نظرية المعرفة (Epistemology) هي إدراكٌ وفهم جوانب خاصة من الواقع، وتمثّل المعلومات الواضحة والشفافة المكتسبة خلال عملية العقل المطبق على الواقع، أي هي دراسةُ المعرفة فعليًّا.

يشغل علماء نظرية المعرفة أنفسهم بعدد من المهام، والتي يمكن أن تدرج تحت فئتين:

  • الأولى أنّه ينبغي تحديد طبيعة المعرفة، فماذا يعني أن نقول أن شخصًا ما يعرف أو أخفق في أن يعرف شيئًا ما؟ هذا هو الأمر حول فهم ما هي المعرفة، وكيفية التمييز بين الحالات التي يعرف عنها الشخص شيئًا ما والحالات التي لا يعرف عنها، ورغم وجود بعض الإجماع العام على بعض جوانب هذا الأمر إلا أن السؤال أصعب مما نتخيل.
  • ثانيًا، تحديد مدى سعة معرفة الإنسان، أي كم نستطيع أن نعرف أو هل نستطيع أن نعرف؟ كيف نستطيع استخدام عقلنا أو حواسنا وشهادات الآخرين ووسائلنا الأخرى لتحدث المعرفة؟ هل هناك حدودٌ لما يمكننا معرفته؟ بمعنى آخر هل توجد أشياءٌ لا سبيل لمعرفتها؟ هل من الممكن أن نعرف تقريبًا بقدر ما نحن نعتقد بأننا نعرف؟ هل ينبغي أن نملك قلقًا منطقيًّا حول النزوع إلى الشك، ورؤية أنه لا يمكننا أن نعرف أي شيءٍ على الإطلاق؟1

شروط المعرفة

يقول النهج التقليدي في نظرية المعرفة أنّها تتطلب ثلاثةَ شروطٍ ضروريةٍ ووافيةٍ، هي الحقيقة والتبرير والإيمان، لنستطيع تعريف المعرفة أنها “إيمان حقيقي مبرر“.

  • الحقيقة: بما أنه لا يمكن معرفة القضايا الخاطئة فستكون بالضرورة حقيقيةٌ.
  • الاعتقاد: لأن أحدًا ما لا يقدر على معرفة شيءٍ ما لا يؤمن به، فإن عبارة “أنا أعرف x، لكن لا أؤمن أن x حقيقي” متناقضة.
  • التبرير: وهو عكس الاعتقاد بشيءٍ بحتٍ كمسألة حظ، والجزء الأكثر نزاعًا هو تعريف التبرير، وهناك عدة مدارس فكرية حول هذا الموضوع.2

أهمية نظرية المعرفة

نظرية المعرفة هي تفسيرٌ لكيفية التفكير، وهي ضرورةٌ لكي نكون قادرين على تحديد الحق من الصواب، بتحديد الطريقة المناسبة للتقييم، وهي ضرورةٌ لكي نستخدم المعرفة وتسود العالم كله، فبدون المعرفة لا نستطيع التفكير، وبشكلٍ خاص أكثر لن نملك سببًا لنعتقد أن تفكيرنا كان منتجًا أو صحيحًا، بدلًا من الصور العشوائية التي تومض أمام ذهننا.

ونحن لن نكون قادرين بالمعرفة غير الصحيحة على تمييز الحقيقة من الخطأ؛ فحقيقة المعرفة واضحةٌ، وبقدر ما تكون معرفتنا صحيحةً بمقدار ما نستطيع أن نفهم فعليًّا، وبمقدار ما نستطيع استخدام تلك المعرفة للارتقاء بحياتنا وأهدافنا، وذا فإنّ نقص المعرفة يجعل تحقيق أي شيءٍ أصعب.

العناصر الأساسية للمعرفة الصحيحة

إن حواسنا في هذا المجال فعالةٌ وصحيحةٌ، وهي الطريقة الوحيدة لكسب المعلومات في العالم، وإنّ العقل واليقين هو الطريقة لاكتساب المعرفة وتحصيل الفهم، أمّا المنطق فهو الطريقة للحفاظ على التماسك والتناغم داخل وضع المعرفة، في حين إنّ الموضوعية هي وسائلنا لربط المعرفة بالواقع لتحديد صحته، وتكون المفاهيم هي ملخصاتٌ لتفاصيل خاصة بالواقع، وبذا فإنّ نظرية المعرفة الصحيحة هي نظرية المعرفة العقلية.3

معضلتا نظرية المعرفة (معضلتا المعرفة)

  • معرفة العالم الخارجي

لاحظ معظم الناس أن الخيال يمكن أن يخدع؛ فالعصا المستقيمة تبدو مائلةً أو منكسرةً عندنا تغمر في الماء، حتى لو لم تكن كذلك، أيضًا تبدو السكك الحديدة متقاربةً عن بعد لكنها ليست كذلك. كما لا نستطيع قراءة صفحة مطبوعة باللغة الإنكليزية معكوسةً في المرآة من اليسار إلى اليمين. إنّ كلًّا من هذه الظواهر مضلل بطريقةٍ ما، وكل من يعتقد فعلًا أن العصا مائلةٌ أو السكك الحديدية متقاربةٌ فإن تفكيره خاطئٌ أيضًا حول حقيقة العالم.

ورغم أن هذه الأشياء الشاذة قد تبدو بسيطةً وغير صعبة الحل إلا أن المزيد من التفكير العميق وفق نهج نظرية المعرفة فيها سيظهر أن العكس هو الحقيقة. كيف يعرف الشخص أن العصا غير مائلةٍ فعلًا وأن السكك غير متقاربة!؟ لنفترض أن شخصًا ما قال إن أحدهم يعرف أن العصا غير مائلةٍ حقًا لأنها عندما تخرج من الماء يستطيع رؤية أنها مستقيمةٌ. لكن هل كانت رؤية العصا المستقيمة خارج الماء سببًا كافيًّا للاعتقاد بأنّها غير مائلةٍ؟ لنفترض أن أحدهم قال إن السكك الحديدية ليست متقاربةً فعليًّا لأن القطار يعبر فوقها في النقطة التي تبدو فيها متقاربةً. لكن كيف عرف أن عجلات القطار ليست متقاربة حين تبدو متقاربة؟ كيف نبرر تفضيل هذه المعتقدات عن غيرها. خاصةً إذا كانت كلها تعتمد على ما نرى؟ ما يراه أحدهم أن العصا مستقيمةٌ خارج الماء ومائلةٌ فيه، ولماذا تم إعلان أن العصا مستقيمة حقًا؟ لماذا، في الحقيقة، تُعطى الأولوية لهذا الإدراك عن غيره؟

أحد الأجوبة المحتملة هو القول إن تلك الرؤية ليست كافيةً لإعطاء المعرفة حول كيفية وقوع الأشياء، فالرؤية تحتاج إلى أن تكون صحيحةً بمعلوماتٍ مستقاةٍ من الحواس الأخرى. لنفترض إذن أن شخصًا أكد أن السبب المقنع للاعتقاد أن العصا في الماء مستقيمةٌ لأنها عندما تكون في الماء يستطيع بيدٍ واحدةٍ أن يشعر بأنها مستقيمةٌ. لكن ما التفسير وراء الاعتقاد أن حاسة اللمس أكثر صدقًا من الرؤية؟ قد يمنح اللمس إدراكًا خاطئًا كما تفعل الرؤية.

على سبيل المثال، إذا قام شخصٌ بتبريد يدٍ وتدفئة يده الأخرى ثم وضعهما معًا في حوض ماءٍ فاتر، سيشعر أن الماء دافئًا في اليد الباردة وباردًا بالنسبة إلى اليد الدافئة. وبالتالي، فإنّ نظرية المعرفة تفترض بأنّه لا يمكن حل العقبة من خلال اللجوء إلى مدخلات الحواس الأخرى.

في الحقيقة، هناك شبكةٌ من العقبات هنا، وعلى الشخص أن يفكر جيدًا لكي يصل إلى دفاعٍ قويٍّ عن الادعاء البسيط ظاهريًّا بأنّ العصا مستقيمة حقيقة، فالشخص الذي قبل هذا التحدي سيواجه مشكلة الفلسفة الأكبر المتعلقة بمعرفة العالم الخارجي.

  • مشكلة العقول الأخرى

لنفترض أن جراحًا أخبر مريضًا يوشك على إجراء عمليةٍ لرقبته أنه سيشعر بألمٍ حادٍ بعد استيقاظه، وعندما استيقظ سمع الطبيب تأوهاته وتشنج وجهه بطرقٍ معينةٍ. ورغم أن الشخص ميالٌ طبيعيًّا للقول بأن الطبيب يعرف ما يشعر به، لكن هناك شعورًا لا يعرفه الطبيب لأنه لا يشعر به بنفسه. إلا إذا اختبر عمليةً مماثلةً في الماضي، وإلا لن يعرف ما يشعر به المريض.

في الحقيقة الحالة أكثر تعقيدًا من ذلك، حتى لو خضع الجراح لعمليةٍ مشابهةٍ، فهو لا يستطيع أن يعرف أن ما شعر به بعد العملية هو نفس نوع شعور مريضه الآن. لأن أحاسيس كل شخص “خاصة” بمعنى أن الجراح يعرف أن ما فهمه للألم يمكن أن يختلف تمامًا عما يفهمه المريض عن الألم.

يفيد التحليل السابق أن كل إنسانٍ حتمًا وحتى من حيث المبدأ ممنوعٌ من امتلاك المعرفة الموجودة في عقول الآخرين، ورغم الاعتقاد السائد بأنه من حيث المبدأ لا يوجد شيءٌ في العالم الحقيقي لا يمكن معرفته عن طريق البحث العلمي، فإن مشكلة العقول الأخرى تظهر عكس ذلك وبأن نطاقًا كاملًا من الخبرة البشرية يقاوم أي نوعٍ من التساؤل الخارجي.لذلك، لا يمكن أن يكون هناك معرفةٌ بالعقل البشري.4

المراجع

  • 1 ، Epistemology، من موقع: www.iep.utm.edu، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 2 ، Epistemology، من موقع: www.philosophybasics.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 3 ، Epistemology، من موقع: www.importanceofphilosophy.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.
  • 4 ، Epistemology، من موقع: www.britannica.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-10-2019.