معلومات عن مضيق باب المندب

الموسوعة » جغرافيا » معلومات عن مضيق باب المندب

تخيّل العيش بين مزرعةٍ ومحطةٍ للوقود، يحتاج مُلّاك المزرعة للوقود، ويحتاج مُلّاك المحطّة لمنتجات المزرعة، هنالك طريقٌ واحدٌ يفصلهما، وأنت المسؤول الوحيد عنه، أنت من يمنع أو يسمح بالمرور عبره؛ هذا مثالٌ مُصغّرٌ يوضّح أهميّة المضائق والمعابر البحريّة، والمشاكل المرافقة لها؛ أمّا الآن فلنبحر خلال مضيق باب المندب أحد أهمّ المضائق على مرِّ السنين.

مضيق باب المندب

مضيق باب المندب، أو بوابة الدموع، معبرٌ بحريٌّ يصل بين شبه الجزيرة العربية في الشمال الشرقي، وإفريقيا في الجنوب الغربي، ويربط بين البحر الأحمر في الشمال الغربي، وخليج عدن والمحيط الهندي في الجنوب الشرقي، بعرض 32 كم، تقسمه جزيرة بيريم إلى قناتين. اكتسب المضيق أهميّةً استراتيجيّةً واقتصاديّةً كبيرةً، وبشكلٍ خاصّ بعد إنشاء قناة السويس، لأنّه شكّل رابطًا بين البحر المتوسّط وآسيا الشرقية، أُطلقت عليه تسمية بوابة الدموع سابقًا رثاءً للنفوس التي ماتت خلال الزلزال الذي مزّق آسيا عن إفريقيا.§.

نبذة تاريخية عن مضيق باب المندب

قُسّم تاريخ مضيق باب المندب إلى المراحل التالية:

المرحلة الأولى (التاريخ السابق للقرن الخامس عشر): هي المرحلة التي كانت فيها القارّة الإفريقيّة على ارتباطٍ بريٍّ بما أصبح لاحقًا شبه الجزيرة العربيّة، وكان لا يزال البحر الأحمر فيها بحرًا داخليًّا، يحدّه السويس شمالًا، وعدن والصومال وجيبوتي جنوبًا، استُخدم كممرٍّ تجاريٍّ بين الشرق والغرب لنقل البضائع عبره إلى البحر الأبيض المتوسط.

المرحلة الثانية (من القرن الخامس عشر وحتى 1869م): خلال هذه الفترة، بدأ البرتغاليون باكتشاف الطريق المحيط بالقارّة الأفريقيّة، إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر عبر خليج عدن ومضيق باب المندب، لاحقًا أصبح هذا المضيق المعبر التجاريّ الرئيسيّ، الذي يربط بين الشرق والغرب، ممّا يقلّل من أهميّة الطّريق القديم، ووجّه أنظار فرنسا وبريطانيا إليه، فعملت فرنسا على إنعاش هذا الممر من خلال الحصول على امتياز فرض رسومٍ مخفّضةٍ على البضائع التي تمرّ عبر مصر، وزاد الاهتمام بعد البدء في حفر قناة السويس التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، في حين واصلت بريطانيا استعمالها للطريق القديم الذي يربطها بأكبر مستعمراتها (الهند)، لنقل المؤن والإمدادات إليها. لاحقًا وخلال القرن التاسع عشر، بدأ استخدام السفن البخاريّة عوضًا عن الشراعيّة، ممّا رفع من كفاءة نشاط هذا الممر.

المرحلة الثالثة (1869م حتى الوقت الحاضر): بدأت هذه المرحلة بافتتاح قناة السويس عام 1869م، التي تربط البحر الأحمر بالأبيض المتوسط، وقصّرت المسافات، فتغيّرت خطوط الملاحة العالميّة، وأصبح المسار الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط أقصر الطرق وأسرعها بين الشرق والغرب، بالإضافة للدّور الذي لعبه المسار في النهضة الثقافية والثّورة الصّناعية في أوروبا، لاختصار المسافة بين دول أوروبا ومصادر المواد الخام وأسواق التصريف، ومنذ أن بدأ استخراج النفط في الخليج العربي، تحوّلت المهمّة الأساسية لهذا المضيق من نقل البضائع والركاب، إلى شريان نفطٍ أساسيٍّ، لنقل السّلعة الاستراتيجية الأهمّ في عالم اليوم.§.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب

الأهمية الاقتصادية

نظرًا لموقع المضيق بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، وبين البحر الأحمر وخليج عدن، ولكونه ممرًّا بحريًّا لصادرات النفط والغاز الطبيعي، من الخليج العربي إلى قناة السويس أو خطّ أنابيب سوميد (Sumed)، تتحدّد حركة ناقلات الشحنات الداخلية والخارجية، ضمن القناتين اللتين تفصلهما جزيرة بيريم، ويتحكم المضيق بحركة الشحنات، ففي حال إغلاقه ومنع حركة الناقلات من الخليج العربي إلى قناة السويس أو أنابيب سوميد، ستتحول حركتها حول إفريقيا، ممّا يزيد من تكاليف الشحن والوقت.

عام 2016م، قُدّر تدفّق 6.2 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام، والمنتجات النفطيّة المكرّرة عبر مضيق باب المندب إلى أوروبا والولايات المتّحدة وآسيا، بزيادة حوالي 5.1 مليون برميل في اليوم عن عام 2016م، حتى بلغ إجمالي تدفقّات النفط عبر مضيق باب المندب حوالي 9% في عام 2017م، من إجماليّ النفط المنقول في البحر.

فيما يتعلق بالغاز الطبيعيّ، فلم يكن البحر الأحمر ذا بيئةٍ تحتيّةٍ ملائمةٍ لنقله، ولاحقّا في عام 2017م، بدأت كل من الأردن ومصر باستيراد كميّاتٍ صغيرةٍ من الغاز الطبيعيّ، إلى موانئ البحر الأحمر، حتى بلغت واردات هذه الدول من الغاز الطبيعيّ المسال 1.4 مليار قدمٍ مكعّب/ يوم في عام 2016م، وتمّ تسليم 80% منها عبر مضيق باب المندب، ولكن انخفض إجمالي هذه التدفق مع بدء عمل خطوط الغاز الطبيعيّ في مصر، وظلت التدفقات المتّجهة شمالًا إلى وجهاتٍ أخرى ثابتة إلى حدٍّ ما.§.

الأهمية السياسية

لعلّ مضيق باب المندب هو المضيق الأخطر والأكثر جدلًا سياسيًّا في العالم، نظرًا لما يتمتّع به من أهميّةٍ استراتيجيّةٍ، فهو ممرٌّ مائيٌّ استراتيجيٌّ يقع بين جيبوتي واليمن، يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، تمرّ عبره جميع الصادرات القادمة من الخليج العربي وآسيا والمتجهة إلى الأسواق الأوروبيّة قبل مرورها في قناة السويس.

شكّلت الحرب الأهلية في اليمن، والنزاع الحدوديّ بين إريتريا وجيبوتي، مصدرَ خطرٍ دائمٍّ يحيط بالمضيق في العقود الأخيرة، فقام كلّ من الأمريكيين والصينيين والألمان والفرنسيين والقطريين والإماراتيين، والسعوديين واليابانيين والإيطاليين، بصنع شكلٍ من أشكال الوجود العسكريّ بالقرب من باب المندب، لحماية مصالحهم.

تعاني جمهورية جيبوتي الإفريقية من الفساد السياسيّ، وعدم الكفاءة الاقتصاديّة، والمؤامرة الدوليّة، مستقطبةً العديد من القوى الخارجيّة بسبب موقعها الاستراتيجيّ على باب المندب، حيث أقامت فيها الولايات المتّحدة الأمريكيّة قاعدتها العسكريّة الدائمة الوحيدة في إفريقيا، معسكر ليمونير (Camp Lemonnier)، في حين تفاوت الوجود العسكري الفرنسي والإيطالي والألماني والياباني فيها، وأنشأت الصّين أوّل قاعدةٍ عسكريّة دائمةٍ لها في الخارج في جيبوتي، على الرّغم من أن القاعدة وصفت في البداية بأنها “منشأة إمدادٍ لوجستية” ، إلّا أنّها تستطيع التعامل مع ما يصل إلى عشرة آلاف جنديٍّ، واستخدمها المارينز الصينيون في تدريباتِ الذّخيرة الحيّة، واستثمرت بكّين بشكلٍ كبيرٍ في البنية التحتيّة لجيبوتي، وبلغت حصّة الصين من ديون جيبوتي 91%، فتحولت جيبوتي إلى مركزٍ للصراع الأمريكيّ الصينيّ للسيطرة على موانئها.

عندما بدت الأمور سيّئةً على الشاطئ الجنوبيّ لباب المندب، فبالكاد كانت أفضل على الشاطئ الشماليّ لليمن، فقد دخلت البلاد في حربٍ أهليّةٍ بعد ما أطلق عليه بالربيع العربي، وتحوّلت إلى ساحة صراعٍ بين الحوثيين والإيرانيين من جهةٍ، والسعودية وقوات التحالف العربي من جهةٍ أخرى، وسمحت الفوضى التي عمّت البلاد بانتشار تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ليصبح واحدًا من أقوى التهديدات الإرهابيّة للولايات المّتحدة.

شكّلت هذه الصراعات خطرًا على الشحن البحريّ عبر باب المندب، ففي عام 2016م أطلق المتمرّدون الحوثيون المدعومون من قِبل إيران، الصواريخ على سفينةٍ حربيّةٍ أمريكيّة بالقرب من باب المندب، ونشروا الألغام على طول الساحل اليمنيّ، وهاجموا ميناء المخاء اليمني بواسطة زورقٍ مليءٍ بالمتفجّرات يتمّ التّحكم فيه عن بُعدٍ، وشنّوا عدّة هجماتٍ بحريّة ضدّ السّفن في البحر الأحمر، ومنها ناقلة نفطٍ سعوديّة بالقرب من ميناء الحديدية.

بالجمع بين المشاكل الاقتصادية والسياسية لجيبوتي والتحدّيات الأمنية في اليمن، نحصل على مزيجٍ جيوسياسيٍّ قاتلٍ، يهدّد بشكلٍ مباشرٍ الشّحن الدوليّ عبر مضيق باب المندب.§.

408 مشاهدة