مر على تاريخ صناعات الطائرات تقنيات وأساسات مختلفة في تركيبها وتصنيعها، جميعها يهدف لتحسين عامل الأمان عند الصعود إليها بجانب سرعتها وجودتها، لكن يبدو أن بعض الأشياء لا تتغير، وأحد هذه الأشياء هو الصندوق الاسود في الطائرات.

ما هو الصندوق الاسود

الصندوق الاسود هو جزء رئيسي من الطائرة، لا يتعلق بآليات التحكم بها وإنما هو آلة منفصلة تقوم بتسجيل كافة التغييرات التي تشهدها الطائرة أثناء رحلتها، وهذا يشمل كافة الأوامر التي تلقتها.

هنالك قسمان من الصندوق الاسود في الطائرات، واحد يدعى مسجل بيانات الرحلة “FDR”، والأخر يحمل اسم مسجل الصوت لقمرة القيادة “CVR”، وكلاهما يتواجد في الطائرة معًا.

هذا ويعتبر الصندوق الاسود من الأدوات المهمة في استيعاب ما حدث للتحقيق قبل تعرضها لحادث تحطم أو هبوط مفاجئ، نظرًا إلى طبيعة عمله التي تستوجب تسجيل كل ما حدث قبل الطائرة، ومن الطبيعي أن يتكون الصندوق من مواد صلبة للغاية للحفاظ على أهميته في التسجيل والبيانات التي سجلها حتى بعد الحوادث الكوارث.

من المكونات الرئيسية للصندوق الاسود، المرشد اللاسلكي، وهذا المرشد يعمل بشكل تلقائي عندما يتعرض الجهاز لأي نوع من المواد السائلة بحيث يبدأ بإرسال إشارات وموجات فوق الصوتية لا تستطيع الأذن البشرية سماعها، وإنما تلتقطها أجهزة خاصة.

يتموضع الصندوق في خلفية الطائرة، وذلك لأجل الحفاظ على أكبر احتمال ممكن لنجاته، وتعرضه لأقل ضرر عند الحوادث وتحطم الطائرة أو انفجارها.1

استخدام الصندوق الاسود

يتم تجهيز كل طائرة مع هذا الصندوق، ويبدأ بالعمل بشكل طبيعي فور إقلاع الطائرة، ويقوم صندوق مسجل بيانات الرحلة “FDR” بتسجيل كافة التعليمات المرسلة إلى أي أنظمة إلكترونية على متن طائرة خلال رحلة الطيران، وهذا يشمل كل المعلومات الهامة عن الطائرة مثل السرعة والارتفاع وتدفق الوقود.

مسجل الصوت لقمرة القيادة “CVR” يحتفظ بسجل للمحادثات التي تجري بين المسؤولين عن قيادة الطائرة بجانب المحادثات مع مراقبة الحركة الجوية، وأيضًا الأصوات المحيطة بظهر أو سطح الطائرة، ومثل هذه المعلومات تكون مهمة للغاية في اكتشاف ما حدث قبل الحوادث.

من الجدير بالذكر أن أهمية الصندوق الاسود ازدادت بعد كارثة الطائرة Boeing 737 MAX التي سقطت في مياه البحر وأغرقت معها 178 ضحية، وبعد أن تم استعادة الصندوق من عمق البحر، ساعت المعلومات التي سجلها في التحقيق بشأن الأسباب وراء الحادثة.2

متانة الصندوق

عندما تتعرض الطائرة لحادث وتتحطم، فمن الممكن أن تبقى في ركام تحت الأرض أو تحت المياه لفترة طويلة، ولهذا يتم أخذ ذلك في الحسبان عند الصندوق.

يتكون الصندوق الاسود في العادة من طبقة ألمنيوم، وطبقة أخرى سماكتها 1 إنش لعزل الحرارة العالية، ويُغَلّف بالفولاذ المقاوم للتآكل والصدأ.

كما ويجب على الصندوق أن يتحمل صدمة تعادل الاصطدام بسرعة 310 ميل في الساعة، وتحمل حرارة تصل إلى 2000 فهرنهايت (لنحو ساعة واحدة)، ويجب على المرشد اللاسلكي أن يُصدر إشارة مرة واحدة كل ثانية حتى ولو كانت تغمره المياه المالحة بعمق 20 ألف قدم ولمدة 30 يوم (أي إلى حين نفاد البطارية)، والمرشد اللاسلكي نفسه من المفترض أن يصمد لمدة تقارب ست سنوات.

مسجل بيانات الرحلة “FDR” من المفترض أن يستطيع تسجيل 25 ساعة من المعلومات، بينما مسجل الصوت لقمرة القيادة “CVR” يستطيع الاستمرار بالتسجيل لنحو ساعتين.

يؤكد الخبراء أنه من النادر للغاية أن يتحطم الصندوق الاسود وقد تم إثبات صحة ذلك على مر التاريخ بعد أن تكررت عدة حوادث نجت منها هذه الصناديق المتينة.3

حقائق عن الصندوق الاسود

إليكم في النهاية أبرز المعلومات والحقائق عن هذا الصندوق المميز:

  • الصندوق الاسود ليس أسودًا لسخرية الأمر، بل هو برتقالي ساطع.
  • الصندوق يتألف من صندوقين وليس صندوق واحد.
  • الاختراع الأول لهذا الصندوق كان على يد الأسترالي David Warren الذي تأثر بوفاة والده في حادث طائرة خلال سنة 1934، واخترع في سنة 1956 أول نموذج لآلة تسجيل معلومات الطائرة، ولم تلقى اهتمام كافيًا حتى مرور عدة سنوات.
  • الخبراء لا يعترفون باسم “الصندوق الاسود” بل يبدو أن هذه التسمية تناقلتها وسائل الإعلام لسهولتها، وهنالك نظريات عديدة حول أصول التسمية، فربما تعود إلى ظلمة التصاميم الأولية من الداخل أو وصف الصحفيين له.
  • مسجل الصوت لقمرة القيادة “CVR” يستطيع تسجيل ساعتين فقط من المحادثات والأصوات، بينما النوع الآخر يمكنه الاستمرار بالتسجيل لنحو 25 ساعة.4

المراجع