مركبة نيوهورايزون

الموسوعة » علوم » مركبة نيوهورايزون

يضِج فضاؤنا الواسع بالكثير من الأسرار والخبايا التي لازلنا لا نعلم عنها إلا الشيء القليل، ومنذ بدأت أولى الرحلات إلى الفضاء عام 1961 بدأت البعثات الاستكشافية الفضائية تتالى، وأبرز هذه الرحلات التي انطلقت في القرن الواحد والعشرين هي مركبة نيوهوايزون. في مقالنا هذا سنتعرّف بالتفصيل عن المعلومات التي تتعلّق بهذا المركبة وعن التفاصيل التقنية الخاصّة بها، سنتطرّق كذلك إلى المهام التي تمَّ إنجازها من قبل مركبة نيوهورايزون.

إطلاق المركبة ورحلتها

مركبة نيوهورايزون

مركبة نيوهورايزون (بالإنكليزية New Horizons Spacecraft) هي مركبةٌ فضائيةٌ ذات تحكمٍ عن بعدٍ متطوّرةٌ وهي أولى المركبات التي أطلقتها البشرية لاستكشاف المنطقة الثالثة (Third Zone) في نظامنا الشمسي، والتي تُعرف بحزام كيوبيتر المظلم والبارد والذي يمتد من على بعد 30 و.ف (وحدة فلكية والتي تُعادل 150 مليون كيلومتر) قُرب مدار كوكب نبتون وحتى 50 و.ف بعيدًا عن الشمس.

تم إطلاق رحلة مركبة نيوهورايزون في 19 كانون الثاني عام 2006 من كاب كانفيرال في ولاية فلوريدا بواسطة وكالة ناسا الفضائية الأمريكية، حيث تمكّنت المركبة من الوصول إلى كوكب المشتري بعد عامٍ واحدٍ من إطلاقها (في 28 شباط من عام 2007) وقدّمت للبشريّة صورًا مُذهلةً ودقيقةً للكوكب والأقمار التابعة له، وكذلك النظام الحلقي المُحيط به.

بعد 7 سنين، وتحديدًا في تموز من عام 2015، نجحت مركبة نيوهورايزون بالوصول إلى هدفها الأساسي، بلوتو. أظهر الاستكشاف الذي أجرته المركبة للكوكب القزم العالم المتنوّع المُدهش لبلوتو من الشقوق والتجويفات إلى الأنهار الجليدية، كما أظهرت لنا وجود قلبٍ متجمّدٍ من الجليد النيتروجيني.§

مهام مركبة نيوهورايزون

انطقلت نيوهورايزون وفي قائمتها العديد من مهام البحث والاستكشاف الفضائية، وفيما يلي أهم الأهداف التي وُضعت لتحقيقها خلال الرحلة:

  • وضع تخطيط واضح لدرجة حرارة والعناصر المكوّنة لسطح كل من الكوكب القزم بلوتو وقمره شارون، وقد أنجزت المهمة بنجاحٍ.
  • تحديد الطبيعة الجيولوجية والمورفولوجية لسطح بلوتو والقمر شارون.
  • تحديد طبقات الغلاف الجوي المُحايدة لبلوتو ونسبة نجاح عمليّات الإقلاع منه (في حال نجت أي مركبةٍ في الهبوط عليه).
  • بحث وتقصي وجود طبقات غلاف جوي للقمر شارون، وقد تمَّ البحث بواسطة المستشعرات في مركبة نيوهورايزون بنجاحٍ ولم يُشاهد غلاف للقمر إطلاقًا.
  • استقصاء وجود نظام حلقي أو أقمار إضافيّة لبلوتو، ولم يُشاهد أثناء استطلاع المركبة أيّ منها.§

مسار مركبة نيوهورايزون حتى الآن

كما ذكرنا سابقًا، فإن مركبة نيوهورايزون انطلقت منذ عام 2006 وتخطّت كوكب المشتري عام 2007 ووصلت بنجاحٍ إلى بلوتو عام 2015، ولازالت حتى الآن في رحلات بحثٍ واستطلاعٍ مستمرّة لحزام كيبوبيتر، وفيما يلي أهم المحطّات التي تجاوزتها المركبة حتى الآن:

تخطي كوكب المشتري

عبرت مركبة نيوهورايزون محطّتها الأولى، كوكب المشتري، بعد سنةٍ من انطلاقها ونجحت بالاقتراب حتى مسافة 2.4 مليون كيلومتر من الكوكب، وهي أولى المركبات التي نجحت في الوصول إلى كوكب المشتري بعد رحلة مسبر غاليليو الناجحة سنة 2003.

من بين الصور المُذهلة التي أرسلتها مركبة نيوهورايزون للأرض هي صور القمر آيو (IO)، قمر المشتري البركاني، والتقطت أوضح الصور حتى الآن لبركان تفاشتار على سطح القمر، حيث تزيد مساحة البركان لوحده على مساحة ولاية تكساس الأمريكية بالكامل.

بعد عمليات التقصي التي قامت بها مركبة نيوهورايزون للمشتري قام الباحثون في وكالة ناسا بوضع المركبة تحت وضعية السكون منذ ذلك العام من أجل الحفاظ على الطاقة وتفادي حدوث الأعطال، وقاموا بإعادة تشغل المركبة عام 2014 عندما اقتربت من بلوتو من أجل عمليّة البحث التالية للهدف.

الوصول لبلوتو

أعلن العام 2015 مع قدومه وصول مركبة نيوهورايزون إلى بلوتو وبدأت بعمليّات التصوير والبحث بشكلٍ مكثّفٍ لدرجة أنّ الاتصالات مع المركبة توقّفت لفترةٍ حتى انتهت من تقصي الكوكب القزم بالكامل، واحتفل الباحثون في وكالة ناسا في اللحظة التي وصلت أولى الاتصالات من المركبة، وعلموا أن الصور والنتائج في طريقها إليهم.

على بعد 5 مليار كيلومتر من الأرض (ما يعادل 3 مليار ميل)، شكّل استمرار المركبة في عملها بحد ذاته تحديًّا للخبراء، فعلى هذا البعد تكون أشعة الشمس ضعيفةً وبالكاد يمكنها مساعدة مولّد المركبة الرئيسي (مولّد RTG) على تزويد المركبة بالطاقة الكافية، بالإضافة إلى المسافة الطويلة التي تفصل المركبة عن الأرض والتي تجعل من عمليّات التحكّم والتواصل بطيئةً، حيث استغرقت أولى الصور للوصول من مركبة نيوهورايزون إلى الأرض حوالي 4.5 ساعة.

أظهرت الصور التي أرسلتها المركبة تضاريس جديدةً لبلوتو، حيث كانت هنالك سلاسل جبلية على ارتفاع 3500 متر ويُقدّر عُمرها بحوالي 100 مليون سنة فقط، وهذا يشير إلى حدوث تبدّلاتٍ هيكليةٍ حديثة لبلوتو، ولكن سبب هذه التبدّلات لا يزال مجهولًا.§

تفاصيل مركبة نيوهورايزون

تفاصيل مركبة نيوهورايزون

تمَّ تصميم المركبة بعنايةٍ فائقةٍ، وقد بلغت تكلفة تصنيعها ما يُقارب 720 مليون دولار، وفيما يلي أهم التفاصيل المتعلّقة بمكوّنات مركبة نيوهورايزون:

  • البنية: تتألف المركبة بشكلٍ أساسيٍّ من هيكلٍ من الألمنيوم المتين الذي يدعم باقي أجزاء المركبة.
  • نظام البيانات: يتألف نظام البيانات في مركبة نيوهورايزون من معالج 12 ميغا هرتز من طراز (Mongoose V) والذي يتحكّم في برنامج طيرانٍ آلي معقّد، بالإضافة إلى تفعيله لعمليات التصوير والبحث عند وصوله لنقاطٍ معيّنةٍ ومن ثم إرسال النتائج إلى الأرض.
  • التحكّم الحراري: صممت المركبة لتتحمّل درجات حرارة عالية، وتتألف من عدّة طبقاتٍ عازلةٍ مطلية بلونٍ ذهبيٍّ، مهمّة هذه الطبقات المحافظة على درجة حرارة المركبة بين 10-30 درجة سيليزيوس أثناء الرحلة.
  • نظام التحكّم والتسيير: زّوّدت مركبة نيوهورايزون بنظام تعقّبٍ دقيقٍ للكواكب بواسطة الكاميرات والتي يعتمد عليها الباحثون في مركز ناسا من أجل توجيه المركبة.
  • نظام التواصل: يتألف نظام الاتصال من جهازي إرسال هوائيين بموجةٍ قصيرةٍ على جانبي المركبة (استخدم هذين الجهازين من أجل التواصل عندما كانت المركبة قريبةً من الأرض)، بالإضافة إلى صحنٍ هوائيٍّ بقطر 2.1 متر ذي ترددٍ عالٍ وصحنٍ بقطر 30 سم ذي ترددٍ متوسطٍ، وصحنٍ هوائيٍّ ذي ترددٍ منخفضٍ. هذا النظام يُساعد على ضمان جودة البيانات التي يتم إرسالها وتلقّيها مع كوكب الأرض.
  • نظام الطاقة: تستمد المركبة طاقتها بشكلٍ رئيسيٍّ من مولّدٍ وحيدٍ للحرارية الكهربائية بالنظائر المشعة (يُعرف بمولد RTG) والذي يعتمد على توليد الحرارة من تفكك النظائر المشعة داخله وتحويل الحرارة إلى طاقةٍ كهربائيةٍ لتشغيل المركبة.§

على الرغم من أن رحلة مركبة نيوهورايزون الشيّقة لم تنتهِ بعد إلّا أن المعلومات والبيانات التي قدّمتها للبشريّة حتى الآن شكّلت منعطفًا هامًّا في مجال الدراسات الفضائية، ولا زلّنا في انتظار الاكتشافات المستقبلية التي ستزوّدنا بها مركبة نيوهورايزون.