هل تخيلت يومًا أن الإنترنت الواسع الذي تتصفحه سوف يصبح مقفولًا وراء خدمات اشتراك شهرية، بعضها يتيح الولوج لمواقع معينة، وبعضها الأخر مخصص لموقع Youtube مثلًا؟ في الحقيقة هذا ما كان سيحدث لولا وجود مبدأ حيادية الشبكة أو حيادية الإنترنت، هذا القانون الذي هددت الحكومة الأمريكية بالتخلص منه، مما أدى إلى حالة من الفوضى والقلق بين مستخدمي الإنترنت، على الأقل لفترة من الزمن.

مفهوم حيادية الشبكة

فكرة حيادية الشبكة هي أن يقوم مزود الإنترنت في مختلف المناطق والدول، بالتعامل مع المحتوى والبيانات التي تمر عبر خدماته بمبدأ المساواة والحيادية، وهذا يعني أنه لا يحق لمزود الإنترنت أن يجعل من المحتوى الذي يختاره سهل الولوج ومتوفرًا بسرعة الإنترنت الكاملة، وفي المقابل يقفل محتوى آخر ويجعله غير متوفرًا، أو يطلب من المستخدم دفع أموال لتوفير الوصول!.

أي أن الشركة المزودة للإنترنت لا يحق لها أن تنظر لأي محتوى في الإنترنت نظرة خاصة، بل يجب أن تتعامل مع كل شيء فيه بنظرة حيادية، فلا يحق لها مثلًا أن تمنعك من استخدام Skype أو جعل خدمات المشاهدة Netflix و Hulu وغيرها بطيئة ولا تطاق، خصوصًا إذا كانت تفعل هذا بهدف تحويل انتباهك إلى خدمة مشاهدة أخرى.

أمضت هيئة الاتصالات الفدرالية الأميركية سنوات عديدة في محاولة تطبيق قانون ثابت لضمان حيادية الإنترنت، وبعد صراع طويل مع مزودات الشبكة والخدمات، تمكنت من النجاح في تطبيق القانون خلال سنة 2015.

لم يبقَ هذا القرار لفترة طويلة من الزمن، فقد صوتت الحكومة الجديدة لهيئة الاتصالات للتخلي عن قانون حيادية الإنترنت، مما يمنح الشركات المزودة للخدمة حرية كبيرة في التحكم بمحتويات الشبكة كما يريدونه.

ومن الجدير بالذكر أن الظهور الأول لهذا المصطلح كان على لسان Tim Wu بروفسور جامعة كولومبيا في سنة 2003 في مقالة خاصة سلط بها الضوء على مخاطر عدم الحيادية في تعامل الشركات مع المستخدمين.

في ذلك الوقت كانت شركة AT&T تمنع المستخدمين من استخدام راوتر لاسلكي، وهو ما كان برأي Tim Wu مشكلة كبيرة لأنها تحد من مساحة الإبداع والابتكار في شبكة الإنترنت، ومثل هذه الآراء لا تزال نفسها اليوم على لسان مؤيدي هذا القانون، في حربهم ضد القرار الجديد لهيئة الاتصالات الأمريكية.1

أهمية حيادية الشبكة

منذ صدور قرار نقض قانون الحيادية في سنة 2017، والحرب لا تزال مستمرة حتى الآن لإعادته إلى سابق عهده، وعشرات الولايات الأمريكية رفضت التخلي عن القانون، فلما كل هذا الجدال والخوف من أجل الحيادية؟

إن حيادية الإنترنت من حيث الفكرة قد تبدو بسيطة، لكن عدم تطبيقها سيؤدي إلى فوضى عارمة في عالم الإنترنت، ولن يكون كما تعرفه اليوم.

تخيل أن مزود الإنترنت يستطيع العبث بتصفحك للإنترنت كما يرى مناسبًا، فمثلًا شركة الإنترنت Comcast تمتلك شبكة الترفيه NBC، ولولا قانون الحيادية سوف تقوم بكل سهولة بمنعك من الاطلاع على شبكة ترفيه أخرى تعتبر مُنافسة مثل CBS، أو أنها ستجعل سرعة الإنترنت فائقة وممتازة عندما تتصفح شبكة NBC وتلاحظ العكس تمامًا عندما تتوجه نحو CBS.

مثال آخر على ضرورة وأهمية قانون حيادية الشبكة هو فيسبوك وتويتر وغيرهم من مواقع التواصل الاجتماعي، تخيل لو كان مزود الإنترنت في بلدك على عقد مع فيسبوك، بالتالي سوف يمنعك من الولوج إلى تويتر، ويتيح لك تصفح فيسبوك فقط، أو العكس.

أيضًا بدون قانون الحيادية ستتمكن بعض المواقع من كسب سباق الشعبية بطريقة غير شرعية وغير عادلة، فعند طرح موقع فيسبوك كان لا يزال جديدًا أمام موقع Myspace، واستطاع التفوق عليه بفضل هذا القانون، الذي يفرض على جميع المزودين أن يتعاملوا مع الاثنين بحيادية كاملة، ولولا ذلك لتمكن Myspace مثلًا من دفع بعض الأموال لإعاقة سرعة الاتصال مع فيسبوك والحفاظ على الأفضلية لنفسه.

نظرة معارضي الحيادية

إن لمعارضي هذا القانون نظرتهم الخاصة التي دفعتهم إلى التصويت نحو التخلص منه، فيقول مثلًا Ajit Pai عضو هيئة الاتصالات الأمريكية، أن التخلص من هذا القانون يعني استعادة حرية الإنترنت وتخليصه من القبضة الحكومية.

وأيضًا هنالك آراء أخرى تنتقد مبدأ حيادية الشبكة حرفيًّا، حيث تعتد أنه يجب أن يكون هنالك تنظيم وتصفية عادلة أكثر بين المحتويات، فلا يمكن أن يتم التعامل بمساواة بين مقالة صحفية هامة ومحتوى غير أخلاقي حسب رأيهم.

كما ويقال أن مخاوف السيطرة الكبيرة من مزودات الإنترنت ليست صحيحة، وإنما طبيعة المنافسة سوف تحمي كافة المستخدمين، الذين يستطيعون ببساطة الانتقال إلى مزود إنترنت مختلف إذا شعروا بعدم العدل في تعامله معهم.2

المراجع