التكنولوجيا هي القوة الرئيسية المؤدية إلى ارتقاء العلوم العصبية (من الإحصاء المتقدم إلى الميكروسكوبات عالية الثبات)، حيث يستطيع العلماء عن طريق أجزاء الدماغ الرقيقة جدًا مثلًا أن يعيدوا بناء الطريقة الفعلية لاتصال الخلايا العصبية ببعضها في سبيل تصميم ما يُعرف باسم الحواسيب العصبونية اليوم.

يعمل رواد الحاسوب على دمج مبادئ الحوسبة العصبية في تطوير حواسيب الجيل القادم بما يسمى الحوسبة العصبية؛ التي تدرس كيفية نقل خلايا الدماغ العصبية للمعلومات ومعالجتها. يتضمن مجال الدراسة الواسع هذا بذل الجهود لفهم البنية الهرمية للطبقة الخارجية لقشرة مخ الإنسان (Neocortex)؛ هي منطقةٌ من الدماغ تجري فيها عملياتٌ معقدةٌ مثل تخزين الذاكرة واتخاذ القرارات.

إذا أصبح الحاسوب قادرًا على محاكاة تخزين الذاكرة المعقدة جدًا ونظام الاسترجاع الموجود في الدماغ البشري، ستصبح تكنولوجيا الحواسيب العصبونية أسرع وأكثر فعاليةً وحدسًا، مع إمكانية تدريبها أيضًا على إنجاز التحليل بالاعتماد على التعلّم والتنبؤ.1

نظرة على تطور الحاسوب

الحواسيب التقليدية

يستند الحاسوب التقليدي على المنطق الرياضي ونظرية دارة التحويل، ففي عام 1936 ولإثبات وجود الرقم غير القابل للحساب، اقترح العالم آلان توريغ آلةَ حسابٍ شاملةً تعالج فقط رموزًا ثنائيةً (0 و1)، ويمكنها أيضًا محاكاة أي عملياتٍ رياضيةٍ استنتاجية، واعتبرت هذه الآلة على نطاقٍ واسعٍ أصل الحواسيب الحديثة.

في عام 1938، أسس كلاود ايلوود شانون نظرية دارة التحويل (Switching Circuit)، والتي ربطت المنطق الرياضي بالوسائل الفيزيائية، وفي عام 1946 تم اختراع الحاسوب الأول ENIAC وهو نظامٌ رياضيٌّ منطقيٌّ كبيرٌ مصنوع من 18 ألف أنبوبٍ إلكترونيٍّ.

في نفس العام، طور جون فون نيومان معمارية التخزين وسميت بمعمارية نيومان (Neumann)، والتي تمثل حقيقة التجسيد المادي لآلة تورينج. في نهاية عام 1947 تم اختراع الترانزستور في مختبرات بيل، وظهر أول حاسوبٍ حسب معمارية نيومان EDVAC في عام 1952 الذي استخدم فقط 2300 أنبوبًا إلكترونيًّا، لكنها زادت فعاليته أكثر بعشر مراتٍ من ENIAC، وفي عام 1954، نجحت مختبرات بيل بتركيب الحاسوب الأول TRADIC المزود بترانزستور.

كان للحاسوب التقليدي المعتمد على نموذج تورينج حدوده النظرية من جهةٍ، ومن الجهة الأخرى كان نوعًا ما أداةً حسابيةً عامةً تستطيع تقديم المساعدة في إدراك تطبيقاتٍ مختلفةٍ. لكن هل بالمقدور إدراك مستوى ذكاء الإنسان بما أنه بالإمكان استخدام الحاسوب كمنصةٍ لإدراك تطبيقات ذكاءٍ مختلفةٍ؟ أو هل بالإمكان إحصاء كل ذكاء دماغ الإنسان؟ هذه أسئلةٌ لم تتم الإجابة عنها نظريًّا حتى اليوم، وعلى ذلك هل تستطيع الحواسيب العصبونية إدراك ذكاء دماغ الإنسان؟2

الحواسيب العصبونية

الحاسوب العصبوني (Ceural Computer) هو حاسوبٌ أو برنامجٌ يستخدم شبكةً عصبيةً تحاكي الدماغ البشري، ويمكن تدريبه ليؤدي مهامًا محددةً كنمط تعرّف.3

في آذار 2005، أسس هاوكينز Jeff Hawkins ودوبينسكي Donna Dubinsky شركة Numenta مع خريج جامعة ستانفورد ديليب جورج Dileep George. لتطوير نوعٍ جديدٍ من نظام ذاكرةٍ حاسوبيٍّ، يعتمد في جزءٍ منه على وظيفة الدماغ. وجاءت فكرة Numenta من تقنية هرمية الذاكرة الزمنية HTM على غرار بنية ووظيفة القشرة المخية الحديثة neocortex. وترى Numenta أن HTM تمنح وعدًا ببناء آلاتٍ تقارب أو حتى تفوق مستوى أداء البشر للعديد من المهام الإدراكية.

باستخدام طريقة تعلّم الآلة (Machine Learning)، تتعلم أنظمة HTM حرفيًّا التعرّف على الأنماط من خلال الملاحظة، ولهدفٍ واحدٍ هو تطوير نظامٍ بصريٍّ يمكنه التعرف بموثوقيةٍ على الوجوه، أو تقنية يمكنها التعرف على أماكن السير الخطرة.

إن تطوير Hawkins وزملائه لتقنية HTM هو تطبيق نموذج الذاكرة هذا لتطوير حواسيب يتم تدريبها للتعرف على الأجسام بغض النظر عن اختلاف أحجامها ومواقعها وزاوية رؤيتها، وهذه الحواسيب مؤهلةٌ لإنجاز أربع مهامٍ أساسيةٍ:

  • اكتشاف الأسباب في العالم.
  • استنتاج الأسباب من المدخلات الجديدة.
  • وضع التنبؤات.
  • توجيه السلوك.

تعتقد Numenta أن هذا النوع من الابتكارات سيجعل الحواسيب أقدر على حل مشكلاتٍ كانت تعتبر سابقًا صعبةَ الحل على الآلات إن لم تكن مستحيلةً، ومن المحتمل أن يمتد عمل تقنية الحواسيب العصبونية المذهلة هذه إلى عدة مجالاتٍ، من مراقبة مراكز البيانات إلى بناء سيارةٍ ذكيةٍ، إلى التعقب المباشر لسلوكيات الزبون، إلى مجال البحث الطبي ونماذج المرض لتطوير نظرياتٍ علاجيةٍ ناجحة (مثل نظم المخدرات).

ورغم أن بحوث تطبيقات العلوم العصبية على الحاسوب ما زالت في بدايتها فقط، لكنها تقدم مثالًا واحدًا عن ثراء ونمو التفاعل بين التقنيات وقطاع الأعمال والعلم والتي ستتواصل لعشرات السنوات القادمة، وفي حال استمرار التكنولوجيا بالتقدم، ستكون العلوم العصبية قادرةً على توسيع فهم الدماغ، وخلق فرصٍ إضافيةٍ للمزيد من اختبار وتطوير تكنولوجيا مستوحاة من البيولوجيا.4

الفرق بين الحواسيب التقليدية والحواسيب العصبونية

  • المعالجة المتوازية

تعتبر قدرة الحواسيب العصبونية على تأدية عدة مهامٍ أو أوامر في نفس الوقت إحدى ميزاتها الرئيسية، بينما تتسم معالجة الحواسيب التقليدية بأنها متسلسلةٌ أي تؤدي المهمة تلو الأخرى، تبدأ بالأولى ثم التالية وهكذا.

تملك الحواسيب العصبونية في أصلها معمارية بناء متعددة المعالج صممت منذ البداية لتكون موازيةً، ومع هذه المعمارية المتوازية الضخمة يمكن إنجاز الكثير في وقتٍ أقل، مثل ما يقدر الإنسان على الاستماع إلى الموسيقى وتأدية واجباته المنزلية في آنٍ واحدٍ.

  • طريقة تأدية الوظائف

هو اختلافٌ أساسيٌّ آخر بين الحواسيب العصبونية والتقليدية؛ فالتقليدية تؤدي عملها بشكلٍ منطقيٍّ عبر مجموعةٍ من القواعد والعمليات الحسابية، أما العصبونية فيمكنها القيام بعملها من خلال الصور والمفاهيم.

وحسب طريقة تأدية الوظيفة يتوجب على الحواسيب التقليدية التعلم من خلال قواعد، بينما تتعلم العصبونية بالأمثلة أي أن تؤدي شيئًا ما ثم تتعلم منه، وبسبب هذه الاختلافات الأساسية، فإن التطبيقات المخصصة لكلٍّ منهما شديدة الاختلاف عن بعضها.

  • البرمجة الذاتية

تختلف الصلات أو المبادئ التي يلقّنها كل نوعٍ من المعماريات؛ فحواسيب Neumann يتم برمجتها بلغات مستوى عالٍ مثل C أو Java، ثم تُترجم إلى لغة تجميع الآلة الأبسط.

أما الحواسيب العصبونية وبسبب أسلوبها في التعلم، فتستطيع أساسًا برمجة نفسها، وبينما ينبغي على الحواسيب التقليدية التعلم فقط بتنفيذ سلاسلَ أو خطواتٍ مختلفةٍ من خوارزمية، فإن العصبونية قابلةٌ للتكيف باستمرارٍ عن طريق تعديل برمجتها الخاصة فعليًّا. ويمكن القول إن الحواسيب التقليدية مقيّدةٌ بأجزائها، بينما يمكن للعصبونية العمل لتصبح أكثر من مجموع أجزائها.

  • السرعة

تعتمد السرعة في كل حاسوبٍ على جوانبَ مختلفةٍ للمعالج؛ فالشبكات العصبية تتطلب استخدام رقائق متعددة مصممة خصيصًا للتطبيق، بينما تحتاج حواسيب Neumann إلى معالجِاتٍ كبيرةٍ.5

المراجع