مجازر الارمن ربما من أكثر الحوادث المؤسفة التي مرَّت بها البشرية خلال تاريخها الطويل وخصوصًا في تاريخها المعاصر.

لنتعرف إذًا على هذه البقعة السوداء من تاريخنا ونأمل عدم تكررها أثناء تعلمنا من أخطاء أسلافنا.

ما هي مجازر الارمن

مجازر الارمن أو مذابح الأرمن تعرف بأسماءٍ عديدةٍ على مرِّ التاريخ مثل المحرقة الأرمنية والمذبحة الأرمنية أو الجريمة الكبرى، وهي حملة الترحيل والقتل الجماعي التي نفذتها الحكومة التركية الفتية ضد الرعايا الأرمن في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

وتعتبر الإبادة الجماعية للأرمن حادثةَ ذبحٍ قاسيةٍ لملايين الأرمن على يد الأتراك العثمانيين، حيث في عام 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى أطلق قادة الحكومة التركية خطةً لطرد الأرمن ومذبحتهم.

وبحلول أوائل العشرينات من القرن الماضي عندما انتهت المجازر وعمليات الترحيل أخيرًا، مات ما بين 600000 و 1.5 مليونٍ أرمنيٍّ، بجانب إبعاد الكثير منهم قسريًا من البلاد.

واليوم يصف معظم المؤرخين هذا الحدث بأنه إبادةٌ جماعيةٌ: حملةٌ متعمدةٌ ومنهجيةٌ لإبادة شعبٍ بأكمله. ومع ذلك لا تزال الحكومة التركية لا تعترف بضخامة أو نطاق هذه الأحداث على هذه الصورة، حيث يتهم الأرمن أن الحملة كانت محاولة متعمدة لتدمير الشعب الأرمني وبالتالي كانت عملية إبادةٍ جماعيةٍ، وقد قاومت الحكومة التركية الدعوات للاعتراف بها على هذا النحو، بدعوى أنه على الرغم من وقوع الأعمال الوحشية لم تكن هناك سياسة إبادةٍ رسميةٍ تم تنفيذها ضد الشعب الأرمني كمجموعةٍ. 1

أسباب مجازر الارمن

لا شيء يبرر هذه الجرائم بالتأكيد، ولكن لكل شيءٍ بداية ومحفز، حيث بين عامي 1894 و 1896 يقال أن السلطان عبد الحميد الثاني بدأ ما يمكن قوله شكل من أشكال المذابح أقرتها الدولة، حيث أكد أنه سيقف ضد الأرمن ويمنعهم من تحقيق طموحاتهم ويجد حلًا جذريًّا بالنسبة لهم.

بالطبع لم يقبل سكان الأرمن بهذه المواجهة لهم وكان هنالك معارضاتٌ واسعةٌ، واستجابةٌ لاحتجاجاتٍ واسعة النطاق من جانب الأرمن قام المسؤولون العسكريون الأتراك والجنود والرجال العاديون بطرد القرى والمدن الأرمينية وقتلوا مواطنيهم. قتل مئات الآلاف من الأرمن.2

التاريخ قبل المجزرة

لقد أقام الشعب الأرمني منزله في منطقة القوقاز بأوراسيا منذ حوالي 3000 عام لفترةٍ من ذلك الوقت، وكانت مملكة أرمينيا كيانًا مستقلًا، وفي بداية القرن الرابع الميلادي، على سبيل المثال، أصبحت أول دولةٍ في العالم تجعل المسيحية دينها الرسمي.

ولكن في معظم الأحيان تحولت السيطرة على المنطقة من إمبراطورية إلى أخرى، وخلال القرن الخامس عشر دخلت أرمينيا الإمبراطورية العثمانية العظيمة.

ويقال أن الحكام العثمانيين لم يكونوا عادلين في معاملتهم مع الأرمن، ويعتقد أن الأسباب كانت تتمحور حول اختلافاتٍ دينيةٍ، وكان على السكان غير المسلمين دفع جزيةٍ ماليةٍ ولم يتمتعوا بكافة الحقوق المدنية والسياسية.

لكن على الرغم من هذه العقبات – أو ما قد يدعو إلى بعض التناقض في نقل التاريخ – ازدهر المجتمع الأرمني تحت الحكم العثماني، وكانوا يميلون إلى أن يكونوا أفضل تعليمًا وأكثر ثراءً من جيرانهم الأتراك، الذين بدأت مشاعر الاستياء بتملكهم تجاه الأرمن.

وقد تفاقم هذا الاستياء من الشكوك بأن الأرمن المسيحيين سيكونون أكثر ولاءً للحكومات المسيحية (مثل الروس على سبيل المثال الذين يشتركون في حدودٍ غير مستقرةٍ مع تركيا) مما كانوا عليه مع الخلافة العثمانية.

أصبحت هذه الشكوك أكثر حدةً مع انهيار الإمبراطورية العثمانية، وفي نهاية القرن التاسع عشر أعلن السلطان التركي المستبد عبد الحميد الثاني وهو غاضبٌ من الحملة الأرمنية الناشئة لكسب الحقوق المدنية الأساسية، أنه سيحل المسألة الأرمنية نهائيًا، ويعتقد أن هذه كانت بداية المجازر القاسية.3

الأتراك الشباب والمجزرة الأولى

في عام 1908 وصلت حكومةٌ جديدةٌ إلى السلطة في تركيا. أطاحت مجموعةً من الإصلاحيين الذين أطلقوا على أنفسهم “الأتراك الشباب” بالسلطان عبد الحميد وأنشأوا حكومةً دستوريةً أكثر حداثةً.

في البداية كان الأرمن يأملون في أن يكون لهم مكانٌ متساوٍ في هذه الدولة الجديدة لكنهم سرعان ما أدركوا أن ما يريده الأتراك الشباب القومي أكثر من أي شيءٍ آخر هو إمبراطوريةٌ تركيةٌ.

وفقًا لطريقة التفكير هذه كان غير الأتراك – وخاصة المسيحيين من غير الأتراك – يشكلون تهديدًا خطيرًا للدولة الجديدة.

وأثناء الحرب العالمية الأولى بدأ القادة العسكريون يجادلون بأن الأرمن كانوا خونة، فإذا ظنوا أنهم قادرون على الفوز بالاستقلال إذا انتصر الحلفاء، الأرمن سيكونون متحمسين للقتال من أجل العدو حسب هذه المعتقدات.

مع اشتداد الحرب نظم الأرمن كتائب المتطوعين لمساعدة الجيش الروسي في قتال الأتراك في منطقة القوقاز، وقد أدت هذه الأحداث مع الشك التركي العام للشعب الأرمني، إلى ضغط الحكومة التركية من أجل “إزالة” الأرمن من مناطق الحرب على طول الجبهة الشرقية.

في 24 أبريل 1915 بدأت الإبادة الجماعية للأرمن، وفي ذلك اليوم اعتقلت الحكومة التركية وأعدمت عدة مئاتٍ من المثقفين الأرمن.

بعد ذلك طُرد الأرمن العاديون من منازلهم وأُرسِلوا إلى مسيرات الموت عبر صحراء بلاد ما بين النهرين دون طعامٍ أو ماءٍ.4

المراجع