تصف ظاهرة الاحتباس الحراري زيادة متوسط درجات الحرارة بالقرب من سطح الأرض خلال القرنين الماضين، إذ بدأ العلماء منذ منتصف القرن العشرين بجمع المعلومات والملاحظات حول الظواهر الجوية مثل درجات الحرارة والأمطار والعواصف والعوامل الأخرى المؤثرة على المناخ كالتيارات البحرية والتركيب الكيميائي للغلاف الجوي. وقد أظهرت تلك البيانات أن مناخ الأرض يتغير مع الزمن كما أن الأنشطة البشرية قد ساهمت بهذا التغيير بشكلٍ عميقٍ منذ بداية الثورة الصناعية.

تأثير غازات الاحتباس الحراري على درجات الحرارة

أعلنت الهيئة الحكومية المعنية بالمناخ Intergovernmental Panel on Climate Change (IPPC) أنه في الفترة ما بين عاميّ 1880 و2012 قد شهدنا ارتفاعًا بدرجات الحرارة بحوالي 0.9 درجةً مئويةً، وإذا ما قارنا درجات الحرارة اليوم مع ما كانت عليه قبل بدء الثورة الصناعية لكان ارتفاع الحرارة ما يزيد عن 1.1 درجةً مئويةً، أي أن الأنشطة البشرية هي العامل الأساسي في ازدياد ظاهرة الاحتباس الحراري.1

كما يتوقع أن تزيد درجات الحرارة في كوكبنا بين 3 و4 درجات مئوية بحلول عام 2100 نسبةً إلى متوسط درجة الحرارة بين عاميّ 1986 و2005 في حال استمرت انبعاثات غار الكربون بمعدلها الحالي.

الاحتباس الحراري
التصحر نتيجة الاحتباس الحراري
الاحتباس الحراري
ذوبان الجليد في القارة القطبية بفعل الاحتباس الحراري

درجات الحرارة متغيرة بشكل طبيعي

الغازات الدفيئة موجودةٌ بطبيعة الحال في الغلاف الجوي، لكنّ الخلل في توازن هذه الغازات أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًّا على حياة مختلف الكائنات الحية على هذا الكوكب.2

نعم ليس الإنسان هو المسؤول الوحيد عن تغيّر المناخ على كوكب الأرض، بل كذلك ثوران البراكين والعواصف الشمسية إضافةً إلى أن موقع الأرض بالنسبة إلى الشمس يلعب دورًا في ذلك.

يأخذ العلماء بعين الاعتبار كل هذه العوامل مجتمعةً، من تغيّرٍ في مستويات الإشعاع الشمسي إلى الجسيمات الدقيقة التي تعلق في الجو بعد الانفجارات البركانية، لكنهم وجدوا بأنّ كل هذه العوامل تساهم بتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري بنسبة 2% فقط.

أهم غازات الاحتِباس الحراري

الاحتباس الحراري
تأثير غازات الاحتباس الحراري على زيادة درجات الحرارة عند سطح الأرض
  • غاز ثاني أوكسيد الكربون (Co2): يعتبر Co2 الغاز الرئيسي بين غازات الاحتباس الحراري، وهو المسؤول عن حوالي 75% من الانبعاثات، وتنبع خطورته من كونه يبقى في الجو لآلاف السنين. ففي عام 2018 سجل مرصد “ماونا لوا Mauna Loa” في هاواي أعلى متوسط شهري لغاز ثاني أوكسيد الكربون يتم تسجيله على الإطلاق وهو 411 جزء بالمليون. ويعتبر حرق المواد العضوية كالفحم والنفط والغاز والخشب والنفايات الصلبة هو المصدر الرئيسي لانبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون.
  • الميثان (CH4): هو المكونُ الأساسيُّ للغاز الطبيعي، ويتم إطلاقه في الجو عند حرق النفايات وفي صناعات البترول والزراعة (في عمليات الهضم عند الماشية). يبقى جزيء الميثان في الجو حوالي 12 عامًا لكن تأثيره أكبر بـ 84 مرةً من تأثير الكربون خلال عقدين من الزمن. ويشكل غاز الميثان حوالي 16 % من انبعاثات الغازات الدفيئة.
  • أوكسيد النيتروز (N2O): يشكل أوكسيد النيتروز فقط 6% من انبعاثات الغازات الدفيئة، إلا أنّ تأثيرها أكبر ب 264 ضعفًا من تأثير ثاني أوكسيد الكربون على مدى 20 عامًا، كما أنّ مدة بقائه في الجو قد تتعدى القرن وفقًا للهيئة الحكومية المعنية بالمناخ IPCC. تعد أحد أنواع البكتيريا الموجود في التربة والمحيطات المسؤول الرئيسي عن إطلاق أوكسيد النيتروز في الجو، بالإضافة إلى الأسمدة وحرق المخلفات الزراعية والوقود المحترق.
  • الغازات التي تخلفّها المصانع: أهمها الغازات المفلورة Fluorinated gases مثل مركبات الهيدروفلوروكربون والفلوروكربون المشبعة والكلوروفلوروكربون وسداسي فلوريد الكبريت (SF6) وثلاثي فلوريد النيتروجين (NF3). وتمثّل هذه الغازات حوالي 2% من جميع الانبعاثات، إلّا أنّ مساهمتها في حصر الحرارة ضمن الغلاف الجوي تفوق CO2 بآلاف المرات، كما أنها تبقى في الجو لمئات آلاف السنين.
الاحتباس الحراري
نسب انبعاث غازت الاحتباس الحراري (الدفيئة)

كما توجد غازاتٌ دفيئةٌ أخرى مثل بخار الماء والأوزون (O3). في الواقع أنّ بخار الماء هو أكثر الغازات الدفيئة غزارةً، لكن لا يتم تتبعه كباقي أنواع الغازات الدفيئة الأخرى لأنه لا ينبعث مباشرةً من الأنشطة البشرية وتأثيره غير مفهومٍ حتى الآن، أما الأوزون فلا ينبعث من طبقة التروبوسفير مباشرةً -لا يجب الخلط بينه وبين طبقة الأوزون الموجودة

تأثير غازات الاحتباس الحراري على حياتنا

تعد مشكلة الاحتباس الحراري مشكلةً عالميةً لما لها من آثارٍ بيئيةٍ وصحيةٍ بعيدة المدى، فالدخان وتلوث الهواء يساهمان في زيادة نسب الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي بالإضافة إلى تأثيرها المباشر الذي ينتج عنه التغيرات المناخية القاسية وازدياد حرائق الغابات، ولذلك علينا التسليم بحقيقة أنّ طبيعة الطقس المعتادة ستتغير مع مرور الوقت وبعض الكائنات الحية ستنقرض وبعضها سيهاجر.

الاحتباس الحراري
الاحتباس الحراري
الدببة القطبية من أكثر المتأثرين بالاحتباس الحراري
الاحتباس الحراري
حرائق ناجمة عن الارتفاع الكبير بدرجات الحرارة

كيف يمكننا الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري

في الحقيقة إنّ طبيعة حياتنا الحديثة والنظام الاقتصادي العالمي من الصناعة والزراعة إلى النقل وإنتاج الطاقة، كلها تساهم في تعميق مشكلة الاحتباس الحراري، وقد اعترفت العديد من دول العالم بهذا الواقع من خلال اتفاقية باريس للمناخ عام 2015.3

الاحتباس الحراري
مزارع الرياح في ألمانيا، إذ تعتبر ألمانيا من الدول الرائدة في تعزيز الاعتماد على موارد الطاقة البديلة.

إذا أردنا تجنب الآثار الخطيرة لهذه الظاهرة علينا اعتماد تقنيات وحلول فعّالة وجدية لتقليل كمية الغازات الدفيئة المنبعثة، كالعمل على الاستعاضة عن الوقود الأحفوري بمصادر الطاقة المتجددة وتعزيز كفاءتها واعتماد طرقٍ لامتصاص ثنائي أوكسيد الكربون من الجو كزراعة الأشجار والحفاظ على الغابات. وستكون التغييرات الأكثر أهميةً مسؤولية الدول الكبرى المصدرة للانبعاثات، إذ أنّ هناك عشرون دولةً مسؤولةً عن 75% من انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم على الأقل وأهمها الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا واليابان والبرازيل وألمانيا.

المراجع