لم يكن مفهوم التكافؤ منتشرًا بكثرة في الماضي، حيث استخدم العلماء عنصر الهيدروجين كأحد العناصر الرئيسية لإجراء المقارنات الكيميائية. إذ حدد العلماء تكافؤ كل عنصر غير معدني بقيمته الاتحادية مع عنصر الهيدروجين، كما اعتمد تكافؤ كل عنصر معدني بعدد الذرات التي يمكنها أن تحلّ محلّ الهيدروجين عند تشكيل مركبٍ ما.

ومن الأمثلة الشهيرة عما سبق يمكننا أخذ عنصر الكلور (CL)، حيث يحدد تكافؤ الكلور في مركب كلوريد الهيدروجين (HCL) بالقيمة (1)، كما يبلغ تكافؤ الأوكسجين (O) في مركب الماء (H2O) القيمة (2)، أما عنصر الألمنيوم فيأخذ تكافؤًا قدره (3) في مركب كلوريد الألمنيوم (ALCL3). أما في المركبات الأوكسجينية، يمثل عنصر الاوكسجين عنصر المقارنة الرئيسيّ بالنسبة لبقية العناصر المرتبطة به في المركبات. على سبيل المثال يبلغ تكافؤ النيتروجين في مركب أوكسيد النيتروجين (N2O) القيمة (1)، بينما يبلغ تكافؤ الكبريت في مركب أوكسيد الكبريت (SO3) القيمة 6 على اعتبار أن تكافؤ الأوكسجين يساوي 2.

مما سبق يمكننا تعريف التكافؤ في علم الكيمياء، بأنه قدرة الذرّة على الارتباط بأيّ ذرةٍ أخرى. حيث يقاس التكافؤ بعدد الإلكترونات التي يمكن للذرة إعطائها، أو أخذها، أو مشاركتها مع ذرةٍ أخرى لتشكيل رابطةٍ كيميائيةٍ. وكلّ ذلك يعتمد على عدد المدارات الفارغة المتاحة في غلاف تكافؤ ذرة العنصر. ونظرًا لتطور نظرية الرابطة الكيميائية تم تحديد العديد من الفروقات بين أنواع التكافؤ، حيث نجد التكافؤ الكهربائي، والتكافؤ المشترك، والتكافؤ التسانديّ.

يعرف التكافؤ الكهربائي أو ما يطلق عليه اسم (التكافؤ الأيونيّ) بأنه القيمة العددية التي تعبر عن شحنة الأيون. لذا تكون الذرة موجبة الشحنة، عند فقدانها لأحد إلكتروناتها السطحية. بينما تكون سالبة الشحنة عند اكتسابها لأحد الإلكترونات. وتعتبر قوة الجذب بين الأيونات المتعاكسة شديدةً جدًا، ويستخدم التكافؤ الكهربائي كأحد المفاهيم الأساسية في قوانين فارادي، وفي آلية تشكيل المركبات الأيونية.

ولذا تعرّف نقطة التكافؤ الكهربائي بأنها النقطة التي تنعدم فيها محصلة مجموع المجال الكهربائي، وتبلغ حينها القيمة صفر. ولنقطة التكافؤ الكهربائي حالتان وهما:

  • الشحنتان متماثلتان إما من النوع (+,+)، أو من النوع (-,-): وحينها إذا كانت قيمة الشحنتين متساويتين، تقع نقطة التكافؤ في منتصف المسافة الواقعة بينهما. اما إذا كانت قيمة الشحنتين مختلفتين، فإن نقطة التكافؤ ستقع في المسافة الفاصلة بينهما بحيث تكون أقرب للشحنة الصغرى.
  • الشحنتان المختلفتان في النوع (+,-): في حال تساوي قيمة الشحنتين، فإن وجود نقطة التكافؤ سيكون معدومًا. أما في اختلاف قيمتهما فإن نقطة التكافؤ الكهربائي ستقع خارج الشحنتين، بحيث تكون أقرب للشحنة الأصغر.

 والجدير بالذكر، عند المقارنة بين شحنتين، فإننا نعتمد على قيمة الشحنة وليس على نوع الشحنة (في حال كانت سالبة أو موجبة). وتذكر دائمًا، إن قيمة الشحنة المتواجدة في نقطة التكافؤ الكهربائي تساوي الصفر دومًا. ونقول عن ذرّة أنها متعادلة كهربائيًا إذا كان عدد الشحنات الموجبة للنواة يساوي عدد الشحنات السالبة للإلكترونات، وحينها تكون شحنة الذرة تساوي الصفر. وفي الوقت الراهن، لا يستخدم علماء الكيمياء مصطلح التكافؤ كثيرًا، إذ يتم الاعتماد على مصطلح “حالة التأكسد” عند قياس قيمة الشحنة، وذلك بسبب الدقة الكبيرة لهذا المصطلح خاصةً عند الحديث عن المركبات الأيونية.

أكمل القراءة

تعددت طرق فصل الجزيئات الحيوية، لتصبّ جميعها في هدف تحويل الجزيئات الضخمة أو الخليط إلى مكوناتٍ أصغر في الحجم؛ ليسهل التعرف على خواصه الفيزيائية والكيميائية. ولطالما كانت البروتينات والببتيدات الفئة الأكثر دراسةً في الكيمياء التحليلية ومن قبل المهندسين الكيميائيين، لتوصيف بنيتها وتفاعلاتها، واُعتمد لتحليلها وفصلها العديد من الطرق وأهمها طريقة الترحيل الكهربائي باستخدام هلام الأغاروز أو البولي أكريليد، أو الرحلان الكهربائي باستخدام الهلام ثنائي الأبعاد، أو الرحلان الكهربائي الشعري، أو الرحلان بالاعتماد على نقطة التكافؤ الكهربائي، والأخيرة هي ما سأحدثك عنها.

نقطة التكافؤ الكهربائي isoelectric point (pI) عمومًا لأيّ جزيءٍ هي درجة الـ pH  التي تتعادل فيها الشحنات الكهربائية السطحية له، أي لا يحمل أية شحناتٍ موجبةٍ أو سالبة، وفيما يخص الأحماض الأمينية تمكننا نقطة التكافؤ الكهربائي من التنبؤ بشحنتها عند درجة pH معينةٍ، فعلى سبيل المثال لتحديد نقطة التكافؤ الكهربائي لأحد الأحماض الأمينية؛ سنتطرق أولًا لبنية الحمض الأميني، والذي يتألف من سلسلةٍ جانبيةٍ من الجذور الكربوينة، ومجموعتين وظيفيتين طرفيتين هما المجموعة الأمينية القاعدية ذات الشحنة الموجبة لاستقبالها بروتونات الوسط، والمجموعة الكربوكسيلية الحمضية والسالبة الشحنة بسبب فقدانها للبروتون، وهذا ما نشاهده في الشكل التالي للبنية العامة لأحد الأحماض الأمينية، وقد فقدت المجموعة الكربوكسيلية بروتونوها فاكتسبت شحنة سالبة، واكتسبت الوظيفة الأمينية البروتون فامتلكت لشحنة موجبة؛ وبهذا أصبح الحمض الأميني متعادل الشحنة أي لا يحمل أية شحنات إضافية، أو ما يسمى zwitterions.

نقطة التكافؤ الكهربي

فماذا يحدث لو وضع هذا الحمض الأميني في وسط حمضي غني بالبروتونات؟ هنا ستستقبل الوظيفة الأمينية البروتونات فتكتسب الشحنة الموجبة، في حين تتعادل المجموعة الكربوكسيلية باكتسابها البروتون، فيصبح جزيء الحمض الأميني موجب الشحنة (+1)، وعلى العكس من ذلك، في الوسط القلوي الغني بالجذور الهيدروكسيلية، تتعادل المجموعة الأمينية بفقدانها للبروتون، أما المجموعة الكربوكسيلية فتكتسب شحنة سالبة بفقدانها للبروتون، وبذلك يصبح الحمض الأميني سالب الشحنة.

نقطة التكافؤ الكهربي نقطة التكافؤ الكهربي

فإذا تتغير شحنة الحمض الأميني بين درجتي الـ pH السابقتين، وفي درجة بينهما حين تتعادل شحنة الحمض الأميني تكون نقطة التكافؤ الكهربائي له.

ولحساب هذه النقطة للحمض الأميني عمومًا، يمكن اللجوء للمعادلة التالية:

نقطة التكافؤ الكهربي

حيث pka هي اللوغاريتم السالب لثابت التفكك الحمضي لكلٍّ من الوظيفتين، ويأخذ القيمة 9 للوظيفة الأمينية، و2 للوظيفة الكربوكسلية، وعليه تأخذ pI القيمة 5,5، مع مراعاة احتمال وجود مجموعة وظيفية في السلسلة R .

يُعدّ مفهوم نقطة التكافؤ pI الأساس في تقنية الفصل بالاعتماد على نقطة التكافؤ الكهربائي isoelectric focusing (IEF) لفصل المركبات الأمفولية (وهي المركبات ذات الطبيعة المزدوجة الحمضية والقاعدية وفقًا لدرجة حموضة الوسط) كالبروتينات والببتيدات، واللذان يتكونان من الأحماض الأمينية، فمبدؤها الأساسي هو تطبيق مجال كهربائي ضمن تدريجاتٍ مختلفةٍ من الـ pH، وبمجرّد وصول الجزيء إلى الشحنة صفر وهي نقطة التكافؤ الكهربائي يحدث الانفصال أو الترسب.

بالإضافة لفصل البروتينات، اُستخدمت تقنية الفصل بالاعتماد على نقطة التكافؤ الكهربائي (IEF) في مجالات عديدة منها الكيمياء الحيوية، والبيولوجيا الجزيئية وعلم المناعة والكيمياء السريرية وغيرها، فيمكن بالاعتماد عليها فصل الأنواع المختلفة من الخلايا، ويتفوّق على تقنية الرحلان الكهربائي في إمكانية تحديد خصائص سطح الخلية حتى عمق 60 أنغستروم، أي ما يقارب ثلث جدار الخلية البكتيرية، كما أتاحت هذه التقنية إمكانية تمييز الهرمون (FSH) لكلٍّ من البشر والخيول والأغنام، وغيرها من التطبيقات الأخرى.

أكمل القراءة

هل لديك إجابة على "ما هي نقطة التكافؤ الكهربي"؟