لنقل أننا نريد بناء عالمٍ على غرار عالمنا هذا، من أين نبدأ؟ ما هي المواد الأولية التي نحتاجها؟ لنأخذ أي مادةٍ موجودةٍ؛ كائنٌ حيٌّ على سبيل المثال، مم يتكون؟ أعضاء، وهذه الأعضاء تتكون من خلايا. ماذا إن استمرينا بالتجزئة؟ ما هو أصغر مكوّنٍ ممكن أن نصل إليه؟ ما هو حجر الأساس في بناء أي مادةٍ موجودةٍ؟ وتتالى الأسئلة التي شغلت بال الكثير من العلماء والفلاسفة على مرِّ الزمن؛ العديد منهم توصلوا لنظرياتٍ بعد الكثير من الملاحظات والتجارب التي يمكن رؤية نتائجها اليوم باستخدام الأجهزة الحديثة، وتوصّلو بالفعل لاكتشاف الذرة وكذلك مكونات الذرة حتّى.

مفهوم الذرة

يمكن تعريف الذرة على أنها أصغر مقدارٍ ممكنٍ من العنصر الكيميائي ـ وهنا نتحدث عن الحجوم على مستوى النانو ـ الذي لا يزال محافظًا على خواص العنصر.

كان الاعتقاد السائد أنه من غير الممكن شطر الذرة إلى مكوناتٍ أصغر، حتى تمكن العلماء من فعل ذلك واكتشفوا الجسيمات تحت الذرية التي تكون نفسها عند كافة الذرات؛ أي أنها لا تمثل الذرة بحد ذاتها، ولكن اختلاف عددها بين ذرةٍ وأخرى هو ما يميز هذه الذرات عن بعضها.

على سبيل التوضيح؛ إذا أخذنا ذرة ذهبٍ وقسمناها، سنحصل على جسيماتٍ تحت ذرية هي نفسها إن قسمنا ذرة حديدٍ، وبذلك يكون لدينا هذه الأجزاء دون الذهب والحديد؛ بمعنى آخر هذه الجسيمات لا تحمل أيًّا من خواص الذهب أو الحديد.1

مكونات الذرة (الأجزاء تحت الذرية)

تمتلك معظم الذرات ثلاث جسيمات تحت ذرية أساسية هي:

  • البروتونات Protons: تتوضع في النواة Nucleus وتكون موجبة الشحنة، ويحدد عددها نوع الذرة ويسمى العددَّ الذريَّ (Atomic Number).
  • النيوترونات Neutrons: تتوضع في النواة أيضًا ولا تحمل شحنةً.
    • تشكل  البروتونات والنيوترونات ما يسمى النيوكليونات (Nucleons) ومجموعها يمثل الكتلة الذرية النسبية (Relative Atomic Mass).
  • الإلكترونات Electrons: تدور حول النواة بسرعةٍ كبيرةٍ تمنعنا من معرفة تموضعها بين لحظة وأخرى، فهي تبدو وكأنها في كل مكانٍ بذات الوقت، وتكون أصغر حجمًا من سابقتيها، تحمل شحنةً سالبةً، وعددها مساوٍ لعدد البروتونات، وتتجاذب معها وفق قوى كهرومغناطيسية تحقق استقرار الذرة.

يختلف عدد هذه الجسيمات من ذرةٍ لأخرى، مثلًا؛ تحوي ذرة الحديد 26 بروتونًا، و30 نيوترونًا، و26 إلكترونًا، بينما تحوي ذرة الذهب 79 بروتونًا، و118 نيوترونًا، و79 إلكترونًا. نظريًّا يمكن تحويل ذرة الحديد إلى ذرة الذهب بإضافة بعض من هذه الأجزاء، ولكن لو كان الأمر بهذه السهولة لكان الكيميائيون هم الأغنى!2

حركة الإلكترونات حول نواة الذرة

بخلاف مكونات الذرة الأخرى، تدور الإلكترونات حول نواة الذرة وفق مستويات طاقية، وكلما ازداد بعد الإلكترون عن النواة تقل قوة التجاذب وتزداد طاقته، ولمعرفة عدد الإلكترونات في كل مستوى نتبع قاعدة 2n2؛ حيث يمثل n رقم المستوى، ما عدا المستوى الخارجي الذي يحمل 8 إلكترونات كحدٍ أقصى وهي التي تحدد الخواص الكهربائية والفيزيائية للمادة، وتُدعى إلكترونات التكافؤ (Valence Electrons).3

تحول الذرة إلى أيون

كما ذكرنا سابقًا، كل بروتون يحمل شحنةً موجبةً (نقول أنها تساوي +1 تقريبيًا)، وكل الإلكترون يحمل شحنةً سالبةً (نقول أنها تساوي -1 تقريبيًا)، وبما أن النيوترونات لا تحمل شحنةً، وعدد البروتونات والإلكترونات متساوٍ، تكون الذرة معتدلةً.

في حالاتٍ معينةٍ بوجود قوى خارجية، تفقد الذرة إلكترونًا فتصبح الشحنة الموجبة في الذرة أكبر، وتتحول إلى أيون موجب، أو تكتسب إلكترونًا فتصبح الشحنة السالبة في الذرة أكبر وتتحول إلى أيون سالب.

تتجاذب الأيونات الموجبة (أيون الصوديوم الموجب Na+ مثلًا) مع الأيونات السالبة (أيون الكلور السالب Clمثلًا) وتتشكل رابطةٌ أيونيةٌ بينها Ionic Bond معطيةً مركب (في هذا المثال، كلور الصوديوم المعروف بملح الطعام).4

الفرق بين الجزيئات (Molecules) والمركبات (Compounds)

تميل الذرات للارتباط ببعضها عوضًا عن بقائها حرة وذلك لتحقق الاستقرار، وخلال هذه العملية يتم تشكيل الجزيئات والمركبات، ويمكننا القول أن الجزيئات هي أصغر مقدارٍ من المركبات وتنتج عن ارتباط الذرات (أو بالأحرى مكونات الذرة مع نظيرتها من الأخرى)، أما المركب فينتج عن ارتباط العناصر الكيميائية ومكون من ذرتين أو أكثر.

للتوضيح؛ عند ارتباط ذرة هيدروجين بأخرى تشكلان جزيئة هيدروجين، وإذا ارتبطت هذه الجزيئة بذرة أوكسجين نحصل على الماء الذي يعتبر مركب (بسبب ارتباط عنصرين كيميائيين مختلفين) وأيضًا جزيئة (بسبب ارتباط الذرات ببعضها).5

الروابط بين الذرات

هناك العديد من أنواع الروابط الكيميائية بين الذرة والأخرى، وإنّ الرئيسية منها هي:

  • روابط مشتركة Covalent Bond: عندما تتقارب ذرتان من بعضهما، تتشاركان إلكترونًا أو أكثر من إلكترونات التكافؤ التي تصبح خاضعةً لقوى جذب من نواة كلا الذرتين، وإنّ قوى التجاذب الكهربائي الساكنة التي تبقي هذه الذرات مرتبطةً تُدعى الرابطة المشتركة.
  • روابط أيونية Ionic Bonds: هي قوى التجاذب الكهربائي الساكنة بين الأيون الموجب الشحنة والأيون السالب الشحنة والتي تبقيهما مرتبطين.
  • روابط معدنية Metallic Bond: هي نوعٌ من الروابط الكيميائية في المعادن والناتجة عن قوى التجاذب الكهربائي الساكن بين الأيونات الموجبة والإلكترونات الحرة.6

المتناظرات الذرية Isotopes

بشكلٍ مبسطٍ، إنّ المتناظرات هي ذراتٌ بعدد نيوترونات مختلف عن المتوقع، وتكون الذرة في هذا الحال غير مستقرةٍ وتخضع لعمليات تحللٍ تفقد نواتها خلالها طاقة بإصدار أشعة قد تتكون من جسيمات ألفا (ذرات هيليوم)، جسيمات بيتا (بوزيترونات أو نوع من المادة المضادة)، أشعة غاما (طاقة كهرومغناطيسية عالية التواتر)، أو إلكترونات الانقلاب الداخلي Conversion Electrons.

مثلًا، نسمي ذرة الكربون المتواجدة في العالم حولنا كربون-12 لأنها تحوي 6 بروتونات و6 نيوترونات و6 إلكترونات، وبذلك يكون عددها الذري 6 وكتلتها الذرية 12. ولكن هناك شكلًا آخر للكربون يُدعى كربون-14 يحوي 6 بروتونات و6 إلكترونات و8 نيوترونات، وبذلك يكون عدده الذري 6 وكتلته الذرية 14.

يعتبر كربون-41 أقل استقرارًا من كربون-12، وهو ذو نشاط إشعاعي Radioactive بسبب ميله للتحلل ليتحول إلى نيتروجين مستقر، معطيًا جسيمات تحت ذرية خلال هذه العملية. تُدعى كل من كربون-12 وكربون-14 متناظرات لذرة الكربون.7

لفهم آلية عمل هذا العالم من مكوناتٍ حيةٍ وغير حيةٍ، البسيط منها والمعقد، لا بد من معرفةٍ بأساسيات الكيمياء والفيزياء؛ فحقيقة أن الذرة تفقد أو تكتسب إلكترونات وأنها تشكل روابط بينها تبقى قائمةً حتى ضمن كائناتٍ معقدةٍ، ويمكننا القول إن كل ما بني العالم عليه بأشكاله الحية وغير الحية هو منتجٌ ثانويٌّ عن تفاعلاتٍ كيميائيةٍ وكهربائيةٍ بين عددٍ هائلٍ من الذرات غير الحية.

المراجع

  • 1 ، Atoms، من موقع: www.explainthatstuff.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 2 ، Matter, elements, and atoms، من موقع: www.khanacademy.org، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 3 ، How Atoms Work، من موقع: science.howstuffworks.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 4 ، Orbit levels of electrons in an atom، من موقع: www.physics-and-radio-electronics.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 5 ، Atoms، من موقع: www.explainthatstuff.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 6 ، Orbit levels of electrons in an atom، من موقع: www.physics-and-radio-electronics.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.
  • 7 ، What Are The Parts Of An Atom?، من موقع: www.universetoday.com، اطّلع عليه بتاريخ 7-10-2019.