ما هي الهستيريا

هل سبق لك أن رأيت أو تعاملت مع أحد الأشخاص الذين يبدون ردود فعلٍ عاطفية زائدة تجاه قولٍ أو تصرّفٍ ما؟ في الواقع هذا ما يُطلق عليه مصطلح الهستيريا. في مقالنا هذا، سنستعرض معنى الهستيريا وأعراض الشخص الهستيري، وسنتطرّق إلى تاريخ نشوء هذا المفهوم، وشرح مفهوم الهستيريا في مجال الطب النفسي المُعاصر.

ما هي الهستيريا

إن مصطلح الهستيريا (بالإنكليزية Hysteria)، يصف الاستجابات العاطفية المُفرطة للأشخاص، وكان فيما سبق مرضًا نفسيًّا سلوكيًّا بحدّ ذاته، ويصوّر هذا المصطلح السلوكيات التي تتجاوز الاستجابات المعقولة الطبيعية تجاه منبّه محيطي معيّن (قول أو فعل أو حدث ما). بشكلٍ عام، عندما تكون ردة فعل أحد الأشخاص عاطفيّةً مفُرطةً تجاه أمرٍ ما فإننا نقول عن ذلك الشخص أنه شخصٌ هستيريٌّ، ولكن خلال الحقبة الفيكتورية، كان هذا المصطلح مرتبطًا بأعراضٍ نفسيّةٍ تظهر بشكلٍ عام لدى النساء.

كما ذكرنا سابقًا، فإن مفهوم الهستيريا كان مرضًا نفسيًّا سلوكيًّا قائمًا بذاته، ولكن استُبعد من قائمة الأمراض النفسية والعقليّة عام 1980. في وقتنا الراهن، فإن الأفراد الذين يبدون ردود فعلٍ هستيرية عادةً ما يُشخّصون بأمراضٍ نفسيّةٍ مُعتمدةٍ، مثل اضطراب الشخصية التمثيلي (Histrionic Personality Disorder)، واضطراب التحويل (Conversion Disorder)، واضطراب الأعراض الجسدية (Somatic Symptom Disorder).§.

أعراض الإصابة بالهستيريا

تتضمن الأعراض بشكلٍ رئيسيٍّ الشلل الجزئي والهلوسات والعصبيّة، كما يمكن أن تظهر بعض الأعراض الجانبية الأخرى لدى الفرد الهستيري، منها:

  • ضيق في التنفّس.
  • التعب والإرهاق.
  • الدوران أو الشعور المستمر بالدوخة.
  • العصبية.
  • الأرق.
  • اضطرابات جنسية.
  • التهيّج المُفرط.
  • الانفعالات الزائدة.

تاريخ نشوء مفهوم الهستيريا

في الواقع يعود مصطلح (الهستيريا) إلى ألفي سنةٍ مضت، وهو مشتقٌّ من المصطلح اليوناني (Hystera) والذي يعني (رحم المرأة)، وسبب هذه التسمية في الواقع يعود إلى الطبيب اليوناني أبقراط (Hippocrates)، الذي نسب أعراض الهستيريا إلى اعتقادٍ شائعٍ في وقتها، وهو التحرّك المستمر لرحم المرأة في أنحاء الجسم (أو ما يُعرف بالرحم المتجوّل أو اختناق الرحم)، مما يتسبب في جنونهم ربما من الأوجاع الحاصلة، وقد فسّر أيضًا الهستيريا لدى النساء بأنها تنبع من الإحباط الجنسي، وهذه الاعتقادات كانت مجرد اعتقاداتٍ قبل أن تظهر المفاهيم الطبية للهستيريا، والمتعلقة بالأمراض مثل الصرع أو العقم، أو اضطرابات الطمث.§.

استمرَّ الاعتقاد بأن الهستيريا هو مجموعةٌ من الأمراض المتعدّدة (لأن أعراضه متنوّعة بشكلٍ كبيرٍ)، حتى أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأ العديد من الأطباء النفسيين يصفونه بالمرض النفسي، وكان أول من اعتمده كمرضٍ مُحدّدٍ له علاج مُحدّد هو طبيب الأعصاب الفرنسي جان مارتن (Jean Martin)، ومؤسس علم التحليل النفسي سيغموند فرود (Sigmund Freud)، حيث اعتمدوا على التنويم المغناطيسي في علاج حالات الهستيريا لدى المرضى.§.

الهستيريا في الطب النفسي الحديث

في مطلع القرن العشرين، عمد الأطباء والباحثون بعد دراساتٍ معمّقةٍ إلى إقصاء مفهوم الهستيريا كمرضٍ نفسيٍّ أو عصبيٍّ مستقلٍّ، ولكن في الحقيقة، لم تُسقط جمعية الطب النفسي الأمريكية (American Psychiatric Association) المفهوم القديم عن هذا المصطلح حتى أوائل الخمسينيات، حيث استبعدت الجمعيّة الأمريكية للأطباء النفسيين الهستيريا من قائمة الأمراض النفسية.

والأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض هستيرية لا يُشخّصون بمرض الهستيريا، بل يلجأ الطبيب النفسي إلى اختباراتٍ أخرى للكشف عن الحالة النفسية المسبّبة لتلك الأعراض الهستيرية، والتي قد تشمل الاضطرابات الانشقاقية أو تسمى الاضطرابات الانفصامية (Dissociative Disorders)، والاضطرابات الجسدية (Somatoform Disorders) وغيرها من الاضطرابات.

  • الاضرابات الانفصامية هي اضطراباتٌ نفسيةٌ تشمل حدوث انفصامٍ (انقطاع أو تشوّه) في الوعي، وتتضمّن كلًّا من الشرود الفصامي (Dissociative Fugue)، واضطراب الهوية الانفصامي (Dissociative Identity Disorder)، وفقدان الذاكرة الانفصاميّ (Dissociative Amnesia).
  • في حين تشمل الاضطرابات الجسدية الأعراض والآلام الجسديّة، وكمثالٍ عليها لدينا اضطراب التحويل (Conversion Disorder) أو يسمى الاضطراب العصبي الوظيفي، واضطراب التشوه الجسمي (Body Dysmorphic Disorder)، واضطراب الجسدنة (Somatization Disorder). تشمل الأعراض الضعف والألم وقصر التنفّس، وبطبيعة الحال، فإن معاناة الشخص من أعراضٍ جسديّةٍ كهذه، تجعل من إنجازه لمهامه اليومية أو التعامل مع الأشخاص من حوله أمرًا مُرهقًا ومثيرًا للتوتر، والذي يولّد نوباتٍ من الهستيريا تجاه أي تصرّفٍ أو موقفٍ يحصل له.§.

على الرغم من أن الهستيريا لم يعد مرضًا أو اضطرابًا قائمًا بحد ذاته، إلا أنّ ما زلنا نواجه ونصادف أو حتى نعاني من كلمة هستيريا في ظروفِ وأحداث حياتنا اليوميّة، والواقع أن الأمر لا يحتاج ذلك الكمَّ الكبير من القلق، ولكن في حال كان أحد الأقرباء أو المعارف يعاني من أعراضٍ هستيريةٍ مستمرّةٍ، فلا ضير من تقصّي السبب الكامن وراءها، واستشارة طبيبٍ نفسيٍّ متخصّصٍ، لتشخيص أي اضطرابٍ نفسيٍّ أو عصبيٍّ ومعالجته بشكلٍ مبكّرٍ.

1٬640 مشاهدة