ما هو العلاج السلوكي المعرفي

الموسوعة » علم نفس » ما هو العلاج السلوكي المعرفي

لغالبية القرن العشرين، كان النمط السائد من العلاج النفسي هو باستخدام التحليل النفسي أو Psychoanalysis. هذا الأسلوب استوجب زيارة معالجٍ فيزيائيٍّ عدة مراتٍ في الأسبوع، وغالبًا ما كان يمتد ذلك لأعوامٍ. ولكن خلال سبعينات القرن الماضي ظهرت العديد من أساليب العلاج النفسي الأخرى، وكانت مدة العلاج في أغلبها قصيرةً لا تتجاوز الأسابيع أو الأشهر، ومنها العلاج السلوكي المعرفي (CBT).

في العام 1979، نشرت مجلة Times تقريرًا ذكرت فيه أن هناك أكثر من 200 أسلوبٍ مختلفٍ للعلاج النفسي. وحتى العام 2010، يعتقد أن هذا العدد نما حتى 400 أو 500. إلا أن القليل من أساليب العلاج هذه يمكن مقارنتها من ناحية النجاعة والفعالية بأسلوب العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive-Behavioral Therapy/CBT)، في حل المشاكل التي يسعى معظم المرضى أو العملاء في العادة للتعامل معها مثل الاكتئاب، واضطراب الهلع، والفوبيا والمشاكل المقترنة بالتوتر.

هذه النتيجة تدعمها أكثر من 375 دراسةً سريريةً أجريت منذ عام 1977، وتثبتها كتيبات إرشادات العلاج العالمية التي تم وضعها وفقًا لأعمال نخبة من الخبراء في هذا المجال. فمثلًا، المنظمة العالمية للصحة النفسية NIMH في الولايات المتحدة والمعهد الوطني للصحة والعلاج NICE في المملكة البريطانية، كلاهما يوصيان باستخدام CBT أو العلاج المعرفي السلوكي كحلٍ أول عند التعامل مع حالات الهلع والاكتئاب.

أثبت العلاج السلوكي المعرفي فعاليته على جميع الأعمار من الصغر وحتى الشيخوخة، كما أثبت فعاليته على الأفراد باختلاف خلفياتهم العلمية والاقتصادية، وفي حالات جلسات العلاج الفردية أو الجماعية.

مفهوم العلاج السلوكي المعرفي CBT

أسلوب العلاج المعرفي السلوكي يهدف إلى تخفيف الخلل والتوتر النفسي عبر استكشاف ومواجهة الآلية التي يساهم بها إقحام الفرد لأفكاره، ومشاعره، وسلوكياته ضمن المشكلة الحاضرة في تفاقمها.

تعد هذه الافتراضات الثلاثة أساسًا لعملية العلاج بأسلوب CBT:

  1. التفكير (الإدراك) يتواسط بين المشاعر والسلوكيات.
  2. الإدراك الخاطئ يؤدي إلى خللٍ وتوترٍ نفسيٍّ.
  3. يتم تخفيف أثر التوتر والخلل النفسي عن طريق تعديل الإدراك والسلوكيات.

بالتالي؛ يسعى CBT إلى تعديل واستبدال بعض الأفكار، والمشاعر، والسلوكيات المشوهة بأخرى مقومة إيجابية مما يؤدي إلى تخفيف أثر، وحتى معالجة المشاكل النفسية القائمة.

كمثالٍ؛ تخيل أن شخصًا يخاف من الكلاب يمشي في الطريق، ومن ثم رأى كلبًا أليفًا برفقة صاحبه. سيتوقع أنه سيشعر بالخوف، ويظن أو يتخيل أن الكلب سيعضه، وبالتالي سيركض أو يتجنب الكلب. في حين أننا لو تخيلنا شخصًا آخر يحب الكلاب، فإن أفكاره ومشاعره وسلوكياته ستأخذ منحىً آخر.§.

عملية العلاج في CBT

يتم تطبيق هذه العملية على ثلاثة مستوياتٍ أو مراحلَ هي التقييم الأولي، التدخل والتقييم النهائي. التقييم الأولي يستكشف فيه المعالج مع الفرد كيفية مساهمة أفكاره، ومشاعره، وسلوكياته في المشكلة من حيث تواتر الحدوث، الشدة والمدة. عادةً ما يتم استخدام نموذج A-B-C في عملية التقييم المبدئي، حيث يطلب المعالج من الفرد اكتشاف (A-Activating Event) الحدث المحرض، (B-Belief System) ما يؤمن به الفرد أو موقفه من الحدث، و(C-Consequence) العاقبة على كلٍّ من ردي الفعل الحسي والسلوكي.

مرحلة التقييم المبدئي تحدد أيضًا آلية التدخل التي سيتم اختيارها للتعامل مع الفرد وفقًا للأفكار، والمشاعر، أو السلوكيات التي يجب تغييرها. تشمل آليات التدخل هذه، كمثالٍ، إعادة الترتيب السلوكي، وتقنيات الاسترخاء، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتدريبات على التعبير عن الذات وحل المشكلات، ومسح المشاعر الممنهج، والتدعيم والنمذجة والتمثيل…إلخ.

مرحلة التقييم النهائي تمثل فرصةً لدراسة التغيرات التي طرأت على شخصية الفرد من ناحية الحدة، والتكرار، ومدى التفكير، في كلٍّ من مشاعر وسلوكيات الفرد، كما وتدرس حجم التأثير الذي تركه العلاج من ناحية المشاكل التي طرحها الفرد.

حتى تكون عملية العلاج المعرفي السلوكي فعالةً، يجب على الفرد المعالَج أن يكون منفتحًا على فكرة مناقشة أفكاره ومشاعره، وما يؤمن به وسلوكياته، وأن يشارك في التمارين خلال الجلسات. كما يجب على الفرد أن يؤدي وظائفه المنزلية التي يطلبها منه المعالج لتحقيق الفائدة المرجوة من العلاج.

الحالات التي يعالجها العلاج السلوكي المعرفي

يعد أسلوب CBT أسلوبًا ناجحًا في العديد من الحالات النفسية، ومنها:

  • اضطرابات المزاج: كالاكتئاب، والاضطراب ثنائي القطب.
  • اضطرابات التوتر: كما في حالات الفوبيا (الخوف من الحيوانات، أو الأماكن المرتفعة، أو الأماكن المغلقة)، واضطرابات الهلع والفوبيا الاجتماعية (الاضطراب والتوتر الاجتماعي)، واضطراب التوتر العام، والوسواس القهري واضطرابات ما بعد الصدمة.
  • الشره المرضي: واضطرابات عادات الأكل الأخرى.
  • الاضطرابات الناجمة عن الاستخدام المفرط للأدوية، أو المخدرات، أو الإدمان.

كما يفيد أسلوب CBT في التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من حالات:

  • الذهان.
  • العادات المتكررة كشد الشعر وأكل الأظافر.
  • مشاكل العلاقات الزوجية.
  • اضطراب النوم.
  • متلازمة التعب المزمن.
  • الألم المزمن.
  • المشاكل الشخصية العالقة.

يختلف أسلوب التعامل مع كل مشكلةٍ لوحدها، إلا أن إطار المعالجة باستخدام الأسلوب المذكور سابقًا يبقى ذاته.

لماذا أثبت أسلوب العلاج المعرفي السلوكي نجاحه

هناك عدة عواملَ وراء ذلك:

  • لكونه يركز على المشكلة والهدف بشكلٍ أساسيٍّ.
  • يعتمد على استراتيجيات ومهارات مثبت نجاحها.
  • يحفز على إنشاء علاقةٍ بناءة بين المعالج والعميل.§.

حدود أسلوب العلاج السلوكي المعرفي

  1. كونه يركز على العميل بمعزلٍ عن عوامل الواقع السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية التي قد تزيد من تفاقم المشكلة، ولا يستطيع المعالج التأثير عليها.
  2. يتطلب نجاح العلاج تفاعل العميل مع المعالج، والذي قد يكون صعبًا في بعض الحالات والمجالات. في بعض الأحيان قد يرفض العميل الاعتراف بوجود مشكلةٍ حتى.
  3. يركز العلاج على الواقع الآني، وبالتالي قد يفشل في التعامل مع الصعوبات القائمة أو المنبثقة التي قد تكون تغذي المشكلة.
  4. قد ينظر إلى العلاج السلوكي المعرفي على أنه يضعف موقف العميل، ويخضعه لهوى المعالج إلى درجةٍ ما.§.

منع الانتكاس

كما قلنا من قبل، إن عملية العلاج ومدة الجلسات محدودة، إلا أن عدد الجلسات بين المعالج والعميل من الممكن زيادته وفقًا لحالة العميل، وطبيعتها، وتطورها مع الزمن. إن العلاج مصممٌ لمنع حالة الانتكاس، والغاية منه هو تجهيز العميل بأساليبَ تمكنه من التعامل مع المشكلة بنفسه. فيجب على المعالج عدم ترك العميل إلا عندما يتأكد من قدرته على تحمل أعباء المشكلة لوحده، أو نزولًا على رغبة العميل نفسها.§.

1٬584 مشاهدة