بشكلٍ قطعيٍّ، لا يخلو منهج من مناهج التاريخ المقررة في المدارس العربية من ذكرٍ لاتفاقية أو معاهدة سايكس بيكو عند الحديث عن تاريخ نشوء الدول العربية في منطقة بلاد الشام وبلاد الرافدين (العراق-سوريا-الأردن-لبنان-فلسطين).

ما هي معاهدة سايكس بيكو

في الأدبيات السياسية لا تسمى المعاهدة بـ سايكس بيكو بل تسمى رسميًا بـ اتفاقية آسيا الصغرى، ويمكننا تعريف هذه المعاهدة بشكلٍ مبسطٍ بأنها اتفاقٌ سريٌّ بين الحكومتين البريطانية والفرنسية فيما يتعلق بتقسيم الإمبراطورية العثمانية بين دول الحلفاء بعد هزيمة الأخيرة في الحرب العالمية الأولى، ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطورية الروسية كانت على إطلاعٍ على المناقشات التي تمخضت عنها الاتفاقية.

أما الاسم الشائع للاتفاقية فهو نسبةٌ لكلٍ من ممثل الحكومة الفرنسية فرانسوا جورج بيكو François-Georges Picotونظيره السير مارك سايكس Sir Mark Sykes لممثل بريطانيا العظمى في المفاوضات.1

مراحل المفاوضات

بدأت الجولة الأولى من المفاوضات بين فرنسا ممثلةً بـ جورج بيكو (وهو دبلوماسيٌّ بارعٌ له خبرةٌ واسعةٌ في منطقة بلاد الشام)، وبريطانيا العظمى ممثلةً بالسير آرثر نيكولسون (لم يكن السير سايكس موجودًا في بداية المفاوضات)، في مدينة لندن بتاريخ 23 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1915.

أصبح السير مارك سايكس رئيسًا للوفد البريطاني ابتداءًا من الجولة الثانية من المناقشات، والتي عُقدت في 21 ديسمبر(كانون الأول).

واستمرت اللقاءات بعدها حتى توصل الطرفان إلى شروط الاتفاقية التي عرفت لاحقًا باسم معاهدة سايكس بيكو وذلك بعد أن تخطى الوفدان رغبات جميع الأطراف (البريطانيين والفرنسيين والعرب) وحُددت شروط اتفاقية التقسيم لأول مرةٍ في رسالةٍ رسميةٍ موجهة من السفير الفرنسي في لندن بول كامبون Paul Cambon، إلى وزير الخارجية البريطاني السير إدوارد جراي Sir Edward Grey، وكان ذلك في التاسع من مايو (أيار) عام 2016، أي بعد أقل من ثمانية أشهرٍ على بدء المفاوضات.

صدق وزير الخارجية البريطاني رسالة السفير الفرنسي بتاريخ 16 مايو، ثم أصبحت معاهدة سايكس بيكو رسميةً عند تبادل مذكرات التفاهم بين قوات الحلفاء في 23 مايو من نفس العام.2

خريطة معاهدة سايكس بيكو

يوضح الشكل التالي خريطة التقسيم وفق معاهدة سايكس بيكو ويظهر لك جليًا أن المنطقة مقسمةٌ إلى خمس مناطقٍ رئيسةٍ، منها ما مُيّز بالترميز اللوني، ومنها ما مُيز بالترميز الهجائي، وهي:

  1. المنطقة الزرقاء.
  2. المنطقة الحمراء.
  3. المنطقة الصفراء.
  4. المنطقة A.
  5. المنطقة B.
  • المنطقة الزرقاء:

امتدت المنطقة الزرقاء من منطقة جنوب الأناضول حتى الشريط الساحلي للبحر المتوسط وصولًا لمنطقة الجليل في فلسيطن وتقع هذه المنطقة تحت السيطرة المباشرة لفرنسا.

  • المنطقة الحمراء:

حّددت معاهدة سايكس بيكو المنطقةَ الحمراء من وسط بلاد الرافدين وصولًا إلى شواطئ الخليج العربي جنوبًا، بالإضافة للأراضي المحيطة بخليج عكا وحيفا على البحر المتوسط، وكانت تحت السيطرة البريطانية المباشرة مع حقوق بريطانيا ببناء سكة حديدٍ من البحر المتوسط إلى بغداد.

  • المنطقة البنية:

تمتد هذه المنطقة جنوب المنطقة الزرقاء، وتغطي مدينة القدس حتى الخط الممتد من غزة إلى البحر الميت، وكانت هذه المنطقة تحت الإدارة الدولية (تظهر المنطقة البنية باللون الأصفر على الخريطة أعلاه نتيجة تداخل الألوان)

  • المنطقة A:

وهي المناطق الداخلية السورية وصولًا حتى الموصل العراقية، وكانت مُعدةً لقيام دولةٍ عربيةٍ تحت الحماية الفرنسية.

  • المنطقة B:

خُصصت الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن وصحراء النقب لإنشاء دولةٍ عربيةٍ ثانية تحت الحماية البريطانية.3

ماذا بعد الاتفاق

يرى بعض المؤرخين أن الاتفاق ألغي في مؤتمر سان ريمو، في حين يرى آخرون أن مؤتمر سان ريمو كان وثيقة تصديقٍ لاتفاقية أو معاهدة سايكس بيكو من عصبة الأمم.

بكل الأحوال فالخريطة المرسومة اليوم في الواقع لا تشبه بحالٍ من الأحوال ما رسمه سايكس وبيكو في خريطتهما، ويمكن أن نعزو ذلك إلى سببين رئيسيين هما التمرد الوطني التركي بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ومعارضة فيصل ابن الشريف حسين للاتفاق.

تمكن كمال اتاتورك من طرد الفرنسيين من منطقة الأناضول وإنشاء الدولة القومية التركية وحصل على تصديق ذلك في معاهدة لوزان عام 1923، في حين لم يحالف الحظ الملك فيصل في سوريا حيث هزمه الفرنسيون وأخرجوه من دمشق وخضعت سوريا بالكامل للإنتداب الفرنسي.

تم التصديق على معاهدة سايكس بيكو وإضفاء الشرعية عليها بتفويضٍ مناسبٍ من عصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو، وحصلت فرنسا على تفويضٍ للبنان وسوريا، في حين حصلت المملكة المتحدة على بلاد ما بين النهرين وشرق الأردن وفلسطين.

كان على الاتفاق الفرنسي البريطاني مواجهة معارضة مزدوجة: التمرد الوطني التركي من قبل مصطفى كمال أتاتورك في الأناضول المعارضة لمعاهدة سيفرٍ، وصعود الهاشميين إلى السلطة في بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي) وفي سوريا.

أما بالنسبة لفلسطين، فلم تعد منطقةً دوليةً حيث أصبحت تحت الانتداب البريطاني رسميًا في أبريل (نيسان) عام 1920 وذلك وفقًا لقرارات مؤتمر سان ريمو أيضًا.4

المراجع