يعود تاريخ أعواد الثقاب (كبريت الأمان) إلى حقب قديمة جدًا، فوفقًا لما جاء في كتاب “اكتشافات واختراعات أمريكية” لروندي كارليزل (Rodney P Carlisle) ومجلة الثقافة الكيميائية العدد 18 عن تاريخ صناعة أعواد الثقاب (الجزء الأول)، فإن أعواد الثقاب التي تعتمد على السلفور (Sulfur) مذكورة في كتب قديمة تعود لعام 1200م، إلا أن التاريخ الحقيقي لأعواد الثقاب المعتمدة على مبدأ الاحتكاك يعود إلى بداية القرن التاسع، حيث أن أول من قام بتصنيعها هو عالم الكيمياء البريطاني جون ووكر (John Walker).

ففي عام 1826 صنع ووكر أعواد الثقاب التي احتوت في تركيبها الكيميائي خليطًا من كلور البوتاسيوم وثلاثي كبريتات الأنتيمون Sb₂(SO₄)₃، وعلكة ونشاء. والذي كان يشتعل فور احتكاكه بورق الصنفرة أو ورق الرمل (sandpaper). إلا أن تلك الأعواد لم يكن يُعتمد عليها، فتارة ما تشتعل وتارة ما تفشل في الاشتعال.

وفي عام 1830 قدم الكيميائي الفرنسي شارلز سوريا (Charles Sauria) للعالم أول عود ثقاب يعتمد على الفوسفور. حيث استبدل ثلاثي كبريتات الأنتيمون بالفوسفور الأبيض. والذي أدى إلى الحصول على عملية اشتعال سهلة.

وبالرغم من هذا الانجاز ودخول أعواد الثقاب المعتمدة على الفوسفور الأبيض مجال التصنيع لعقود، إلا أن سمّية هذه المادة لم تعد بالأمر المسكوت عنه، وخصوصًا بالنسبة للعاملين على تصنيع أعواد الثقاب تلك. حيث أن التعرض المستمر للفوسفور الأبيض أدى إلى مرض تنخر الفك، وهو مرض تصاب فيه اللثة بالتورم، ويرافقه شعور بالألم في الأسنان وينتهي بإصابة الدماغ. ولم يكن هناك من علاج ممكن في ذلك الوقت سوى إستئصال الفك. ولذا صدر القرار في عام 1906 بمنع استخدام الفوسفور الأبيض بشكل كامل.

إلا أن العلماء كانوا ييحثون عن البدائل قبل قرار الحظر بفترة طويلة. ففي عام 1945 اكتشف أحد العلماء أن تعريض الفوسفور الأبيض لأشعة الشمس يؤدي إلى تحوله إلى الفوسفور الأحمر (red phosphorus)، وهو مادة عديمة السميّة. وعلى الرغم من هذا بقي استعمال الفوسفور الأبيض حتى عام 1906، ليستبدل بعدها بالفوسفور الأحمر مباشرة.

وعلى الرغم من هذا فقد اختلف مبدأ أعواد الثقاب في أيامنا هذه قليلًا. فالفوسفور الأحمر لم يعد موجودًا في رأس عود الثقاب، وإنما يقتصر وجوده على جانب العلبة المعد للاحتكاك مع العود.

إذن فماذا يحتوي رأس العود الذي كنا نستخدمه صغارًا؟

يحتوي رأس عود الكبريت على كلوريد البوتاسيوم KClO وهو المادة الفعالة في الكثير من الصناعات، كصناعة المتفجرات والورق، كما يحتوي على السلفور وبودرة الزجاج وبعض الملونات بالإضافة إلى الصمغ والنشاء. أما بالنسبة للجانب المعد للاحتكاك فيحتوي بالإضافة إلى الفوسفور الأحمر، بودرة الزجاج أو السيليكا (الرمل)، بالإضافة إلى مواد أخرى مساعدة.

عندما يحدث الاحتكاك بين رأس العود وجانب العلبة المطلي بالفوسفور الأحمر، تحتك بودرة الزجاج من الطرفين مع بعضها مولدة حرارة تؤدي إلى تحول جزء صغير من الفوسفور الأحمر إلى فوسفور أبيض على شكل بخار يفكك كلوريد البوتاسيوم في رأس العود، محررًا الأوكسجين منه. وهنا يحترق السلفور حارقًا معه الجزء الخشبي من العود، والذي يُغطى بطبقة من شمع البرافين، مما يعطي اشتعالًا أقوى حتى يحترق باقي العود.

كما أن الخشب الذي يُصنع منه العود خاص أيضًا. فهو مغطس بمحلول فوسفات الأمونيوم الذي يساعد على منع استمرار توهج العود بعد اكتمال احتراقه.

وكما ذكرنا عن وجود الملونات في رأس العود، حيث أن كلوريد البوتاسيوم أبيض اللون، إلا أن الملونات تضاف لتمييز رأس العود.

إلا أن هناك أنواعًا أخرى من أعواد الثقاب غير أعواد الثقاب الآمنة (safety matches) آنفة الذكر، وهي أعواد ثقاب قابلة للاحتكاك في أي مكان وتسمى (strike anywhere matches) كالتي رأيناها في إحدى حلقات مسلسل توم وجيري الشهير، وبما أنها تشتعل بمجرد الاحتكاك بأي سطح، فلا حاجة للفوسفور الأحمر في تركيبها. وإنما ثلاثي كبريتيد رباعي الفوسفور (PS phosphorus sesquisulfide).

أكمل القراءة

كبريت الامان هو الاسم غير الشائع لأعواد الثقاب أو بالعامية “عود الكبريت” ولهذه التسمية قصة خاصة بها تعود لسبب اختراع أعواد الثقاب في المقام الأول، حيث كان اكتشاف النار أحد أساسيات التاريخ الحديث للبشرية وشكلت حافزاً لتوسع أسلافنا القدماء خارج حدود القارّة الأفريقية، وأعطت القدرة على البقاء ومقاومة الظروف القاسية بالإضافة لتجهيز وطهو الطعام ومنها لتغيير شكل البيئة التي نعيش فيها جذرياً.

ومع مرور بعضة آلاف من السنين بدأت البشرية في تطوير الأدوات المتقدمة وتشكيل حضارات اعتمادا على النار كأساس لها ومع ذلك كان التطور في هذا المجال بطيئاً ويعتمد على الظروف البيئية كالأمطار والرياح وبسبب هذه العقبات حاول الكيميائيين والعلماء من جميع الحضارات كحضارة بلاد ما بين النهرين والمصريون القدماء واليونانيون والهنود إيجاد حلول لجعل إشعال النار أمراً سهلا وفي متناول اليد في أي مكان.

وبسبب معرفتهم الضيقة بأمور الكيمياء كانت جهودهم كلها غير مثمرة حتى جاء القرن الخامس ميلادي في الصين وظهرت معه أول محاولة ناجحة في السيطرة على إشعال النار من خلال استخدام عصي مصنوعة من الخشب الجاف سريع الاحتراق ومغلف بالكبريت كمحفز على الاشتعال المعروفة باسم كبريت الامان. وبحلول عام 900 ميلادي، أصبح يمكن العثور على أعواد بطول الإنش مغلفة بالكبريت أطلق عليها اسم “fire inch-sticks” في أنحاء الصين كلها، ومع ذلك لم تكن أعواد الثقاب ذاتية الاشتعال قد وجدت بعد.كبريت الامان

واستمر الوضع على ما هو عليه لمدة 1000 عام، حتى أسس الخيميائي هينيغ براند “Hennig Brandt” أساس أعواد الثقاب الحديثة وخفيفة الوزن في النصف الثاني من القرن السابع عشر، حيث كان في طريقه لتحقيق حلم حياته بصناعة الذهب من المعادن الأخرى فتمكن من استخراج الفوسفور النقي واختبر خصائصه التي منها ما كان مثيراً للاهتمام كقابليته للاشتعال بسرعة وسهولة، وبالرغم من أنه لم يبدِ للفوسفور أي اهتمام في تجاربه إلا أن ملاحظاته وتجاربه كانت تعد نقطة انطلاق مهمة للأجيال اللاحقة من الكيميائيين.

فتم إنشاء أول عود ثقاب في عام 1805 بواسطة جان شانسل “Jean Chancel” في مدينة باريس ولا يشابه عود الثقاب الخام هذا أعواد الثقاب الحديثة بشيء، فبدلاً من استخدامه للفوسفور قرر شانسل طلاء الأعواد الخشبية بكلورات البوتاسيوم والسكر والكبريت وحتى المطاط ومن ثم غمسها في زجاجة مضادة للحرارة صغيرة مملوءة بحمض الكبريت، ولكن التماس بين المزيج المطلي على العصا مع حمض الكبريت الموجود في الزجاجة كان يؤدي إلى انطلاق أبخرة سامة بالإضافة إلى اشتعال النار فقوبل اختراعه بالرفض بسبب خطره.

ومع ظهور الكيمياء الحديثة، أصبح شيئًا عاديًا أن نرى الولاعة الأولى قد تم تصنيعها من قبل أول عود ثقاب يعمل بالاحتكاك، حيث صمم الكيميائي الألماني الشهير يوهان فولفغانغ دوبرينير “مصباح Döbereiner” في عام 1823، والذي اعتمد فيه تفاعلًا كيميائيًا بسيطا بين الزنك وحمض الكبريتيك وذلك لإنتاج غاز الهيدروجين المعروف بأنه شديد الاشتعال.

لكن بالرغم من أن هذا الاختراع كان رائعًا في وقتها واعتبر محفز للعديد من المخترعين الآخرين على البدء في العمل على تصميمات أخف وأكثر أمانا وسهولة، وهنا عام 1826 أتى ليقدم أول عود ثقاب يعمل بالاحتكاك من قبل الكيميائي الإنكليزي جون ووكر الذي نجح في تغيير الطريقة التي نشعل بها النار تماماً. مما أدى في النهاية إلى ظهور أعواد ثقاب الفوسفور الأبيض التي أنشأها الفرنسي تشارلز سوريا.

كبريت الامان

لكن تم حظرها لأن الفوسفور الأبيض له خصائص سامة. في النهاية وجدت أعواد الثقاب النهائية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر على يد الكيميائي السويدي جوستاف إريك باش حيث قام بتصميم “كبريت الأمان” عن طريق نقل الفوسفور من العود نفسها إلى سطح الاحتكاك، مما أتاح إنشاء أعواد أكثر أمانًا وأسهل استخدامًا وأرخص تكلفة. وحظي اختراعه بشعبية كبيرة خصوصاً عند المخترع السويدي جون إدوارد لوندستروم الذي بدأ بإنتاج كميات ضخمة لهذا النوع من الأعواد.

كبريت الامان

أكمل القراءة

هل لديك إجابة على "ما هو كبريت الامان"؟