي.

هذه الانفصالات والتغيّرات الجوهريّة في جغرافيّة الأرض في العصر الجوراسي بالإضافة إلى المناخ الذي غلب عليه طابع الدفء، كل ذلك سمح بتنوّع أشكال الحياة بشكلٍ كبيرٍ في ذلك العصر.2

أشكال الحياة في العصر الجوراسي

في الواقع لعب فلم العصر الجواسي (Jurassic Park) دورًا هامًا في التعريف بمعالم وتفاصيل العَصر الجوراسي، وأصبح معروفًا لدى الكثيرين أكثر من أي حقبةٍ زمنيّةٍ أخرى، حيث أطلق عليه عصر الديناصورات، نسبةً إلى الديناصورات التي سيطرت على سلاسل النظم الغذائية في ذلك العصر.

وفيما يلي سنذكر أشكال الحياة المختلفة التي تميّز بها العصر الجوراسي:

  • الديناصورات
العصر الجوراسي

في الواقع سادت الزواحف وتربّعت على عرش الهرم الغذائي في العصر الجوراسي وتمكّنت من تجاوز العقبات المناخيّة والبيئيّة الهائلة في ذلك العصر، وكان لطبيعتها المكوّنة من الهياكل العظمية المتينة والمدعومة بنظامٍ عضليٍّ متطوّرٍ دورًا بارزًا في دعم حركتها وزيادة مقاومتها للظروف المناخيّة الصعبة التي عصفت بذلك العصر.

وتُعتبر بعض أنواع الديناصورات التي عجّ بها العصر الجوراسي (كديناصور الصوروبودا Sauropods والكارنوصوريَّات Carnotaurus) من أكبر الحيوانات التي وطأت سطح الأرض على الإطلاق.

تميّزت ديناصورات الصوروبودا العشبية بحجمها الكبير الشبيه بالزواحف وبأطرافها الأربع الكبيرة، بالإضافة إلى عنقها الطويل وذيلها الطويل الذي يقوم بمهمّة الموازنة. بلغ طول بعض أنواع الصوروبودا ما يزيد على 100 قدم ووزن يتعدّى الـ100 طن، لتحتل بذلك المرتبة الأولى كأكبر الحيوانات البريّة التي عاشت على سطح الأرض على الإطلاق.

وبالمقابل ظهرت ديناصورات الكارنيصوريا اللاحمة كأحد المفترسات الأكبر التي تربّعت على سلسلة النظام الغذائي آنذاك. واعتمد نظام حركتها الفريد على الأرجل الخلفية الطويلة والقويّة والتي أمّنت لها دفعًا وسرعةً كبيرةً مقارنةً مع حجمها الكبير.

  • الحياة النباتية

حمل العصر الجوراسي معه، بالإضافة إلى الأشكال الحيوانيّة الجديدة، الكثير من الأصناف النباتيّة. هذه الأصناف تطوّرت في الواقع من أصناف الحزازيّات والأشنّات والطحالب القصيرة التي سبقتها في العصر الترياسي والتي كانت تفتقر إلى وجود أليافٍ نباتيّةٍ وعائيةٍ لنقل الأغذية بعملية النتح إلى الأغصان البعيدة، لذلك كانت تلك النباتات في معظمها صغيرة وقصيرة.

تطوّرت نباتات السراخس وأشجار الجِنكة وسادت في معظم الأوساط البيئية مع بداية العصر الجوراسي، وتميّزت هذه النباتات بظهور جذورٍ ونظام نقلٍ وعائيٍّ خاصٍّ بها، بالإضافة إلى تطوّر نظام التكاثر البوغي فيها.

والجدير بالذكر أنّ المراحل اللاحقة في العصر الجوراسي حملت معها الظهور الأوّل لنمط تكاثرٍ جديدٍ للنباتات عاريات البذور، مخروطيّة الشكل، كأشجار الصنوبر، والذي اعتمد على حمل الرياح لغبار الطلع (الأبواغ) إلى مناطقٍ بعيدةٍ عن المنطقة الأصل، هذا في الواقع أدّى مع الوقت إلى الانتشار الواسع للنباتات عاريات البذور. في حين أن النباتات الزهرية تأخّرت في الظهور إلى العصر الطباشيري.3

  • الثديّات الأوّليّة
العصر الجوراسي

على الرغم من أن الديناصورات كانت هي الحاكمة في العصر الجوراسي، إلّا أنّهم لم تكن الكائنات الوحيدة آنذاك. فقد تبيّن وجود عدّة أنواعٍ وأصنافٍ من الثديّات في ذلك العصر، ولكنّها اقتصرت على الحيوانات العاشبة والقارضة صغيرة الحجم، بالتالي لم تكن ندًّا للديناصورات.

ويُعتبر حيوان الأديلوبازيلوس (Adelobasileus) الشبيه بالفأر ذو العظام الفكية والهيكلية المميّزة للثديّات أحد الثديّات الأولية التي عايشت العصر الجوراسي قديمًا. كما أعلن العلماء في الصين عام 2011 عن اكتشاف عظام أحد أصناف الثديّات التي تعود إلى العصر الجوراسي وأطلقوا عليه اسم حيوان الجورماي (Juramaia). وهذا يثبت في الواقع أن الثديّات الأوليّة تطوّرت بشكلٍ مبكّرٍ أكثر مما نعتقد.

  • الحياة البحريّة
العصر الجوراسي

لم يقتصر التنوّع الكبير على الحيوانات البريّة فقط بل تميّز نظام الحياة البحري بوجود أصنافٍ لا تُحصى من أشكال الحياة البحرية. ولعلّ أبرز الحيوانات البحرية كان البليزيوسور (Plesiosaurs) اللاحم القريب لشكل الزواحف، والذي يُتعبر من أكبر الحيوانات اللاحمة البحرية في العَصر الجوراسي. كما أن حيوان الأكثيوسور (Ichthyosaurus) كان واسع الانتشار في بداية العصر الجوراسي وكان أشبه إلى شكل السمكة منه إلى الزواحف.4

المراجع