تتمحور معظم قصص الكتاب المقدّس لدى اليهود حول نشأة مملكة يهودا ومصيرها في الزمان الغابر. فتبعًا لقَصص الكتاب المقدّس لليهود فإن الملوك اليهود حكموا من عهد سليمان، أي حوالي 1000 سنة قبل الميلاد، وحتى عام 586 ق.م حين قام البابلييون الجدد بالهجوم على مملكة يهودا وقاموا بتدمير عاصمتهم، بيت المقدس، مع معبدهم الكبير، بالإضافة إلى سَوقهم أكثر اليهود آنذاك إلى بابل.

بالرغم من أنه وبعد الهجوم الكاسح للبابليين على مملكة يهودا ومع اختفاء معظم آثارهم، بالرغم من ذلك فإن الصحائف اليهودية وكذلك الكهنة نجحوا في المحافظة على التعاليم والعادات اليهودية حتى بعد النفي الذي تعرّضوا له. وفي عام 539 ق.م ومع تمكّن سيروس ملك الفرس الجديد، من التغلّب على البابليين واحتلال أراضيهم، عَمد إلى إرجاع من تمّ نفيه من اليهود إلى موطّنهم.

مع ذلك بقي العديد منهم في موطنه الجديد في بلاد ما بين النهرين، والذين عادوا إلى أوطانهم ما لبثوا أن أعادوا إعمار مملكة يهودا ومعبدها، ونجحوا في بناء هيكل المجتمع اليهودي من جديدٍ.1

نشأة مملكة يهودا

تعود نشأتها إلى تلك النقطة من التاريخ حين حصل الانقسام بين الاسرائليين وبني يهودا، عَقِبَ ظهور مملكة سُليمان، التي انتهت بين الأعوام 931-922 ق.م، إذ إنه وبعد انتهاء حكم سليمان انقسم الحكمُ إلى كلٍ من ابنه ريهوبوم والمسؤول عن القوّات الجنوبية جيروبوم، الذي كان مسؤولًا عن المواطنين الذين أُجبروا على القيام بالأعمال الشاقة في مملكة سليمان سابقًا.

وعمد جيروبوم إلى الطلب من ريهوبوم أن يخفف العبء الثقيل من الأعمال الشاقة، الذي أرهق سليمان به القبائل القاطنة في الجنوب قائلًا “إن أباك قد عهد إلينا الكثير من الأعمال الشاقّة التي لا نطيقها فخفّف عنّا هذه الأعباء حتى نكون تبعًا وسندًا لك في حكمك”.

إلا أن ابن سليمان رفض طلب قاطني الجنوب من مملكته وحذا حذو أبيه، الأمر الذي أشعل فتيل الغضب والثورة في المناطق الجنوبية، وما تلا ذلك من انقسامٍ وتشرذمٍ في هيكل الدولة إلى دويلتين، الشمالية التي يقودها ابن سليمان وتلك الجنوبية ذات القلّة المضطهدة والتي دُعيت بمملكة يهودا.2

المملكتان الشمالية والجنوبية والنزاعات الداخلية والخارجية

كما ذكرنا سابقًا بأنه وبعد موت الملك سليمان انقسمت مملكته إلى قسمين، شمالية تحت مسمى اسرائيل، أما القسم الجنوبي فشكّل مملكة يهودا، نسبةً إلى قبائل يهودا التي شكّلت محور القوة في تلك المناطق.

يتطرّق الكتاب المقدس لليهود إلى أحد الفراعنة التي عاصرت نشأة مملكة يهودا والذي كان يدعى بشيشاك، ويصف كيف أن هذا الفرعون قام بحملةٍ عسكريةٍ هائلةٍ، تمكّن على إثرها من نهب وتدمير معظم أراضي المملكة.

بالرغم من أن السجلّات التاريخية المصرية تضمّنت أرشيفًا مشابهًا للأحداث التي تعرّض لها الكتاب المقدس لليهود، إلى أنّها لم تجزم تمامًا بوصول ذلك الفرعون المدعو شيشاك إلى بيت المقدس وتدميره مملكة يهودا.

كل من مملكة يهودا وإسرائيل استمروا يحكمون كلٌّ على أرضه لقرنين كاملين، تخلّلهما نزاعاتٍ وصراعاتٍ لا تحصى بينهما، وآخر المعارك بينهما أسفرت عن تدمير مملكة إسرائيل دون أي أضرارٍ تُذكر على غريمتها يهودا، وكان من أحد مقومات نصر مملكة يهودا هو ضعف إسرائيل على إثر الصراع الذي نشب بينها وبين مملكةٍ أخرى مجاورةٍ غير يهوديةٍ تُدعى الموآبييون، والتي أرهقت إسرائيل وأضعفت من قدراتها العسكرية والاقتصادية مسببةً خسارتها في حربها الداخلية مع مملكة يهودا.

الصراعات مع الآشوريين

مع اتّساع رقعة المملكة الآشورية بين القرنين السابع والتاسع قبل الهجري بلغت سطوة هذه المملكة أن شملت ما يُعرف في وقتنا كل من العراق والشام حتى حدود مصر. ومع هذا التوسّع الهائل حصل الاصطدام الحتمي بينهم وبين كل من مملكتي يهودا وإسرائيل. وتمكّن الآشوريين أولًا من هزيمة الإسرائليين و تدمير العديد من مدنهم.

والجدير بالذكر أن الكتاب المقدس اليهودي يذكر أن هذا الصراع كان جزءًا من حربٍ ضروسٍ كبيرةٍ تزعم قطبيها كل من يهودا مدعومين من الآشورين نفسهم في مواجهة مملكة إسرائيل مدعومين من الآراميين.

ومع تزعم سيناشيب مقاليد الحكم الآشوري عمد إلى الالتفاف والغدر بيهودا شانًّا حملةً عسكريةً كبيرةً ضدهم بلغت ضراوتها أن تمكّن الملك الآشوري من محاصرة معقل مملكة يهودا، بيت المقدس، في عام 701 ق.م. وكلٍ من النصوص العبرية اليهودية والكتابات المسمارية الآشورية جاء في ذكر هذا الحدث.

نصّت الكتابات المسمارية أن سيناشيب الآشوري لم يتمكّن من كسر الحصار ودخول بيت المقدس ولم يذكروا السبب، إلّا أنهم ذكروا أن ملكهم تمكّن من حصار ملك يهودا “كالعصفور في القفص” حتى دفع له مبالغًا طائلةً في سبيل تراجعه وفك الحصار عن بيت المقدس.3

 نهاية مملكة يهودا

بعد تولّي زيديكي مقاليد الحكم عقب وفاة أخيه جوهويكم بدأت أحوال المملكة بالتدهور، وبعد رفضه لدفع الجزية للبابليين الذين وعدوهم بحمايتهم من الخطر الآشوري، أشعل نار الحرب مع البابليين وعاد إلى تحالفه القديم مع الفراعنة، إلّا أنهم لم يغنوا عنهم شيئًا ولم يدفعوا عنه خطر البابيليين قيد أنملة ولم يمدّوا له يد العون إطلاقًا.

وكانت النتيجة أن شنّ البابلييون حملةً عسكريةً هائلةً ودمرّوا وأحرقوا معظم مدن مملكة يهودا، وحتى بيت المقدس عاثوا فيه فسادًا وهدّموا المعابد والدور الدينية، كما وسرقوا ونهبوا كل الكنوز التي كانت قابعةً فيها وأخذوها إلى عاصمتهم بابل، ليتركوها مدينة أشباحٍ ليس فيها قاطنٌ ولا ساكنٌ، وبقيت كذلك حتى القرن السابع ميلادي، في حين فرَّ من فر من بطش البابليين من اليهود إلى إحدى المدن التابعة لبعض القبائل الإسرائيلية المتبقية، معلنين بهجرتهم تلك نهاية مملكة يهودا إلى الأبد.4

المراجع