قام الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاديون خلال القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر بوضع برنامجٍ سياسيٍّ كان بمثابة إشارة إلى السياسة الاجتماعية التي كانت حاصلةً في إنجلترا والولايات المتحدة في بداية الأمر، ثم انتقلت إلى أوروبا والأجزاء الأخرى من العالم، وحتى في إنجلترا والتي تعتبر موطن الليبرالية لم يتمكن أنصارها من النجاح في الفوز بجميع مطالبهم، حيث أنّه قد تم تبنيها من قبل أجزاءٍ قليلةٍ من بقية العالم بينما تم رفضها من البداية أو تجاهلها بعد وقتٍ قصيرٍ في أجزاءٍ أخرى.

الليبرالية الكلاسيكية تعتمد كون الحرية الفردية هي الأساس، وهذه الإيديولوجية الليبرالية تعود جذورها إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو حيث يعتقد الليبراليون أنّ حياتك الخاصة هي من حقك وحدك، كما أنّه في الليبرالية الكلاسيكية لا يوجد سوى نوعٍ واحدٍ من الحرية والتي تسمى الحرية السلبية أي أنّ حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وهذا يعني أنّ التهديدات التي تنتهك الأشخاص عمدًا ممنوعةً منعًا باتًا كالسرقة والتخريب والاحتيال والاغتصاب والقتل وما شابه، أمّا جميع الأنشطة الأخرى فمسموحٌ بها. 1

مبادئ الليبرالية

إنّ الليبرالية كفلسفةٍ سياسيةٍ وأخلاقيةٍ ترتكز على مبدأين رئيسين هما الفردية والحرية، إذ أنّ الليبرالية تقوم أولًا بوضع الفرد في قلب المجتمع وتجادل بأنّ أعلى نظام اجتماعيّ يتم تقييمه من خلال القيمة التي يتم بناؤها حول الفرد، وأنّ الغرض من المجتمع هو السماح للأفراد بالوصول إلى إمكاناتهم الكاملة في حال أرادوا ذلك، والطريقة الأفضل للقيام بذلك هو إعطاء الفرد أكبر قدرٍ ممكنٍ من الحرية.

الفردية

تنص الفردية على أنّ جميع الأفراد لديهم حقوق بمجرد أنّهم بشرٌ وأنّ هذه الحقوق هي فوق سلطة الدولة وهي موجودةٌ من قبل وجود السياسة أصلًا، بمعنى آخر لا يحق للدولة مس تلك الحقوق إذ تخضع تلك الحقوق لمبدأ ينص على أنّه يحق للأفراد القيام بكل ما يريدونه طالما أنّهم لا يؤذون أحدًا، ويجب تركهم يتخذون القرارات وحدهم، إذ أنّ الحكومة إذا ما فرضت القرار عليهم فإنّها سوف تجعلهم أسوأ حالًا، وهذا يفترض أنّ الأفراد عقلانيون بما فيه الكفاية لتقرير ذلك.

المساواة والشمولية

وذلك يعني تكافؤ الفرص ضمن المعنى الذي يروج له الليبراليون الكلاسيكيون إذ أنّه سيكون هناك إعادة توزيعٍ للثروة، كما أنّه يستلزم المساواة القانونية والسياسية، أمّا العالمية أو الشمولية فهي تعني أنّ المبادئ الأخلاقية التي تتبعها الليبرالية تنطبق على جميع البشر بغض النظر عن الثقافة التي ينتمون إليها.2

نشأة الليبرالية

إنّ تاريخ الديمقراطيين الليبراليين يمتد إلى ما يقارب 150 عامًا، إذ يعود تشكل الحزب الليبرالي إلى عام 1859، أمّا الفكر السياسي الليبرالي فإنّه يعود إلى قبل 200 عام أخرى وذلك عند استعار نار الحرب الأهلية الإنجليزية والصراعات مع الملكية على سلطة البرلمان، حيث شهد القرن الذي يليه التأسيس التدريجي لمجموعتين برلمانيتين هما “المحافظين” و”الإصلاحيين”.

وفي أواخر القرن الثامن عشر قامت ثورة المستعمرات الأمريكية والثورة الفرنسية بتجديد نقاشها حول الأساس الإيديولوجي للحكومة، وفي عهد Charles James Fox قاوم اليمينيون الإجراءات الاستبدادية التي اتخذها Pitt أثناء حرب نابليون، كما ساعدتهم خبرتهم الطويلة في المعارضة على تبني أجندة أكثر شعبيةً في نوعٍ من أنواع التسامح الديني والإصلاح الانتخابي، حيث أقرت حكومة الإصلاحيين برئاسة اللورد Grey قانون الإصلاح الكبير لعام 1832 الذي أعلن ضرورة انخراط السياسيين مع كل من الناخبين العاديين والعناصر المتطرفة خارج البرلمان، ومن هذه العملية نمت الأحزاب السياسية التي نعرفها اليوم، حيث تشكل حزب المحافظين عام 1835 إلّا أنّه استغرق وقتًا طويلًا حتى تحول إلى حزبٍ ليبراليٍّ متماسكٍ.3

في القرن السابع عشر وأثناء النضالات الدستورية الإنجليزية أظهر عددٌ من الأفراد والجماعات سماتٍ ليبراليةً مهمةً، إذ أنّ حزب Levellers برز كأول حزبٍ ليبراليٍّ اعتُرف به في التاريخ الأوروبي بقيادة John Liburne و Richard Overton إذ طالبت هذه الحركة بحرية التجارة وإنهاء الاحتكار وفصل الكنيسة عن الدولة وتفعيل التمثيل الشعبي ورسم حدودٍ صارمةٍ حتى للسلطة البرلمانية، حيث أنّ تركيزهم على الملكية يتجلى بملكية الفرد لنفسه وعدائه لسلطة الدولة.

وفي وقتٍ لاحقٍ من ذلك القرن وضع John Locke إطارًا لليبرالية الكلاسيكية في نواحي الحياة المختلفة، وفيما يخص الحرية والتملك وهي التي يطلق عليها مجتمعةً “الملكية” فقد انتقلت من الإصلاحيين في القرن الثامن عشر إلى جيل الثورة الأمريكية، إذ أصبحت أمريكا هي الأمة الليبرالية النموذجية بعد إنجلترا فخلال مدةٍ ليست بقصيرةٍ في القرن التاسع عشر كانت مجتمعًا يصعب الاعتراف بوجود الدولة فيه.4

المراجع