لا تكاد تتوقّف الطبيعة عن مفاجئتنا بالمزيد والمزيد من المظاهر الطبيعيّة الخلّابة، وتُعتبر الظواهر البيئيّة المائيّة أكثر لوحات الطبيعة جمالًا وروعةً، تبثُّ شعور الدهشة وتدعو للتأمّل الطويل في عناصرها الرائعة.

وسننتقي من مُجمل الظواهر المائيّة الطبيعيّة ظاهرةً قلَّ من صادفها وشاهدها وذلك لأنّها وببساطةٍ تقبع تحت أقدامنا. إنّها الأنهار الجوفية التي نتحدّث عنها. سنستعرض في مقالنا هذا تفاصيل هذه الظاهرة الفريدة ونتطرّق إلى أبرز الأنهار الجوفية حول العالم.1

أشكال الأنهار الجوفية

بصورةٍ عامّةٍ؛ يمكن التمييز بين شكلين أو نمطين للأنهار الجوفية، وغالبًا ما يُخلطُ بينها، وهما:

الأنهار الجوفية الحقيقية

بالإنكليزية Underground River أو Subterranean River، وهي كغيرها من الأنهار السطحيّة التي نعرفها إلّا أنّها تجري كُلُّها أو معظمُها تحت الأرض، بمعنى أن مستوى سطح النهر يكون أخفض من مستوى سطح الأرض ولو ببِضع أمتارٍ.

يمكن للأنهار الجوفية الحقيقية أن تكون ذات منشأٍ طبيعيٍّ بالكامل وتشقُّ طريقها عادةً عبر الكهوف أو المغارات. ويُعتبر نظام الأنهار الجوفي الذي يُطلق عليه سيستيما ساك أكتون (Sistema Sac Actun) في المكسيك أطول الأنهار الجوفية في العالم.2

الحوامل المائيّة

الحوامل المائيّة (بالانكليزية Aquifer)، على الرغم من أنّها تُعتبر شكلًا من أشكال المياه الجوفية وتشبه إلى حدٍّ ما في مفهومها العام الأنهار الجوفية إلّا أنّها تختلف في نظام جريانها؛ فهي تُعتبر خزّاناتٍ جوفيّةً لمياه الأمطار وتُلاحظ بشكلٍ كبيرٍ في المناطق ذات الصخور المساميّة.

عند هطول كميّات كبيرة من الأمطار وتغلغل الفائض منها عبر طبقات الصخور السطحيّة، فإن هذه المياه لا تلبث أن تصل إلى أعماقٍ تعجز بعدها عن اختراق الصخور، وتبدأ بالجريان أفقيًّا عبر مسامات الصخور، وتتحرّك عبرها بحركةٍ بطيئةٍ على شكل سيلٍ مائيٍّ ضعيفٍ، ينتهي به المطاف في أحد الخزّانات الجوفيّة أو يصبُّ في البحار والمحيطات.

والجدير بالذكر أن هذا الصِنف يظهر بشكلٍ أساسيٍّ في الطبقات الغنيّة بالصخور الرسوبيّة المساميّة، على خلاف طبقات الصخور الكلسيّة والتي تكون كتيمةً وذات مساماتٍ ضيّقةٍ.3

أشهر الأنهار الجوفية

تُقسم الأنهار الجوفية إلى صِنفين أساسيّن هما الأنهار الصُنعية والأنهار الطبيعية، وتُعتبر الأنهار الطبيعيّة قليلةً ومُتواضعةً مُقارنةً بالأنهار الجوفية الصنعية التي غزت مواطن التمدّن البشري بشكلٍ هائلٍ، وأبرز الأنهار الجوفيّة وأكثرها روعةً على الإطلاق هو نهر بويرتو برنسيسا في الفيليبين والمعروف برحلاته السياحية الشيّقة عبر القارب وفي ظل الكهوف المُدهشة.

تُعتبر الأنهار الجوفية الصنعية بصمةً سلبيّةً للتطوّر الحضاري البشريّ؛ فهذه الأنهار على خلاف ما قد يُشير إليه اسمها، هي نتاج التمدّن الواسع الذي انتهك العديد من الأنهار الطبيعيّة السطحيّة من أجل تأمين المساحات العماريّة الكافيّة للتوسّع.

ترافق هذا التوسّع المدني مع ردم العديد من الأنهار الطبيعيّة داخل المُدن أو حولها، الأمر الذي دفع التيّار المائي الطبيعي للأنهار لشقّ طريقه تحت سطح الأرض على هيئة أنهارٍ جوفيةٍ صُنعيّة. وفيما يلي سنذكُر أشهر الأنهار الجوفية الصُنعية حول العالم.

الأنهار الجوفية - نهر الخزّان في مدية سيدني
  • نهر الخزّان في مدية سيدني

عندما وصل الأوروبييون إلى أستراليا (قارّة أوقيانوسيا) عام 1788 شرعوا بالبحث عن مصادرَ نظيفةٍ للماء للاستقرار قُربها. المكان الذي وجدوا النهر المُناسب واستقرّوا فيه هو موقع مدينة سيدني اليوم. عندما بدأ الأوروبييون ببناء مستعمرتهم في قارّة أستراليا لجؤوا إلى فصل واستجرار مياه نهر مدينة سيدني إلى خزّاناتٍ مُستقلّةٍ، لذا أطلق عليه نهر الخزّان. ومع ازدياد أعداد السكّان في المنطقة وتكثيف استخدامهم للنهر أصبح ملوّثًا، لذا قامت السلطات بتغطيته بأحجار كبيرةٍ وأصبح جُزءًا من نظام الصرف الصحي الخاص بالمدينة عام 1860.

  • نهر نيغلينايا في موسكو

في مرحلةٍ من التاريخ كان نهر نيغلينايا في مدينة موسكو خندقًا مائيًّا يُحيط بالمدينة كسورٍ دفاعيٍّ تجاه الهجمات المعادية. كان لنهر نيغلينايا عدّة فروعٍ تخترق قلب المدينة مُعيقةً أعمال البناء فيها وخاصّةً في مواسم الفيضانات. الأمر الذي لفت انتباه السُلطات إلى ضرورة إزالته.

وما لبث أن تلوّثت مياه النهر على إثر بناء سكّان المدينة السدود والأحواض والطواحين على طول النهر. ليتُمَّ بعدها تحويل مجرى النهر إلى قناةٍ صُنعيّةٍ أخرى وردم المجرى القديم عام 1792 للسيطرة على الفيضانات. وفي عام 1817 قامت السُلطات ببناء قنطرةٍ مُحيطةٍ بالنهر ليتحوّل بذلك إلى أحد أكثر الأنهار الجوفية شُهرةً في روسيا.4

الأنهار الجوفية - نهر سامويل في نيويورك
  • نهر سامويل في نيويورك

يُعتبر نهر سامويل أحد فروع نهر هاندسون الكبير وأبرز الأنهار الجوفية الصنعية في مدينة نيويورك، وهو يتدفّق على امتداد 37 كيلومتر من تشاباكوا إلى يونكرس شمال المدينة. في مطلع العام 1900 تمَّ تغطية الجُزء الأخير من النهر (600 متر) في يونكرس بجسرٍ للمُشاة في المنطقة.

وتتالت الجسور تِباعًا على طول النهر واتّصلت ببعضها حتى تمّت تغطية النهر بالكامل، وأصبح تحت تصنيف الأنهار الجوفية الصُنعيّة. ولم تتوقف يد التمدّن هنا فمع استمرار أعمال البناء والصناعات في المدينة واستثمارًا لمكان النهر قامت السُلطات ببناء وتعبيد النهر بشكلٍ كاملٍ، وآل مصيره كغيره من الأنهار الجوفية إلى التلوّث والتراجع.5

على الرغم من أن البشريّة لم تعطِ الأنهار الجوفية حقّها من الاهتمام والعناية إلّا أنّها ما تزال أحد أكثر المظاهر الطبيعيّة روعةً، وتستحق أن يحوّل المرء إليها وجهته يومًا ويقصدها في إحدى جولاته السياحيّة.

المراجع