مرت مصر بمراحلَ عديدةٍ قبل أن تؤول في النهاية إلى الجمهوريَّة المصريَّة التي نعرفها اليوم، ولطالما كانت مصر مركز قوة في المنطقة، وكانت فكرة السيطرة عليها أمرًا في غاية الأهمية للقوى الاستعمارية، ممَّا جعلها ساحة حربٍ للبريطانيين والعثمانيين والفرنسيين وغيرهم من المحتلين على مرِّ العصور، وخلال هذه العصور حكم مصر العديد من الحكام، ولو أردنا تصنيفهم وترتيبهم حسب أعمالهم وأثرهم في مصر لكان الحاكم محمد علي باشا أبرز هؤلاء الحكام وأهمهم، فقد حكمت الدولة العثمانيَّة مصر اسميًّا فقط في عهده بينما كان هو الحاكم الفعلي وصاحب القرار.

نشأة محمد علي باشا

ولد محمد علي باشا عام 1769 م من أبوين ألبانيي الأصل في مدينة  كافالا ضمن مقدونيا الشرقية التابعة لليونان حاليًّا، والتي كانت واقعةً ضمن سلطة الاحتلال العثماني آنذاك، توفي والد محمد علي ليتَيتَم محمد علي في سن الرابعة، كما لم تعش أمه طويلًا فماتت في عامه الرابع عشر.

أخذه بعدها عمه طوسون الذي لم يعش طويلًا ليكفله بعدها حاكم  كافالا وصديق أبيه سابقًا، ممَّا جعل محمد علي يقاسي مرارة اليتم سنين طويلة دون استقرارٍ، وشكّل انضمامه للجندية نقطة التحول في حياته حيث بدأت تتبلور شخصيته القياديَّة.

تزوج بعدها من امرأةٍ غنيةٍ اسمها أمينة، أنجبت له خمسة أولادٍ منهم ثلاثة صبيان هم إبراهيم وطوسون وإسماعيل.  1   

قيادة الحملة العثمانيَّة على مصر

أرسل العثمانيين حملتهم لاحتلال مصر عام 1801 م، وكان ابن حاكم كافالا رئيسًا للكتيبة الألبانية المبعوثة والتي كانت مؤلفةً من قرابة الثلاثمائة جندي، إلَّا أنَّه اضطر للانسحاب عائدًا إلى كافالا ليبقى نائبه محمد علي ويترأس الكتيبة الألبانيَّة.

كانت مصر محل منافسةٍ من قبل القوى في المنطقة؛ فقد أرسلت فرنسا حملتها بقيادة نابليون لاحتلال مصر وبالفعل تغلب على المماليك واحتل مصر، لتطرد القوات البريطانية الفرنسيين لاحقًا ويبقى محل السلطة في مصر شاغرًا تتصارع عليه القوى الوطنية، المماليك بدعمٍ بريطانيٍّ، وقوات محمد علي بدعمٍ عثمانيٍّ.

وصوله إلى السلطة

عمل محمد علي لفترةٍ طويلةٍ في تجارة التبغ، وتمكن بين عامي 1801-1805 م من كسب التجار في مصر بالإضافة إلى رجال الدين بحنكةٍ وخبرةٍ، فانتخبه أهل مصر عام 1805 م ليكون واليها وحاكمها، وبذلك كانت قوة محمد علي تكمن في التأييد الشعبي له، إلَّا أنَّ خطر المماليك بقي قائمًا، فشكّلوا تهديدًا حقيقيًّا لمحمد علي وسلطته. ودارت الكثير من المعارك بين المماليك وقوات محمد علي؛  وحانت فرصة محمد علي للقضاء على سلطة المماليك من خلال خطةٍ محكمةٍ أفضت بمجزرةٍ عرفت بمذبحة القلعة كانت بمثابة ضربة قاضية أنهت حكم المماليك في مصر. 

كانت المطامع الإنكليزية في مصر كبيرةً، فكان الإنكليز ينتظرون الفرصة المناسبة لتوجيه ضربة للعثمانيين في مصر واستعمارها، فأرسلت إنجلترا حملةً بقيادة فريزر إلى مصر، ولكن شكّل الدعم الشعبي الذي يحظى به محمد علي العامل الحاسم في انتصاره، إذ ساعد السكان قوات محمد علي في مقاومة الإنجليز، وكان له الغلبة في النهاية لينسحب فريزر وجنوده إلى إنجلترا حاملين معهم ذيول الخيبة.

أثبت محمد علي جدارته في مصر، وأصبح لقبه الباشا (يشير العثمانيين إلى أفراد الطبقة النبيلة بهذا اللقب)، كما كان يعتبر نائب الوالي العثماني في مصر عام 1805م، لِتَعلوَ مكانته لاحقًا ويصبح والي مصر وسلطانها بينما يكون الحكم العثماني حكمًا اسميًّا فقط.

وما أن وصل محمد علي إلى السلطة حتى راح يزيح كل من يشاركه في صناعة القرارات، وأهمهم الزعماء الشعبيين الذين ساعدوه في الوصول إلى الحكم.  2   

مصر في عهد محمد علي باشا

كان لوجود محمد علي باشا على عرش الحكم في مصر دورٌ كبيرٌ في ازدهار مصر في تلك الحقبة؛ فمحمد علي كانت له السلطة المطلقة في مصر دون تدخل العثمانيين، وبذلك لم يحدث في مصر ما حدث في الدول التي كانت تحت الحكم العثماني مثل بلاد الشام، حيث استغل العثمانيون تعدد الطوائف لتكريس الخلافات وخلق جو من التفرقة في هذه البلدان، بالإضافة للقمع الفكري ومحاولة محو حضارة هذه البلدان.

أرسى محمد علي دعائم حكمه وبدأ ببناء مصر في كافة الجوانب، وأبرز ما قام به:

  • الزراعة: خصص مساحاتٍ كبيرةً لزراعة التوت للاستفادة منه في إنتاج الحرير، كما زرع الأشجار على مساحاتٍ واسعةٍ للحصول على الخشب اللازم للصناعات المختلفة، كما طور نظام الري.
  • الصناعة: أسس محمد علي باشا عددًا ضخمًا من المصانع كمصانع سبك الحديد والنحاس، ومصانع الأقمشة والألبسة والحبال، وكانت الأولوية لهذه المصانع هي دعم الجيش وتأمين ما يلزمه من احتياجاتٍ.
  • التعليم: بنى محمد علي المدارس والكليات الجامعية، وأولى اهتمامًا كبيرًا لهذا القطاع؛ فقد علم أنَّ التعليم أساس التطور، كما أرسل البعثات التعليمية إلى أوروبا.
  • الجيش: شكّل الجيش المؤسسة الأهم في عهد محمد علي، وكان تعزيز الجيش هو الأولوية القصوى في تلك المرحلة، فلم تهدأ الحروب حينها من حرب محمد علي على الوهابيين إلى حملته على السودان وبلاد الشام؛ لذلك وجب تطوير الجيش باستمرارٍ.
  • إداريًّا: اعتمدت مصر على نظام المؤسسات؛ فتميزت بتنظيمٍ إداريٍّ ناجحٍ، كما أنشأ محمد علي مجلسًا سماه الديوان الأعلى -شبيه بمجلس الشعب حاليًّا- وبالتالي لم يكن ذلك الحاكم المستبد إنما يمكن وصفه بالحاكم الأوتوقراطي.  3     

 وفاة محمد علي

بعد أن ساد السلم في المنطقة واستقر الوضع في البلاد بشكلٍ عام، دخل محمد علي في حالةٍ نفسيَّةٍ من القلق يمكن القول أنه حصيلة سنوات التخطيط والحروب التي صعدت به من شخصٍ عاديٍّ إلى حاكمٍ لمصر، وتطورت حالته ليُصاب بالخرف ممَّا استدعى أولاده إلى عزله عن العرش ليتولى الحكم ابنه إبراهيم الذي لم يطل حكمه إذ توفي بعد قرابة 6 أشهر من توليه الحكم. ثم تولّى أخوه طوسون الحكم من بعده، وبعد وفاة طوسون لم يعش محمد علي طويلًا وتوفي في الإسكندريَّة عام 1849م.  4