الزرادشتية دينٌ فارسيٌّ قديمٌ يُعتقد أنه ظهر منذ أربعة آلاف عام وهي أول الديانات التوحيدية وأقدم الأديان التي ما زالت موجودة، وكانت الدين الرسمي لثلاث سلالاتٍ فارسيةٍ إلى أن جاء الغزو الإسلامي لبلاد فارس (إيران) في القرن السابع بعد الميلاد، ويُطلق على اللاجئين الزرادشتيين الذين هاجروا إلى الهند هربًا من اضطهاد المسلمين في إيران اسم البارسيين، ويبلغ العدد التقريبي لأتباع هذه الديانة بين 100000 و200000 شخص حول العالم وتُمارس اليوم كديانةٍ ثانويةٍ في أجزاءٍ من إيران والهند.1

أصل الزرادشتيّة

أُسِّست هذه الديانة على يد النبي زرادشت، وحسب النصوص التاريخية في تلك الفترة فقد ولد النبي زرادشت عام 628 قبل الميلاد في مدينة الرّي في إيران وتوفي حوالي العام 551 قبل الميلاد، وتُعتبر هذه الأرقام تقريبيةً قائمةً على التوقعات حيث يعتقد بعض الباحثين أنه قد عاش قبل أو بعد ذلك بقرابة الألف عام. كانت ديانة الهندو-إيرانيين في وقتٍ زرادشت جاهليةً، أي كانوا يعبدون عدة آلهة، وعلى الرغم من غياب الأدلة إلا أنه يُعتقد أن زرادشت رفع من مكانة أحد الآلهة المعبودة لمكانة الخالق الأعلى وبهذا فقد أوجد أول ديانات العالم التوحيدية، فقد كانت لديه رؤىً عن إله أسماه آهورا مزدا خالق كل شيءٍ والإله الحقيقي الذي يجب أن يُعبد، وبهذا فقد كانت حركته التوحيدية شيئًا جديدًا بالنسبة لإيران ذاك الوقت، كما تُعتبر الزرادشتية ديانةً ثنائيةً أي تركز على الطبيعة المزدوجة للعالم كالخير والشر أو الجنة والنار مثلًا وقد آمن النبي زرادشت بأن الكون في صراعٍ دائمٍ بين الخير والشر.2

فترة ازدهار الزرادشتية

ازدهرت هذه الديانة خلال فترة حكم ثلاث امبراطورياتٍ فارسيةٍ عظيمةٍ وأولها كانت الامبراطورية الأشمينية التي أسسها سايرس العظيم، وقد امتدت من آسيا الصغرى في الغرب إلى الهند في الشرق ومن أرمينيا في الشمال إلى مصر في الجنوب، وأظهر سايرس احترامًا كبيرًا للبلاد التي غزاها وسمح لشعوبها بممارسة أديانهم الخاصة وانتهت هذه الامبراطورية على يد الإسكندر الذي قام بغزو بلاد فارس آنذاك عام 334 قبل الميلاد ونهب الخزينة وحرق المكتبات في بريسبوليس، كما قام بقتل الكهنة الذين يُعدون مكتباتٍ حيةُ للدين بسبب حفظهم للنصوص الدينية المقدسة، وعُرف الإسكندر بعد ذلك لدى الفارسيين بلقب الملعون على الرغم من أنه ملقبٌ بالإسكندر العظيم عند اليونانيين والمصريين وغيرهم.

جاءت فترة الازدهار الثانية في عهد الإمبراطورية البارثية، ففي حوالي عام 250 قبل الميلاد هزمت القبائل البارثية في الشمال الشرقي لإيران اليونانيين وأسست إمبراطوريةً ذات نفوذٍ كبيرٍ، وكانت هذه الإمبراطورية كالإمبراطورية الأشمينية من أتباع الزرادشتية وأظهرت تسامحًا دينيًا في المناطق التي غزتها. خاضت الإمبراطورية البارثية خلال فترة نفوذها معاركًا مستمرةً مع الرومانيين الذين امتدت إمبراطورتيهم إلى اسكوتلندا في الغرب إلا أنه تم ايقافهم من قبل البارثيين. لم تكن الزرادشتية ديانةً منظمةً خلال فترة حكم الإمبراطورية البارثية الذي استمر تقريبًا مدة خمسمئة عام مما أدى إلى تطوير أشكالٍ مختلفةٍ منها.

بسبب هذه الفوضى التي سادت في أمور الدين ثار الساسانيون ضد البارثيين وهزموهم عام 225 بعد الميلاد حيث أراد الساسانيون توحيد الزرادشتية وتأسيس قواعد لها، وتم إيجاد منصب الكاهن الأعلى الذي وازى الملك بحكمه واعتبار الزرادشتية الدين الرسمي للإمبراطورية الساسانية وسعوا إلى نشرها والدعوة لها بشكلٍ كبيرٍ لمواجهة سعي المبشرين المسيحيين.3

المعتقدات الزرادشتية

صعد النبي زرادشت في رؤياه إلى الجنة حيث تحدث مع آهورا مزدا والذي أخبره بوجود خصمٍ له يدعى آنغرا مونيو وهو كائن شرير، وطُلِب من زرادشت تشجيع البشرية على الاختيار بين الخير والشر أي بين أهورا مزدا وآنغرا مونيو، وعلى الرغم من أن الزرادشتية ليست توحيديةً بالكامل لأنها تعترف بوجود أكثر من إلهٍ واحدٍ فإنها تسعى إلى توجيه الناس لعبادة الإله الأعظم، وحسب تعاليم زرادشت فإن لكل شخصٍ حرية الاختيار بين الخير والشر في الأمور التي يريد القيام بها فاختياره أن يخبر الحقيقة مثلًا بدلًا من الكذب يعني أنه اختار طريق الخير.

علّم النبي زرادشت أيضاً أن هناك حياةً بعد الموت أبديةً وأن اختيارات المرء في حياته تحدد مصيره بعد الموت، فإن كانت أفعاله الحسنة أكثر من السيئة ذهب إلى الجنة، أما في حال فاقت أخطاءه حسناته فإنه سينتهي في أحد المستويات المختلفة لجهنم تبعًا لمدى سوء أفعاله، كما أشار إلى وجود الملائكة والشياطين والمخلِّصين، وهذه أفكارٌ يمكن إيجادها في الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية، أما كتاب الزرادشتية المقدس هو الابستاق (الافيستا/ Avesta) ويحوي ترانيمًا وطقوسًا وتعويذات ضد الشياطين.4

بعض ممارسات الزرادشتية

  • يولي الزرادشتيون أوليةً كبيرةً للنقاء وعدم تدنيس ما خلقه آهورا مزدا لذلك فإن الموتى لا يُدفنون ولا يُحرقون بل يؤخذون إلى برج الصمت وتبقى جثثهم تحت الشمس لتلتهمها النسور، وهو أمرٌ جدليٌّ في الوقت الحالي.
  • النار رمزٌ مهمٌّ في الزرادشتية فهي ترمز إلى الخالق والحياة الروحانية، وتدعى أماكن العبادة الزرادشتية بمعابد النار، وتحوي هذه المعابد شعلةً أبديةً متقدةً دائمًا، ويُقال أن أول نارٍ تم إيقادها على مذبح أحضرها زرادشت معه من الجنة.
  • إذا تزوجت امرأة زرادشتية رجلًا لا ينتمي لدينها لا يمكن أن يتبع أولادها الزرادشتية، على عكس الرجل الذي يتزوج امرأة ليست زرادشتيةً.
  • الممارسات الأخلاقية الرئيسية الثلاث التي تقود الحياة في الزرادشتية هي:
    • الأفكار الجيدة والنوايا الحسنة.
    • الأقوال الطيبة.
    • الأفعال الطيبة.

المراجع