هافانا هي اسم المدينة التي تمثل عاصمة كوبا، ولكن كيف لعاصمة دولةٍ أن تصبح اسمًا لمتلازمة تصيب البشر!.

بداية لغز متلازمة هافانا

بدأت القصة في شتاء عام 2017 في السفارة الأمريكية في دولة كوبا وتحديدًا مع موظفة في السلك الدبلوماسي الأمريكي تدعى أودري لي Audrey Lee (في الحقيقة هذا اسمها المستعار فضلت استخدامه حفاظَا على خصوصيتها).

كانت لي دبلوماسية محنكة ولها خبرة جيدة في العديد من المهام والخدمات الخارجية، وكان عملها في هافانا روتينيًا وهادئًا.

لم يحدث مع لي أي حدثٍ غير طبيعيٍّ باستثناء أنها عادت مرة هي وأسرتها إلى هافانا بعد قضائها لإجازة في الولايات المتحدة ليجدوا أن الطعام في الثلاجة قد فسد وأن رائحته تملئ المنزل، وبعد تنظيف الثلاجة وجدوا أنها قد فصلت عن التغذية الكهربائية رغم تأكدهم أنهم لم يفعلوا ذلك.

وفي يوم من أيام آذار من عام 2017 وبينما كانت لي تغسل أطباق العشاء في المطبخ شعرت بضغطٍ مفاجئٍ في رأسها ثم ألم شديد جدًا يشبه ألم الطعن وبعدها تسارعت أنفاسها وشعرت بالذعر يعتريها.

كانت لي قد سمعت شائعات أن بعض الموظفين الدبلوماسيين قد تعرضوا لهجماتٍ صوتيةٍ غامضةٍ ولم يعرف السبب أو من يقف خلفها.

كانت الشائعة تقول أنه للتخلص من أعراض الهجمة الصوتية على الضحية أن يغير مكانه ويغادر الغرفة أو القاعة الموجود فيها وهذا ما فعلته لي تمامًا حيث غادرت المطبخ متجهة لغرفة النوم.

لم تستطع لي النوم بشكلٍ جيدٍ بسبب الألم وعانت في اليوم التالي من صعوبة في التركيز كما استمرت هذه الأعراض في الأسابيع التي تلت الحادثة حيث كانت تصاب بالدوار وفقدان التوازن وفي بعض الأحيان كانت تصطدم بالأبواب.

لم يكن هذا حال لي وحدها بل بدأ العديد من زملائها الدبلوماسيين المقيمين في تجمع السكن الدبلوماسي في هافانا بالمعاناة من هذه الأعراض، وكان من بين من تعرض للأعراض دبلوماسيين أمريكين وآخرين كنديين وبدا أن الأمر سيسبب أزمةً دوليةً حقيقيةً بين هذه الدول وكوبا.

عرفت هذه الأعراض لاحقًا بمتلازمة هافانا نسبةً للعاصمة الكوبية هافانا والتي كانت مسرح لإصابة الدبلوماسيين بهذا المرض.1

البحث عن سبب متلازمة هافانا

منذ ظهور هذه الأعراض الغامضة في هافانا، كانت الفرضية الرئيسية للسبب المباشر تدور حول هجومٍ بنوعٍ غير معروفٍ من الأسلحة الصوتية أو التي تستخدم الترددات المايكروية وذلك لأن كل الضحايا أبلغوا عن أصواتٍ مزعجةٍ وضغطٍ عاليٍّ شعروا به في رؤوسهم.2

لكن ولما كان موضوع الأعراض هام وممكن أن يحدث أزمة دولية قام كلًا من البروفيسور ألون فريدمان المختص في دراسة أمراض الصرع في جامعة دالهوزي في كندا والدكتورة هيلينا بوتزمان المختصة بدراسة الأعصاب في جامعة بن غوريون بإعداد دراسة دولية لمعرفة سبب هذه المتلازمة.

تشير نتيجة الدراسة أنه من المرجح أن متلازمة هافانا قد نشأت بسبب أزمة فيروس زيكا التي حدثت عام 2016 the Zika virus crisis ويعلق البروفيسور فريدمان ” لقد أصبنا بالدهشة عندما وجدنا تضرر منطقةً معينةً من دماغ الضحايا وأن السبب قد يرتبط بفيروس زيكا”.

يقول البروفيسور فريدمان ” لقد قمنا بإجراء الفحوصات الطبية الازمة لستة وعشرين دبلوماسيًا كنديًا مع عائلاتهم بالإضافة لعمليات المسح الضوئي بهدف استقصاء مناطق التلف الدماغي إن وجدت، وكانت النتيجة أن ثمانية من الدبلوماسيين عانوا بعد عودتهم من هافانا من علامات تلف مركزة في جزءٍ صغيرٍ من المخ”.

تعتبر مناطق التلف التي عانى منها الدبلوماسيين مسؤولة عن إفراز أنزيمات الكولينستراز الضرورية لعمل الجهاز العصبي والتي تساهم بشكلٍ كبيرٍ في عمليات التركيز وتشكيل الذكريات، كما لاحظ فريدمان وفريقه أضرار مماثلة في قاعدة الدماغ وهي المنطقة المسؤولة عن التوازن والنوم.

هل يمكن أن تكون المبيدات الحشرية

أظهرت التحاليل الكيميائية لعينات الدم المأخوذة من الدبلوماسيين وجود نسبة من المبيدات الحشرية التي تتداخل مع أنزيم الكولينستراز، ويرجح أن هذه المبيدات هي ذاتها المستخدمة في رش بعوض الفيروس زيكا واسع الانتشار.

كما أظهرت الاختبارات أيضًا وجود 3-PBA وهو مبيدٌ حشريٌّ آخر شائع الاستخدام ويبدو أن زيادة التبخير في هذه المبيدات والتعرض المفرط لها قد سبب المتلازمة لدى الدبلوماسيين، حيث أكدت سجلات السفارة الكندية زيادةً كبيرةً في معدلات التبخر داخل منازل الموظفين الدبلوماسيين خلال العام 2017.3

اخيرًا يعلق البروفيسور فريدمان “لا توجد وسيلة لإثبات أن المبيدات الحشرية تسببت في متلازمة هافانا فليس من المعقول تعريض أكثر من بعثةٍ لمبيدات حشرية فهذا ينافي الأخلاق ولكن النظرية على الأقل تقدم تفسيرًا معقولًا لما حدث يتجاوزتلك النظريات الغريبة عن الأسلحة الصوتية”.4

المراجع