هل تعاني من التعبِ الزّائد عند أقلّ جُهد؟ هل تشعر بضيقِ تنفسٍ يكاد يطبق على صدرك؟ هل يتملّكك صُداعٌ ودُوارٌ لا يكادان ينفكّان عنك؟ وهل ينبض قلبك بسرعةٍ وباستمرارٍ وكأنك في سباقٍ للعدّائين؟. إذا كانت الإجابة بنعم!، فلا بدّ لك أن تسارع إلى مراجعة طبيبك وإجراء الفحوصات الدموية اللازمة فقد تكون مصابًا بفقر الدم نتيجة نقص الحديد في جسمك.

جميع الأجهزة والأعضاء في جسمنا بحاجةٍ للأوكسجين، وتُشكل الكريّات الحمراء نظام المواصلات الذي يؤمّن نقل الأوكسجين من الرئتين إلى جميع أنحاء الجسم. وعندما يعاني أحدنا من فقر الدم فإنما يعاني في الواقع من نقص عدد هذه الكريّات الحمراء. يُعتبر الحديد أحد المكوّنات الأساسيّة للهيموغلوبين، البروتين الذي يشكّل الحجر الأساس في بناء الكريات الحمراء.

وبغياب كمية الحديد الكافية سيعجز جسمك عن تصنيع العدد المطلوب من الكريّات الحمراء مؤدّيًا ذلك إلى انخفاض عددها في الدم، وهذا ما يُعرف بفقر الدم بعوز الحديد (بالإنكليزية: iron deficiency anemia). ولكن ما هي أسباب عوز الحديد؟ وكيف بإمكاني تجنبه أو استدراك النقص في حال وجوده؟

سنخوض في مقالنا هذا رحلةً قصيرةً نتعرف بها عن أهم المعلومات عن نقص الحديد وكيف يتم تشخيصه والوقاية منه وكذلك معالجته.1

أسباب نقص الحديد

ذكرنا أن السبب الرئيسي لفقر الدم بعوز الحديد يرجع إلى نقصان تركيز الحديد في الدم، وهنالك في الواقع جُملةٌ من الأسباب التي قد تكون وراء هذا النقص، نخصُّ منها:

الحِمية الناقصة

لحُسن الحظّ أن الحديد يتوافر في طيفٍ واسعٍ من الأغذية كالسمك والحبوب (مثل القمح والشعير والذرة والأرز) والفاصوليا واللحم وكذلك الخضراوات.

لتجنب نقص الحديد من الجسم؛ توصي منظمة الصحة العالمية بتناول 8 ملغ من الحديد للذكور البالغين، في حين يجب أن يصل الوارد الغذائي من الحديد للنساء البالغات تحت سن الـ50 إلى 18 ملغ يوميًّا و 8 ملغ عند تجاوُزِهِنّ للـ 50.

سوء امتصاص الحديد

قد تحول بعض الحالات المرضية وكذلك بعض الأدوية دون تمكّن الجسم من امتصاص الحديد بالرغم من تناول المريض لكميّاتٍ جيّدةٍ من الأطعمة الغنية بالحديد.

من الاضطرابات المرضيّة التي تسبب ذلك:

  • الاضطرابات المعوية والهضمية، كداء التهاب الأمعاء.
  • إجراء جراحة معوية سابقًا، مثل المفاغرات المعوية الجراحية.
  • بعض الطفرات الوراثية النادرة.

فقدان الدم

ذكرنا أن الهيموغلوبين، المكوّن الرئيسي للكرية الحمراء، أساسه الحديد، لذا من البديهيّ عند فقد الدم أن تحدث نقص الحديد في الجسم على إثر ذلك.

عادةً ما ينجم فقدان الدم عن الجروح والإصابات أو نتيجةً للتبرع والفحوصات الدموية المتكرّرة، وقد تتسبب بعض الحالات المرضية والأدوية في فقدان الدم أيضًا، نذكر منها:

  • النزوف الداخلية على خلفية القرحات الهضمية او السرطانات المعوية.
  • الاستخدام المديد للأسبيرين ومضادات الالتهاب اللاستيروئيدية.
  • النزوف الشديدة أثناء الدورة الشهرية.
  • نزوف في المسالك البولية.
  • إجراء جراحات واسعة.

هنالك بالإضافة إلى ما سبق بعض الحالات الأخرى التي تسبب نقص الحديد كالفشل الكلوي وقصور القلب الاحتقاني وكذلك السُمنة المفرطة.

والجدير بالذكر أن الحديد هامٌ جدًا في مرحلة التطور، لذلك يكون الأطفال والحوامل أكثر عرضةً للإصابة بنقص الحديد وتطوير فقر الدم.2

أعراض وعلامات نقص الحديد

  • الإرهاق غير الاعتيادي: يعتبر التعب والإرهاق المستمر بدون سببٍ أكثر أعراض نقص الحديد شيوعًا، فعندما لا يمتلك جسمك ما يكفي من الهيموغلوبين بسبب انخفاض الحديد لديك، فإذن ذلك يعني أن كميةً أقل من الأوكسجين تصل إلى عضلات وأنسجة جسمك وهذا في الواقع ما يسبب لك الإرهاق المستمر.
  • ضيق التنفس: مع انخفاض قدرة الكريّات الحمراء على نقل الأوكسجين فإن الجسم يحاول معاوضة هذا النقص بزيادة معدّل التنفّس لديك لكي يستطيع تأمين الحد الأدنى المطلوب من الأوكسجين لأنسجة الجسم المختلفة. فإذا ما وجدت نفسك تلهث لمجرد قيامك بالأعمال الروتينية كالمشي وصعود الدرج فإن نقص الحديد قد يكون المُلام على ذلك.
  • الصدّاع والدوار: كما قلنا سابقًا أن نقص الهيموغلوبين يعني انخفاض كمية الأوكسجين في الجسم بشكلٍ عام وفي الدماغ بشكلٍ خاص، مما يستوجب حدوث توسّع بسيط في أوعية الدمغ حتى تأتي بكمية الدم والأكسجين الكافية لعمل الدماغ، وهذا بدوره سيسبب صداعًا مستمرًّا.
  • خفقان القلب: خفقان القلب يعني ارتفاع عدد ضربات القلب إلى مستوى غير طبيعيٍّ (يزيد عن 100 ضربة في الدقيقة)، ومردّ ذلك أيضًا إلى نقص الأوكسجين، ويقع عبء ذلك على القلب فيزيد من عدد مرّات خفقانه ليدفع بأكبر كمّيةٍ من الدم لتأمين الأوكسجين الكافي للجسم.

هنالك بالإضافة إلى ما سبق جملةٌ من الأعراض الأقل شيوعًا و التي ترافق نقص الحديد كالشحوب وجفاف الجلد وتورّم اللسان واحمراره وكذلك وجود انخفاضات تشبه الملعقة على الأظافر.3

تشخيص نقص الحديد

بإجراء اختبار دمٍ بسيطٍ يمكن لأحدنا التأكد من وجود نقصٍ في الحديد لديه. عادةً ما يكفي إجراء تعداد دم كامل (CBC) للكشف عن وجود نقص الحديد، إلا أن الطبيب قد يلجأ إلى اختباراتٍ إضافيةٍ للتأكد من مستويات الحديد بالضبط وتحديد كمية الحديد التي يحتاجها الجسم بدقّةٍ (إذ إن زيادة كمية الحديد في الجسم له مضارّه أيضًا).

في حال كنت تعاني من نقص الحديد فإن نتائج الاختبار الدموي عادةً تكون كالتالي:

  • انخفاض في هيموغلوبين الدم (Hg).
  • انخفاض في هيماتوكريت الدم (Hct).
  • انخفاض في حجم الكريات الوسطي (MCV).
  • انخفاض في حديد مصل الدم (FE).

وفي الحالات الشديدة قد يترافق نقص الحديد من نقص في تعداد كريات الدم البيضاء(WBC) المسؤولة عن مناعة الجسم وكذلك زيادة أو انخفاض في تعداد صفائح الدم.4

معالجة نقص الحديد

نقص الحديد

يبدأ علاج نقص الحديد عادةً من تحديد السبب الكامن وراءه، يتلو ذلك زيادة كمية الحديد في الحمية الغذائية اليومية إما بتناول الأطعمة الغنية بالحديد أو بأخذ مكمّلات غذائية (حبوب أو مضغوطات دوائية) وفق ما يحدده الطبيب.

تتحدد المدة الكافية لأخذ المكمّلات تبعًا لشدّة عوز الحديد في الجسم. لا بد من التنويه إلى أن أدوية مكمّلات الحديد سامّة بالجرع الكبيرة خاصّةً عن الأطفال لذا يجب وضعها بعيدًا عن متناول أيديهم.

لا تتطلب جميع حالات نقص الحديد تناول مكمّلات الحديد الدوائية وإنما يقتصر ذلك عادةً فقط على الحالات الشديدة، ففي الحالات البسيطة والمتوسّطة من نقص الحديد يكفي تركيز المريض على تناول حميةٍ غنيّةٍ بالحديد وخصوصًا الخضراوات كالسبانخ.

غالبًا ما ستشعر بالتحسّن خلال بضعة أيّام من بدء العلاج، ومع ذلك لابدّ من الاستمرار بإجراء الاختبارات حتى التأكد التام من عودة حديد الدم إلى نسبه الطبيعيّة.5

المراجع