ما هي الشيخوخة

الموسوعة » بيولوجيا » ما هي الشيخوخة

الحديث عن الشيخوخة هو حديثٌ عن التقدم بالعمر غالبًا. يرتبط الأمر بتغيراتٍ في العمليات الديناميكية البيولوجية، والفيزيولوجية، والبيئية، والسيكولوجية، والسلوكية والاجتماعية. بعض هذه التغيرات حميد، كما في شيب الشعر، في حين بعضها الآخر ينجم عنه انخفاض في القدرة على التفاعل مع الحياة اليومية بالإضافة إلى ارتفاع احتمال الإصابة بالأمراض، والوهن، أو حتى العجز. التقدم بالعمر، في حقيقة الأمر، يعد عاملًا مؤثرًا في ارتفاع احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة عند الإنسان.

العديد من الدراسات أجريت في المختبرات لفهم العمليات البيولوجية من وراء زيادة العمر عند الحيوانات، وحديثًا عند البشر. حتى الآن لا يوجد مفتاحٌ محددٌ لتفسير هذه العملية من الناحية العلمية بشكلٍ حاسمٍ، إلا أن الأكيد هو أن هذه العملية يمكن إبطاؤها باتباع سلوكياتٍ وأنماط حياةٍ معينة بالإضافة إلى اتخاذ إجراءاتٍ لا يزال استكشافها جاريًّا إلى الآن.§.

علم دراسة الشيخوخة

تعنى دراسة الشيخوخة من الناحية البيولوجية بدراسة الأسس البيولوجية للشيخوخة. على عكس الفروع الأخرى التي تركز على إنتاج المعلومات، دراسة الشيخوخة تهتم بالبحث عن الطرق التي تقي من الإصابة بالأمراض التي تظهر مع كبر العمر، وتحسن من الظروف المعيشية مع التقدم بالسن. البحوث المنطوية تحت هذا المجال أنتجت إلى الآن العديد من البيانات الوصفية والميكانيكية التي تسمح بتعريف أسس التقدم بالعمر. لا يزال هذا العلم إلى الآن في طور النشوء، لكن من المؤكد أنه سيسمح لنا في المستقبل بتطوير استراتيجياتٍ عملية للحد من التأثيرات السلبية للتقدم بالعمر. 

تدعم الأدلة المأخوذة عن الدراسات فكرةَ أن نجاة فردٍ من فصيلةٍ ما وطول عمره يتعلقان بمستوى آليات الإصلاح والترميم لأنظمته البيولوجية التي تحفظها من الاهتراء اليومي. هناك اقترانٌ واسعٌ بين عمر الفرد وقدرة جسده على إصلاح الـ DNA، والتخلص من الجزيئات المؤكسدة الفعالة، والاستجابة للتوتر، وإصلاح الخلايا التالفة. بالإضافة إلى ذلك، هناك علاقةٌ عكسيةٌ بين العمر ومعدل الضرر الذي يتجمع في الجسد، من تحولاتٍ وتشوهاتٍ جينية، وتأكسد الجزيئات الأساسية وتجمع نواتج الاستقلاب. 

هذا المبدأ يسمى بالمبدأ اللاجيني في علم دراسة الشيخوخة (أي أن لا تأثير لنظامٍ جينيٍّ أو بيئيٍّ معينٍ على عمر الفرد)، تنقضه فكرة أن بعض التحولات الجينية عند بعض الفطريات، والحشرات، والديدان الاسطونيّة أو الخيطيات (Nematodes)، والفئران وحتى الإنسان قد تؤدي إلى زيادة أو نقص عمره المتوقع. من هذه الجينات نذكر بعضًا مما يؤثر على العوامل والمسارات البيوكيميائية مثل استقلاب الأنسولين والكوليسترول، والكيناز ومستقبلاتها، وعوامل النسخ، وهيليكاز DNA، والتيلوميراز (Telomerase)، وغلوكوسيداز الأغشية، والمستقبلات الرابطة للـ GTP المقترنة بالبروتين، وجينات بروتينات الصدمة الحرارية، ومسارات إيقاف دورة الخلايا وغيرها. 

تستند دراساتٌ أخرى ضمن هذا المجال على مبدأين آخرين؛ أولهما يدعي أن العمر الفعال للفرد ناجمٌ عن التطور والانتقاء الطبيعي اللذان يحددان عمره بما يفي وظيفته في تحقيق الحلقة الدارونية للتكاثر وبقاء النسل، وأن الشيخوخة كتعريفٍ هي الزمن الذي يعيشه الفرد متخطيًّا هذا العمر. يستند هذا المبدأ إلى ملاحظاتٍ حقليةٍ من بينها أن عمر الدروسوفيليا؛ أي ذبابة الفاكهة (مثلًا، يمكن أيضًا ذكر العديد من أنواع الحشرات والمخلوقات الميكروسكوبية الأخرى) الأساسي لا يزيد عن أسبوعٍ في حين أن الإنسان يعيش لمدة 50 سنةً وسطيًّا.

مبدأ ثانٍ ينادي أن الفشل المستمر في الحفاظ على توازن الوسط الخلوي ضمن أجسامنا يؤدي إلى تجمع الضرر في الأحماض النووية، والبروتينات والليبيدات مما يؤدي إلى إعاقة أدائها لوظائفها على المدى الطويل.

بالجمع بين المبادئ الثلاثة، سيتيح لنا العلم في المستقبل تطوير وسائل وعلاجات تحمي من آثار التقدم بالعمر المرضية وتقي من الشيخوخة.§.

كيف يمكن تعريف الشيخوخة والهرم على مستوى النسيج الحي

يتمثل الهرم في عملية تثبيط نمو مبرمج للنسيج بما يترافق مع تحولاتٍ شكلية مميزة بما في ذلك إعادة تشكيل الكروماتين، مع تغيرٍ ممنهجٍ في الأيض، وزيادة في اهتراء الأنسجة، وتحولات معقدة في النظام الإفرازي ترافق انتشار الالتهابات. تثبيط النمو يهدف في الجسم السليم إلى وقف انتشار جينوم الخلايا المتضررة مما يساعده على وقف انتشار أي عيوبٍ خلقيةٍ ذات طابعٍ سرطانيٍّ، إلا أنه ومع التقدم في السن يصبح عاملًا مدمرًا يوقف التجديد الطبيعي للأنسجة الحية ويدفع بالجسم نحو الشيخوخة.§.

مسببات الشيخوخة

عندما يغلب معدل الاهتراء معدل الترميم والتجديد في النسج الحية فإن المخلوق يهرم. يمكن القول أن هذا الأمر ضروري لبقاء وازدهار الجنس والفصيل ككلٍ من وجهة نظرٍ مجردة، في حين من الممكن أخذ الأمر من منحىً فلسفي كون ما له بداية، وفق قوانين هذا الكون، سيكون له نهاية.

في كل الأحوال فإن الشيخوخة والهرم ظاهرةٌ عامة عند كل الكائنات الحية على الرغم من اختلاف مظاهرها بين مخلوقٍ وآخر. بشكلٍ أساسي، ومن ناحية البنية الخلوية للمخلوق، يمكن ذكر النظريات التالية كونها المتهم الأساسي المسبب للشيخوخة:

الضرر التأكسدي

إحدى الفرضيات الأساسية لتفسير ظاهرة الشيخوخة ترى الاستقلاب المسبب الأساسي لكبر السن، حتى دون أخذ أثر الطفرات بعين الاعتبار. حوالي 2-3% من ذرات الأكسجين التي تأخذها الميتوكوندريا تختزل بشكلٍ غير كاملٍ إلى مركبات الأكسجين التفاعلية (Reactive Oxygen Species، أو ROS احتصارًا).

تتضمن هذه المركّبات أو الفصائل شاردة فوق الأكسيد (Superoxide Ion)، وجذر الهيدروكسيل (Hydroxyl Radical)، وبيروكسيد الهيدروجين (Hydrogen Peroxide). تلك الأنواع تستطيع أكسدة وتخريب الغلاف الخلوي، والبروتينات والحموض النووية.

واحدة من دلائل هذه النظرية نجدها عند ذبابة الفاكهة (Drosophila) التي تفرز كمياتٍ مضاعفةً من أنزيمات تدمر ROS، أي الكاتالاز (Catalase) الذي يفكك البيروكسيد (Peroxide)، وسوبر أكسيد ديسميوتاز (Superoxide Dismutase)، والتي تعيش لمدةٍ أطول بمحو 30-40% من عناصر التحكم، كما أن الذباب الذي يظهر عنده تحول في جين متوشلخ (Methuselah) تعيش لمدة حتى 35% أطول من تلك البرية، وتبدي مناعةً محسنةً لتأثير الباراكوات (Paraquat، وهو سم يولد مركبات الأكسجين التفاعلية ضمن الخلايا).

هذه المشاهدات لا تؤكد فقط تأثير الجينات على عمر الفرد، بل تثبت أيضًا أثر ROS على الشيخوخة عمومًا، وخذ مثلًا أنّ النيماتودا التي تنتج المزيد من الأنزيمات التي تفكك ROS تعيش أيضًا لمدةٍ أطول من الأفراد العادية. 

تأثير ROS على كبر عمر الثدييات لا يزال غير واضحٍ إلى الآن. التشوهات في جينات الفئران التي تؤدي إلى تثبيط إنتاج الأنزيمات المفككة لمركّبات ROS لا ينجم عنها شيخوخة مبكرة (إلا أن هذه الجينات قد لا تكون بنفس الأهمية عندها عند اللافقاريات لاحتمال قيام جينات أخرى بتنظيم إفراز هذه الأنزيمات عوضًا عنها).

لوحظ أيضًا أن الفئران التي تعاني من تشوهاتٍ خلقيةٍ تؤدي إلى نقص أحد البروتينات (بالتحديد P66shc) تعيش لمدةٍ أطول من تلك البرية. افتقار هذه الفئران لهذا البروتين أكسبها على ما يبدو مناعةً لفصائل ROS ومقاومةً أعلى للضغط التأكسدي على البروتينات والنسج الخلوية. فيتامينات E وC أيضًا تثبط أثر ROS، وإنّ إضافة فيتامين E إلى حمية الذباب والنيماتودا زادت من عمرها. تأثير مثبطات ROS عند الثدييات لا يزال إلى الآن صعب الدراسة عند الثدييات نتيجةً لتعقيد بنيتها وتشابك الوظائف الحيوية لمكونات أجسامها. 

عدم الاستقرار الجيني والاهتراء الطبيعي للأنسجة

الاهتراء الطبيعي ونظرياته تعد الأقدم في تاريخ تفسير مظاهر الشيخوخة. مع نمو الفرد فإن الضرر الناجم عن الإصابات والصدمات يتراكم مع الوقت. التشوهات النقطية يزداد عددها وفعالية الأنزيمات المرقمة من قبل الجينات يتناقص. بالإضافة إلى ذلك، ففي حال الإضرار بحلقة اصطناع البروتين، ستبدأ الخلية بتوليد نسبةٍ كبيرةٍ من البروتينات المشوهة.

ظهور تشوهات في الأنزيمات التي تصطنع DNA يرفع من معدل التشوهات الخلقية بشكلٍ ملحوظٍ. عملية إصلاح DNA تعدُ مهمةً لدرء خطر الهرم، والفصائل التي تمتلك خلايا أنسجتها كمًّا أكبر من أنزيمات إصلاح DNA تعيش لمدةٍ أطول، كما أن العيوب الجينية في أنزيمات إصلاح DNA عند الإنسان قد تنجم عنها متلازمات مقترنة مع الشيخوخة المبكرة. 

التشوهات في جينوم الميتوكوندريا

معدل ظهور التشوهات أو الطفرات في DNA الميتوكوندريا أعلى بنحو 10 إلى 20 مرةً ممّا في الحمض النووي، ومن المعتقد أن التشوهات في الميتوكوندريا ينجم عنها:

  • مشاكل في توليد الطاقة.
  • إنتاج مركبات الأكسجين التفاعلية (ROS) عبر نقل إلكترون خاطئ.
  • يسرع معدل التدمير الذاتي للأنسجة.

الانخفاض في وظائف الميتوكوندريا الناجم عن العمر يظهر عند العديد من الحيوانات وحتى الإنسان. تقريرٌ يعود لعام 1999، أظهر أن معدل تكاثر الميتوكوندريا ذات الجينوم المشوه أسرع من تلك العادية، مما ينجم عنه امتداد انتشار هذه العضيات ضمن الخلية وخلفائها، كما ظهر أن هذه التحولات لا تسبب فقط إنتاج المزيد من ROS، بل وتزيد من حساسية DNA الميتوكوندريا لتأثيرها. 

قِصَر التيلومير

التيلوميرات (Telomeres)، أو القسيمات الطرفي، هي تسلسلات DNA متكررة عند نهاية الكروموزومات لا يتم نسخها عند بلمرة حمض DNA وينقص طولها مع كل انقسامٍ للخلية. إنزيم التيلوميراز (Telomerase) يضيف التيلومير على الكروموزوم عند كل انقسامٍ ويحافظ عليها. معظم الأنسجة الجسدية عند الثدييات تفتقر إلى التيلوميراز؛ مما أتى ببعضهم للقول أن اختصار التيلومير قد يكون هو الساعة التي تمنع الأنسجة من التجدد. 

على الرغم من هذا، فلا اقتران بين طول التيلومير وعمر الحيوانات (التيلومير عند الإنسان مثلًا أقصر بكثيرٍ من ذلك عند الفئران)، كما أنه لا اقتران بين طول التيلومير وعمر الإنسان نفسه. اقترح البعض الآخر أن تثبيط انقسام الخلايا الناجم عن التيلومير قد يكون في الحقيقة آليةُ دفاعٍ ضد السرطان عوضًا عن كونه ساعةً تحدد العمر.

برامج الشيخوخة الجينيّة

أثبتت عدةُ جيناتٍ أثرها على عملية الهرم والشيخوخة، فمتلازمة الشيخوخة المبكرة (Hutchinson-Gilford Progeria Syndrome) ينجم عنها شيوخ الأطفال عن عمرٍ مبكرٍ والموت من جراء فشلٍ قلبيٍّ من عمر 12 سنةً. متلازمةٌ أخرى عند الفئران ناجمة عن تشوهٍ في جين كلوثو (Klotho) ينجم عنها نفس الأعراض. وظائف هذه الجينات لا تزال إلى الآن غير محددةٍ إلا أن المعتقد أنها تثبط حدوث الهرم النسيجي.§.

408 مشاهدة