مُذ خرجت نظريّة التطوّر إلى الملأ في الرُّبع الأخير من القرن التاسع عشر والجدل لا يزال يدور حولها، فقد طرح علم الأحياء التطوري مفاهيمًا جديدةً اصطدمت مع ما هو معروفٌ ومعهودٌ بين الأوساط العلميّة ليفرض بذلك نفسه مجالًا مُستقلًا وفِرعًا علميًّا مُتميّزًا له جَمهرته الخاصّة من العلماء والباحثين.

ولكن ما هو علم الأحياء التطوري بالضبط؟ وما هي نظريّاته؟ ولِم لا زالت مُعظم فروعه مُقوقعةً حتى الآن في إطار العلوم النظرية؟ وهل له تطبيقاتٌ عمليّةٌ على أرض الواقع؟

في مقالنا هذا سنجيب عن جُلِّ هذه التساؤلات ونستعرض تفاصيل علم الأحياء التطوري ونظريّاته الأخيرة ومجالاته التطبيقيّة على الأصعدة المُختلفة.

تعريف علم الأحياء التطوري

علم الأحياء التطوري (Evolutionary biology) وهو أحد الفروع النظرية لعلم الأحياء (Biology) والذي يهتم بدراسة عمليّات التطوّر (الاصطفاء الطبيعي والإنتِواع speciation، والذي يعني تشكّلًا تطوّريًّا لنوعٍ جديدٍ) المسؤولة عن التنوّع الحيوي الكبير على سطح الأرض.

ويُعرّف التطوّر الحيوي بأنّه التغيّر الجيني الذي يطرأ على فَصيلٍ مُعيّنٍ وينتقل عبر عدّة أجيال. هذه التغيّرات قد تكون كبيرةً أو صغيرةً وقد تكون دقيقةً جدًّا لا يُمكن مُلاحظتها أو ظاهرةً جليّةً في الكائن. ولكن لا بُد أن يحدث هنالك تغييرٌ على مستوى جينات فصيلة كاملة وأن يتمَّ نقل هذه الجينات المُعدّلة إلى الأجيال التالية.1

موجز عن تاريخ علم الأحياء التطوري

يُعتبر تشارلز داروين الأب الروحي ومؤسّس المفهوم الحديث لنظريّة التطوّر، وقد أطلق أولى مؤلّفاته ” أصل الأنواع” عام 1859 وحاز على اهتمام الأوساط العلميّة بشكلٍ كبيرٍ لدرجة أن أولّ طبعةٍ منه بِيعت بالكامل في اليوم الأوّل من إصداره.

كما ويُعتبر عالم الطبيعة هيربيرت سبينسر من المساهمين البارزين في علم الأحياء التطوري ونظريّاته، ولكنّه اصطدم في كثيرٍ من أفكاره مع نظريّة داروون حول الاصطفاء الطبيعي للكائنات.

كان لنظريّة داروون التطوّرية نقاط ضعفٍ كثيرة، إحدى تلك النقاط كانت عن كيفيّة حدوث التطوّر بالضبط وأصله الأوّلي. وقد واجه دارووين صعوبةً في تفسير كيفية ظهور التغييرات التطوّريّة التي تطرأ على بعض أفراد النوع الواحد دون أخرى، وكيف يتمُّ توريث تِلك الصفات إلى الجيل التالي.

ظلّت حلقات الضعف هذه مُسيطرةً على نظريّة دارووين إلى أن قام العالم غريغور مانديلا بنشر ورقته البحثيّة عام 1866 والتي تضمّنت المبادئ الأساسيّة لنظريّة التوريث، ودُعيت لاحقًا بالوراثة الماندليّة وفسّرت العديد من النقاط المُبهمة في نظريّة دارووين.2

ما لا يُطلق عليه تطوّرًا

في الواقع إن الفهم السائد لمُصطلح التطوّر في وقتنا الحاضر ضحلٌ نسبيًّا، لأنه يصف التغييرات التي تطرأ على الأنواع عبر الزمن، كفقدان أو زيادة الوزن وكِبر الحجم، على أنّها تطوّرٌ، وهذا في الواقع بعيدٌ عن الصحّة، فلا يمكن أن نقول عن أي تغييرٍ يحدث للكائن تطوّرًا ولو تعاقبت هذه التغييرات عبر الأجيال.

هذه التغييرات السطحيّة التي ذكرناها ليست تطوّرًا لسببٍ بسيطٍ وهي أنّها لا تُعتبر تغيّراتٍ جينيّةً ولا يتمُّ توريثها ونقلها جينيًّا عبر الحمض النووي للكائن إلى الجيل القادم، بل تقوم البيئة المُحيطة بتكرار الصفة نفسها عبر الأجيال.

 كما في حال وِفرة الطعام فإن الصِنف المُستفيد يبدأ وزنه أو حجمه بالازدياد لأجيالٍ قادمةٍ مع استمرار هذه الوِفرة ودون أن تورث هذه الصفة توريثًا إلى الأبناء، وفي حال عاد القحط أو توقّفت مصادر الغذاء الفائضة عندها سيعود الصِنف إلى أصله الأوّل، بالتالي لا يمكن القول عن هذا التغيير أنّه تطوّرٌ لأنه مؤقتٌ ومرهونٌ بوجود عواملَ بيئيّةٍ.

مفهوم التطوّر ضمن إطار النظريات

كما ذكرنا سابقًا فإن المفهوم الحديث في علم الأحياء التطوري مبنيٌّ على نظريّة التطوّر الخاصّة بتشارلز دارووين، والتي تقدّم توقّعات وتفسيرات للظواهر الطبيعية المُختلفة معتمدةً على المُلاحظة.

وتميل نظريّة التطوّر إلى أن تكون نظريّةً علميّةً، حيث أن مفهوم النظريّة العلميّة يختلف عن مفهوم النظريّة الصرف، والذي يُشير إلى تكّهنٍ أو تخمينٍ لحادثّةٍ ما. في حين أن النظريّة العلميّة الجيّدة، تكون قابلةً للتجربة والتأكيد ودعم أو ضحد صحّتها عبر التجارب والاختبارات.3

تطبيقات علم الأحياء التطوري

الطِبّ التطوّري

مجال “الطب التطوري” الحديث مُشتقٌّ من علم الأحياء التطوري ويطرح مفاهيمًا جديدةً في عالم الطب، ويفترض أن فهمنا لماضينا التطوّري سيساعدنا على التحليل والتعمّق في أسباب الأمراض الشائعة المُستعصيّة في وقتنا الحاضر.

يقترح الطب التطوري على سبيل المثال أن الأمراض المُزمنة الحاليّة كمرض السكري والربو يمثّلان سوء تطابقٍ بين تكيّف أسلافنا مع بيئاتهم وبين العناصر المُحيطة في عصرنا. كما ويقترح الطب التطوري طرقًا مُبتكرةً لإبطاء عمليّة المُقاومة التي تطوّرها بعض الجراثيم تجاه بعض الأدوية.

تأمين السلّة الغذائيّة العالميّة

مع تزايد أعداد البشر على سطح الأرض أصبحت الأراضي الزراعيّة تقع تحت ضغطٍ إنتاجيٍّ كبيرٍ لاسيّما مع تطوّر آفاتٍ زراعيّةٍ جديدةٍ. وهنا لعب علم الأحياء التطوري دورًا بارزًا في فهم آليّة تطوّر هذه الآفات وكبح جماح الأذى الذي تُلحقه بالمحاصيل.

وقد بيّنت أبحاث أن السبب في تطوّر الآفات الزراعيّة يعود إلى تركيز المُزارعين على المحاصيل المُعدّلة جينيًّا وغياب التنوّع الطبيعي للمحاصيل. لذا فقد وُجد أن التنوّع في أصناف وأنواع المحاصيل والحيوانات على حدٍّ سواء ساهم وبشكلٍ كبيرٍ في الحد من تطوّر جينات وعوامل مرضيّة اجتياحيّة جديدة.

الحفاظ على التنوّع الحيوي

إن مبادئ علم الأحياء التطوري تُسلّط الضوء أيضًا على أساليب تحديد أصل أنواع الكائنات الغازية، وهي الكائنات التي لا تنتمي إلى وسطٍ بيئيٍّ معيّنٍ ووصلت بشكلٍ خاطئٍ، وغالبًا ما تسبّبُ أضرارًا جسيمةً للعناصر الطبيعيّة المُختلفة في تِلك البيئة، كما وتقدّم حلولًا ناجعةً لمجابهتها.4

على الرغم من أن علم الأحياء التطوري لا زال في مَحضر الفروع العلميّة النظريّة، إلّا أن فهمنا له سيفتح لنا آفاقًا مُستقبليّةً واعدةً من شأنها أن تدفع عجلة تطوّر البشريّة قُدمًا.

المراجع