لا شك أن الحياة هي السر الذي أودعه الخالق في جميع مخلوقاته الحية، ولا شك أن معنى الحياة وطبيعتها ومآلاتها كان موضع تساؤل فلسفي للإنسان منذ أقدم العصور. ولكن ومع النهضة التكنولوجية والعلمية التي وصل إليها الإنسان تحولت تلك التساؤلات عن طبيعة الحياة وأصلها إلى أبحاث يمكن أن تتم محاكاتها ونمذجتها لمعرفتها بشكلٍ صحيحٍ والتنبؤ بمستقبلها. لننتقل إلى موضوع مقالنا عن الحياة الاصطناعية ومستقبلها.

الحياة الاصطناعية

يُعرف موقع definitions.net الحياة الاصطناعية بأنها العلم أو الفن الذي يدرس الأنظمة المتعلقة بالحياة وتطورها باستخدام النماذج الحاسوبية والروبوتات بالإضافة للكيمياء الحيوية.

وتقسم الحياة الاصطناعية بشكلٍ عام لثلاث أقسامٍ هي:

  • الحياة الاصطناعة الناعمة وتعتمد البرمجيات Software أساسًا لها.
  • الحياة الاصطناعية العتادية وتعتمد العتاديات Hardware أساسًا لها.
  • الحياة الاصطناعية الرطبة وتستند إلى الكيمياء الحيوية Biochemistry.

أما تاريخيًا فإن عالم الحاسوب الأمريكي كريستوفر لانغتون Christopher Langton هو أول من أطلق مصطلح الحياة الاصطناعية Artificial life في ثمانينيات القرن الفائت.1

نظم أول مؤتمرٍ دوليٍّ لمحاكاة الأنظمة الحية أو الحياة الاصطناعية عام 1987 في مختبر لو ألوموس الوطني Los Alamos National Laboratory في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية.

حيث وصف كريستوفر لانغتون الحياة الاصطناعية بأنها ” تحديد معنى الحياة كما نعرفها ضمن الصورة الأكبر للحياة كما يمكن أن تكون” وبالإنجليزية “locating life-as-we-know-it within the larger picture of life-as-it-could-be“.

دفع توصيف لانغتون للحياة الاصطناعية علماء أنظمة التحكم التكيفي والتنظيم الذاتي بالإضافة لعلماء أنظمة المحاكاة الحاسوبية ناهيك عن علماء الأحياء والبيولوجيا للاهتمام والإقبال على العلم الجديد.

لكن مهلًا هل هذه مهمة سهلة

تعيش على ظهر الكرة الأرضية وفي باطنها وأعماق محيطاتها ملايين لا بل بلايين الأصناف من الكائنات الحية المختلفة، ويمكن اعتبار كل صنفٍ من الأصناف مخبر كميائيًا متحركًا تجري ضمنه آلاف التفاعلات الكيميائية وتتطور فيه مئات الأنظمة الحيوية، فهل من السهل فهم كل هذه الأنظمة والتفاعلات؟

إن التنوع الكبير هذا يجعل من الصعب استنباط قواعد عامة لتطور وسيرورة النظم الحية وتمييز هذه القواعد عن غيرها من الحالات التي قد تكون خاصةً أو شاذةً.

في الحقيقة هذه المعضلة التي يحاول علماء الحياة الاصطناعية حلها أو لنقل فهمها قدر المستطاع، وذلك عبر إنشاء مخلوقاتٍ افتراضيةٍ داخل أنظمة المحاكاة الحاسوبية ثم مقارنة التطور الممكن لهذه المخلوقات مع مخلوقاتٍ حقيقيةٍ موجودةٍ في البيئة الحقيقية.2

من أين ننطلق

رغم تنوع الحياة والأصناف الحية إلا أن العلماء بدأوا بدراسة الحياة الاصطناعية انطلاقًا من المكونات الأساسية للكائن الحي.

تتكون النظم الحية بشكلٍ عام من جزيئات الحمض النوويDNA والحمض النووي الريبي RNA بالإضافة للبروتينات proteins و الكربوهيدرات carbohydrates والشحوم lipds والماء والأملاح المعدنية water and mineral salts.

لبداية محاكاة الحياة أو ما نسميه بالحياة الاصطناعية لابد من فهم هذه الجزيئات الأساسية وأليات عملها ومن ثم بناء وأنظمة محاكاة حاسوبية لكل مكونٍ وأخيرًا خلق بيئةٍ حاسوبيةٍ أيضًا للسماح لهذه المكونات بالتفاعل فيما بينها.

يكمن التحدي في كل ما سبق بوضع القواعد والمعايير الأساسية لتفاعل هذه المكونات ضمن بيئة المحاكاة الحاسوبية، وهنا يأتي سعي العديد من الباحثين وفرق البحث للوصول لهذه المعايير.

من الأمثلة على أحد هذه المعايير the Registry of Standard Biological Parts الذي طوره فريق بحث من معهد MIT.

ومن المعايير المعروفة أيضًا the PoPS والذي يعني بوليمرز كل ثانيةٍ Polymerase per Second والذي يفترض تدفق بوليمرز الحمض النووي الريبي RNAعلى الحمض النووي DNA كل ثانيةٍ مرة.3

مستقبل الحياة الاصطناعية

في الحقيقة ليس من السهل أبدًا التنبؤ بمستقبلٍ مثل هذا النمط من العلوم، فالبعض يتناول موضوع المستقبل بشيءٍ من الخيال الغير واقعي أحيانًا.

ولكن لمعرفة المستقبل الذي ينتظر الحياة الاصطناعية لابد من الإجابة على الأسئلة العالقة والتي هي مدار البحث حاليًا.

  • كيف يمكن بناء أنظمة المحاكاة باعتبار تكامل ثلاثي لنظام التغذية والوراثة والأغشية في الوقت ذاته؟
  • هل يمكن تحقيق التكيف ضمن بيئاتٍ مكانيةٍ وزمانيةٍ مختلفةٍ؟ وكيف يمكن ذلك؟
  • هل تقيد أنظمة المحاكاة الحاسوبية عملية التطور المحتملة للأنظمة الحيوية؟
  • هل يمكن تحقيق محاكاة كائنٍ حيٍّ أحادي الخلية خلال كامل دورة حياته من الولادة حتى الوفاة؟
  • إثبات ظهور العقل والإدراك لأنظمة الحياة الاصطناعية!

وغيرها الكثير من الأسئلة التقنية والفلسفية أحيانًا التي تشكل الإجابة عنها مستقبل الحياة الاصطناعية، والتي ننتظر الباحثين والعلماء للإجابة عنها.4

المراجع